السبت، 26 ديسمبر 2015

محمّدٌ (ص) طَبِيـبٌ دوَّارٌ بطِبّــهِ .


ورد عن أمير المُؤمنين (عليه السَّلام) في وصَف النبي (صلّى الله عليه و آله) وهو (ع) من يعرفه حقّ معرفته ، قائلاً :-
" طَبِيبٌ دوَّارٌ بطِبّهِ، قد أَحكمَ مَراهِمَه، و أحمَى مَواسِمَه ، يَضعُ ذلك حيثُ الحَاجة إلَيه من قلوبٍ عُمي و آذانٍ صُمٍّ و ألسِنةٍ بُكْمٍ ، مُتتبِّعٌ بِدَوائِهِ مَواضِعَ الغفلةِ و مَواطِنَ الحَيرةِ " نهج البلاغة ج 1، ص 207
يصوّر لنا أمير المؤمنين (ع) في هَذا المقطع من خطبته ، كيف كان رسول اللّه (ص) يتحرّك في المُجتمع ، وما هو دوره أزاء مُشكلات المجتمع ، هل يَجمد في بيته ، أم لا بد أن يُثبّت دوره في السَاحة ، هل يجلس في بيته بَحيث ينتظر الناس ليأتوا إليه، كما يفَعل الكثيرون اليّوم من الّذين لا يَعتبرون أنفسهم مَسؤولين عن التحرّك مع النّاس ومُعايشة هُمومهم ومشكلاتهم وحَوائجهم ، بل يبَقون في بيوتهم ليقَصدهم النَّاس، فإذا سألوُهم أجــابوا ، وإذا لم يَسألوهم، رأوا أنفسهم في حلٍّ من ذلك ، وهم من أمّة محمد (ص) .
فأنظروا إلى أمَير المؤمنين (ع)، كيف يعَطي لنا وصَفاً دقيقاً ، لحركة ومسيرة ووعي النبي محمّد (ص) داخل المجتمع ، حينما يقول هو ( طَبيبٌ دوّار بطبّه ) ، أي لا يجَلس في العيادة في انتظار مَرضاه كما هو المُعتاد والمعروف عن الأطباء ، بل عِندما ينتشر الوباء، فإنّ الأطبّاء يمَسكون مفــارق الطّرق، كــلٌّ يقف في مفرق طريق لمداواة القادمين والخارجين، حتى يمنعوا من تفشّيه، ولكنّ رسول اللّه(ص) الذي هو طبيب العقول والقلوب، لا طبيب الأبدان، إنظروا كيف يصوّر الإمام(ع) المسألة: ( طبيبٌ دوّار بطبّه، قد أحكم مراهمه ) لجَرحى العقول والقلوب، وجَرحى الأخلاق والآداب، وجَرحى القيم والمثل، وجرحى الجهل والتخلّف، فالمَرهم يُوضع على الجراح ليدملها ، ثم يقول ( وأحمى مَواسمه ) ، والمواسم هنا جمع ميسم، وهو المَكواة، باعتبار أنَّ آخر الدّواء الكيّ، فقد لا ينفع المَرهم الّذي يمثِّل الدّواء، فلا يكون أمام الطّبيب سوى الكيّ، ( يضع من ذلك حيث الحاجة إليه ) ، يضع المرهم لعلاج مرضٍ هنا، ويكوي مرضاً هناك ، وهو في مسيرته الإصلاحية ، (من قلــوبٍ عميٍ )، يُعالجها حتَّى تنفتح وتعي واقعها، ( وآذان صمّ )، يُعالجها حتى تستمع بعد وقر، ( وألسنةٍ بكم ) ، يُداويها حتى تنطق بعد بكم، فهو (متتبّع بدَوائه مواضع الغفلة ومواطن الحيرة )، أي أنه يتحرك مع الناس الغافلين الذين لم يَنفتحوا على أفق الوعي ، بل كانوا في ظلمة الغفلة يتقلّبون، ليعيدهم إلى وعيهم ورشدهم، فهو (ص) كما الطّبيب الّذي يتتبّع مواقع المرض الموجودة هنا وهناك، ويحاول أن يدرس كلَّ مظاهره، وكلّ أوضاع المَرضى.
فكم نحن اليّوم بحاجة ماسّة وضروريّة إلى ذلك الطبيب الذي يعالج أمراضنا ومشاكلنا وهمومنا ، وكم نحن بحاجةٍ ماسّة في الرجوع إلى منهج ذلك الطَبيب لكي نولد مع مولدهِ ، ونعي رسالته ، فمُحمّدٌ (ص) ذلك الإنسان الآلهي ، والأعَجوبة الخارقة ، أستطاع أن يخلّص أمة ذليلةً دمويةً ، من مخالب شياطين العادات الذميمة ، وفتح على وجوههم طريق الرُّقي والتقدّم ، لإن رسَالته تنسجم مع العقل والحكمة ، وهذا هو سبب إنتشارها في العالم اليّوم ، وكُره الآخرون إتجاهها ، فحرياً بنا ونحن في رحاب الولادة الطاهرة أن نُعيد قراءتنا لسيرة الحبيب الخاتم محمد (ص) لكي نستطيع أن نعالج أمراضنا وهمومنا ومشاكلنا ، لكي نُعيد إلى خيرَ أمَّةٍ أخرجَت للنَّاس نأمُر بالمَعرُوفِ وَننهَى عن المُنكرِ .



أسامة العتابي .
مُحمَّد الصَّـدر الذِكر النافع
وقفـة فـي ذكـرى الولادة - الحلقة الثانية -






سَلامٌ علـى مَنْ شــاءَ تَجديــد أُمّـــةٍ
وفتَّـــحَ نَصَّــاً كـــان مــنْ قَبْـلُ مُوْصـدَا
سَلامٌ عليــكَ ... الحُبُّ أَعْطــاكَ خُبْزَهُ
فقَسَّمْتَــهُ بيـــنَ اليتـــامى... تَـــوَدُّدَا
أحبّبناكَ ياسيّدي لأنّك أحببتَ الله...
يا مرسوماً فوق شغَاف قلوبنا ... زرعتَ في قلوبنا حبّ الله..
يا قلبـاً سكَنَتْ فيه كلّ القلوب.. ففاض هذا القلب على مساحات الزمان والمكان إنسانيّة وحناناً ومحبّة للناس ، وشوقاً وَوَجْداً واستغراقاً في الله...
يا حبيبنا، ياسيّدنا، أيّها الصَّدر الشهيّد .. يا نبض مشاعرنا .. إن في ذكرك منفعةٌ لنا .. كلٌ المنفعة .
لإنّك انتفاضة الروح تسري في كلّ عرق من عروقنا ..
لإنّك قــامةً شمخت تواضعاً، فنلتَ شرف الدعوة إلى الله ، بشهادتك ، وتضحياتك ، ودمائك .
وما الآن ونحن في رحاب ولادتك الطاهره ، ياسيدي يا أبا مصطفى وأنت في عُليائك ، ومن باب {وَأمََّا بنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ} أذكر بعضاً ممّا تعلّمناه من مَعينك الصافي ...
علّمتنا ياسيّدي أن نحبّ كلّ الناس ، أن نحبّ من نتّفق معهم لنتعاون معهم ونحبّ من نختلف معهم لنتحاور معهم ، بل ونحب حتى الغجر لإجل هدايتهم وإرشادهم وأرسال سهم الحقِّ إليهم .
علّمتنا ياسيّدي كيف أنّ على الرسالي أن يعيش رسالة أهل البيت (ع) في حياته كلها ، فهم ليسوا مجرّد دمعة - وإن كانت الدموع رخيصة أمامهم كَما علّمتنا - بل هم موقفٌ وحركة ، وكنت نعم الموقف والحركة في مسيرتك ..
علّمتنا ياسيّدي أن لا نعطي عُقولنا إجازة للآخرين بل نظلّ نفكّر ونفكّر ونفكّر ، حتى نُغيّر حالنا بإيدينا ..
علّمتنا ياسيّدي أنّ أيّة قوّة مهما كانت كبيرة لن تكون أعظم من قوّة «الله أكبر » فإن الله أعطى القوّة في قلوبنا وإيماننا ، ولا نخشى أي قوّة عالمية إستكبارية مهما كانت هيّمنتها .
علّمتنا ياسيدي أن نفكّر بحجم العالم، ولا نفكّر بزاوية هنا أو زاوية هناك ، لإنّك مهدوي التفكير .
علّمتنا ياسيّدي كيف أنّ على الرسالي أن يصمد أمام كلّ الشتائم والاتهامات والقيل والقال التي تتوجه نحو الذات ، لتُعرقل حركتها .
علّمتنا ياسيدي أنّه يجب على المؤمن أن يكون جريئاً في قول الحقّ و أن لاتأخذه في الله لومة لائم..
علّمتنا ياسيدي أن لا نقوم بتبنّي أيَّة فكرة من دون دليل..
وعلّمتنا.. وعلّمتنا.. وعلّمتنا..
لا أدري ما أقول ياسيّدي ، ونحن نعيش ذكرى ولادتك الطاهرة ، فكلُّ ما عندي هو بفضل لله ، وفضل وجُودك ..
كنتَ لنا النور الذي نهتدي به، وكنت الهادي لنا بكلماتك، ونفهم الواقع من خطاباتك وحواراتك ومواعظك ولقاءاتك .
ياسيدي رحلت عنّا ونحن ما أشدّ شوقنا إليك ولطَلّتك البهيّة التي توحي لنا حضور جدّك أمير المؤمنين (ع) .
يا حقّاً مكتوباً على جبين الزمن...
يا مشعلاً لن تنطفىء جَذوتُه في قلوب المجاهدين .
إلى منبع رؤاك تتطلّع القلوب العطشى للارتواء..
إلى ذلك الوهج المستمدّ من نور السماء كلمة الحق .

نتوجّه ياسيّدي بهذه الكلمات حيثُ طمأنينة الروح وسعادة النفس .
مُحمَّد الصَّـدر الذِكر النافع
وقفـة فـي ذكـرى الولادة - الحلقة الأولى -





يا بْــنَ الحقيقةِ في سُلالتِـها التي
تَمْتَدُّ حَتَّــــى مَنْـــبِتِ البُـــرْهَـــــانِ
كُـــلُّ الكَـــــلامِ مُمَــــوَّهٌ بِدُخَـــــانِهِ
إِلاّ كــــلامُ الحُـــبِّ دُوْنَ دُخَـــــــــانِ
إلى حيثُ أنت يا مولاي أيّها الصَّدر الشهيّد ، إلى حيثُ أنت في عُليائك أحملُ القلبَ على الكفّين ، أُقدّمه لك، وصَوب عَالِمَك الذي يفيض نوارنية وروّحانيــة أُبحر على أجنحةٍ الوجْد والشوق والحُبّ لألثمَ يديك الطاهرتين، و أعـانق تلك الروح التي لم تعرف يومــاً إلاّ التحليق في الإسَمى والإنقى والأطهر .
نعــم إن في ذكـرك مَنفعة :
لإنك أرَويّت قلوبنا بالخير، وبالحق ، وبـالعدل .
لإنك إنتفاضة الآمـال الكُبرى ، ترتسم فوق نبِض عقولنا والأحلام.
لإنك جداول من الزمن تسري في الأرض تُنبت غلالاً وافرة من كلّ زوجٍ بهيج..
يـا حبّة القلب .. يا مِحجرَ العين ..
لإنك نـهارنـا الذي أوجد لنا مكاناً تحت الشَمس رُغم القهر والخوف والتحدّي .
لإنك ملاذاً في ليالي آلامنا ، نَسكُن إلى حَنوّنك فنمتلأ عَزيمة وإرادات مُشرقة ..
لإنك نور صَباحاتنا يُشرق فينا نتعلّم درس العِشق في العزّة والكرامة..
يا عدل الفقهاء .. يا رائد المُجتهدين ..
يا بسمة اليتيم .. يا فرحة الحزين ..
يا حنان العابدين .. يا عيون المحبّين..
يا أنيس صَلاة الليل، يا رفيف أجنحة الملائكة ، تسدّد خَطوات الرساليين والمُجاهدين وكلّ المُتطلّعين إلى غدٍ يشرق إنسانيةً وحقاً وعدلاً..
لإنك زهرة أيامنا لا تعرف ذبولاً وخموداً ,لأنّ سُقياها على الدوام طِيبٍ من طِيب الجنة..
يا صفاء الصفاء.. يا مُسدَّداً بعين الله..
لن أكمل يا سيّدي أكثر من ذلك فأنا أعرف أنّك لم تكن تحبّ كلّ هذا الثناء لكني أسَتميحك عـذراً فهَذا بعض من فيض روحك ؛ لإنك قلت - إذكروني فإن في ذكري منفعة -
محمّد الصَّدر الفقيه الوحيد الّذي تصدى بعد أن إستشرف المُستقبل مع إستشراف ما سوف تؤول إليه ذاته الطاهرة مؤخراً !! فرضيّ لنفسه أن تحترق لتضيء عتمة وظلام وانحسار وغياب الوعي الإسلامي، ويوقف حمامات الدم التي أخذت من العراقيين مأخذاً كبيراً لإنه من العُلماء الحركيين المُلامَسين لقضايا الناس وشؤون حياتهم، يشعرون بأن من واجبهم أن يقفوا ضد الظالم، سواء كان الظالم شخصاً أو حزباً أو دولة أو محوراً دولياً ..
فالذي يميِّزه عن كافّة العُلماء المُصلحين هو إنشغالة بأمر المُجتمَع ، فهو يفكِّر ليل نهار ، وهو مشغولٌ خلال حركاته وسكناته كلِّها بإصلاح المجتمع وإنقاذه من مهاوي الجهل والضلال والفساد الأخلاقيّ ، فهو مهتمٌ من رأسه الشريف حتى أخمص قدميه بهذا الكيان الإجتماعيّ الذي أحبَّه بدافع دينيٍّ وإنسانيٍّ على السواء ، ولا يجد معنى الدين متجسِّداً إلاّ في مضمون هذا الحديث الشريف الذي أصبح بمثابة اللازمة التي تتكرّر بلا إنقطاع على لسانه " من لم يهتمَّ بأمور المسلمين فليس منهم " .

أسامة العتابي 

الثلاثاء، 22 ديسمبر 2015

مُحمّدٌ والمَسيح ، لنُولد معاً بمَولِدِهم .
أفضل ذكرى لتجديد الحوار الإسلامي المسيحي .





سوف تمّر علينا خلال هذا الأسبوع من نِهاية هذه السنّة ، إجتماعُ مُناسَبتينِ عَظَيمتين على الإنسانية في أسبوعٍ واحد، وهُما ولادة النبي عيسى المسيح(ع)، وولادة الرَّسول الأكــرم محمد (ص).
ولاشك بأن الإسلام هو رسالة إلهية إلى الناس جَميعاً وهو بهذا المَعنى يعترف بإنسانية الإنسان وحَقهُ في سلوك درب الهِداية الإلهية الروحية منها والزمنية، بحيث يؤمِّن الإسلام البناء الروحي الإيماني للناس ويضمن لهم توفير المناخات المُجتمعية الصالحة لهذا التكامل الإيماني وتظهر أبعاد هذه المناخات المجتمعية في الشريعة لإسلامية ومرونة القيم التي تنطلق منها لتحقيق الأمن الإجتماعي والنفسي، والألفة بين الناس رغم تعدّد إنتماءاتهم. وبدون هذه الخلفية والغاية الإيمانية لا معنى لأحكام الشريعة، إذ حتى العبادة إنما تكمن قداستها من كونها الطريق الذي يوصل إلى روح الإيمان..
وبينما يحتفل المسيحيّون بالذّكرى الأولى لميلاد المسيح (ع) ، يعتبر المسلمون أنفسهم مَعنيّين بالمناسبتين أيضاً ، بإعتبار أنَّ المسيح عندهم هو نبيٌّ من أنبياء الله، كما سائر الأنبياء.
وهذه المناسبة هي فرصةً لإظهار ما نشترك فيه مع المسيحيِّين من تلاقٍ حول هذه الشَّخصيَّة العظيمة - وإن كنَّا نختلف في تفاصيلها والتَّعاطي معها ـ إلا أنَّ علينا كمُسلمين أن نحتفل بهذه الذّكرى بما يؤكِّد القيم الّتي جاء بها النبيّ عيسى(ع)، والّتي نؤمن بها، كما بيَّنها إسلامنا الحنيف ، وأن يفتح باب الحوار الإسلامي - المسيحي ، مُجدّداً ، ونحن في رحاب هذين المناسبتين ، لتكون منطلقاً للتعايش بين الإديان والطوائف ، في ظلّ هذا الحراك الفكري المُتشدّد القاتل .
وقد أفاض القرآن الكريم في الحديث عن ولادة النبيّ عيسى المعجزة، وتركيزه على أنَّ عيسى هو عبد الله ورسوله وكلمته، وآيةٌ للنَّاس في كلِّ وجوده، وأنَّه النّبيّ الّذي يدعو إلى عبادة الله الواحد، كما ذكرت سيرته كيف حارب كلَّ مظاهر الانحراف، ووقف في وجه لصوص الهيكل، ولم يقبل بالظّلم والاضطهاد، وسعى لنشر القيم الإنسانيَّة والإيمانيّة في مجتمعه... وهي الصّورة الّتي ينبغي علينا أن نركِّز عليها، حتّى لا نخلط، بين العقيدة الّتي يتحرَّك بها الآخرون والعقيدة القرآنيَّة، وحتّى ننطلق لننفتح على روحيَّته وأخلاقيَّته في توحيده لله سبحانه وتعالى، وعلى كلِّ معاني المحبَّة والرَّحمة والعدالة .
فولادة هذين النبيّين تُمثّل ، ولادة التجسيد الفعلي لثقافة النور والمحبّة، الّذي تركته لنا سيرتهما العظيمة على الوجود كلّه، من خلال ما قدّما من مواقف ومُخطّطات تظلّ أملاً وهدىً للبشريّة المتخبّطة بفوضويّتها وكلّ ما يتّصل بعَالمها المادّيّ والدنيويّ .
والسؤال الكبير والثّقيل المُفترض من كلّ إنسان يحبّ السيَّد المسيح(ع) وتابعٌ له ، ويُحبّ النبي الأكرم (ص) و تابعٌ له ، في ذِكرى ولادتهما المباركة أن يطرح قائلاً : ما هو معنى هذا المِيلاد في حياتنا؟ وكيف يمكن أن يَتحقّق ولو جزئيّاً في هذه الحياة الّتي نعيشها سواء كنّا مسيحيين أو إسلاميين ؟!
نرى أنّنا لا زلنا بعيدين عن إدراك المعاني الجميلة لتلك الولادة ، والدّليل هو الواقع المعاش، حيث تتفجّر الصّراعات والنزاعات وتنهش في جسد المجتمع؛ تفكّك أسري، مشاكل عائلية، سقوط وانحدار على كلّ المستويات... بينما هاتين الوِلادتين ، ولادةٌ للحيَاة بكلّ ما تزخر من عطاء نافع وفاعل، إعلانٌ لولادة الخير في كلّ السّاحات، ولادة نور العمل والمعرفة في القلوب والعقول، ولادة لقول كلمة الحقّ على كلّ الألسن، ولادة للتصدّي لكلّ ظلم وإفتراء يطاول أيّ شيء، ولادة للرّحمة الّتي تعمّ كلّ الوجود وتضفي عليه الأمن والسّلام، ولادة الوعي والانفتاح وعدم التخلّف والانزواء والتّقوقع..
واليوم، ونحن في أجواء هذا الإجتماع المبارك للولادتين ، إذا ما استطلعنا الواقع، نجد الكَثير من التّعقيدات والمشاكل الّتي تثير الفوضى والفتن هنا وهناك، وتسرق كلّ أملٍ بإعادة إحياء ما اعوجّ من النّفوس والعقول الّتي أراد لها المسيح(ع) وأراد لها الخاتم محمد (ص) في كلّ حركاتهما وسَكناتهما أن تتحرّك على أساس التزام حدود طاعة الله ومرضاته. فالإنتماء الحقيقيّ إلى المسيح(ع) أو إلى النبي الأكرم (ص) ، هو انتماء إلى خطّ الله في الإخلاص له وتوحيده العمليّ الّذي ينعكس خيراً ومحبّة على كلّ ربوع الوجود، ورغم كلّ السوداويّة، علّمتنا سيرتهما العطرة ، أن نبقى مؤمنين صابرين محتسبين، نسعى على الدّوام إلى نشر ثقافة المحبّة والسّلام، وأن نجاهد أنفسنا ونرفض الظلم، ونقول كلمة الحقّ، وأن نمثّل إنسان الله الحقّ في أرض خلافته، وأن نخرج من دوائرنا وعصبيَّاتنا الضيِّقة إلى رحابة الحياة، بالدّعوة إلى كلّ برٍّ ينمو ويبقى .
فهلاّ نستلهم كلّ جميل وخير وبركة ووعي وعلم من سيرتهما التي تعتبر المجسِّد الحقيقيّ لإنسان الله في ملكوته. إنّها مَهمّتنا في حسنِ الانتماء، لنُحسِن أن نمشي على درب الخلاص...
وفي الوقت الّذي يحتفل الكثيرون بهذه المناسبة، ويستغرقون في شكليَّات معيَّنة، علينا أن نكون متنبِّهين، حتّى لا ننحرف عن الخطِّ التَّوحيدي العقيديّ الإسلاميّ وحتّى نبقى نتذكَّر ونستحضر أنّنا نؤمن بعيسى(ع) رسولاً لله وعبداً له ، وأن محمّداً عبده ورسوله وخاتم أنبياءه ورسله الذي أصطفاه على خلقه ، ولا ننحرف عن خطّهما .


أسامة العتابي 

الثلاثاء، 15 ديسمبر 2015

[العَالِم الشيعي ] و [ العَالِم السُنّي ]
في الحِراك الفكري المُعاصر وعَدم إحتواء الآخر .






لقد أصبحت لفظة (العَالِم) اليّوم في ظلِّ هذا الحِراك الفكري المُتشدد والمتعصّب لا معنى لھا بما تحمله من معاني كبيرة وجَليله ، فقد أصبحت سِتاراً للجَھلِ والمَصالح الطائفیة أو الآیدیولوجیة .
عَجیب أمر ھؤلاء إذ یَزعمون أنھم مالكو الحَقیقة المُطلقة ومع ذلك یتناقضون حولھا ، یُذكّرني ھذا الحَال بما صَوّره المَرحوم علي الوردي، كیف أن (العالِم الشیعي) و (العالِم السُنيّ) كُلٌ مِنھما یدّعي أن إستدلالاتهُ مَنطقیة صَحیحة لا ریب فیھا، ومع ذلك یتضارب القیاس
المنطقي فیما بینھما ، یبقى أن من الصعب حلِّ النزاع بین الطرفین وكُل مِنھما یضفي على نفسه وَھَم القداسة الدینیة، فأصَبح المذھب دیناً، والدین مَذھباً، وصار التفریق بینھما عَسیراً للغایة
فسواء العُلماء أم الأتباع ، أغلبھم یظنّ بأنه یحَمل ما یُمثّل عَین الدین، أو یطابقه دُون تردّد، خِلافاً لما یحمله المَذھب الخصم. فنحن بالتالي أمَام حقٌ مُطلق في قِبال باطلٌ مٌطلق ، فكِلاھما یرى أنه صَاحب حق مٌطلق، وكثیراً ما یكون التوھّم بأن ھذا الحق لا یتَجاوز الكِیانین المذكورین .
فالدّین إمـا أن یتمثل بما یقوله الشَیعة أو ما یقوله أھل السُنّة ولا ثالثة لھما. وأتذكر بھذا الصدد كَلاماً لمُحمّد جَواد مغنیة وھو ینقل حِواره مع أحد المشایخ السُنّة الذي یرى أن الحِوار بین السُنّة والشیعة یحتاج إلى طَرفٍ ثالث، فیجیبهُ مَغنیة : بأن ذلك یعني الحاجة إلى مسیحي أو یھودي، مما یعني أن الإسلام قد أنحصر في ھذین المذھبین المتخاصمین.
لقد إعتادت المؤسسات الدّینیة إظھار التناقضات العقائدیة الحادة لإستفزاز الآخر. فمن المألوف تضلیل المُقابل وجواز غیبته وعدم الإعتراف بإیمانه وإبطال عباداته أحیاناً بل يصل إلى تكفیره، ویصل ببعض كبار العُلماء إلى أن یَصف في أحد كُتبه الفقھیة الإستدلالیة أتباع الطرف الآخر بأنھم أشرّ من النَصارى والیھود وأنجس من الكلاب والخنازیر، وأنه لا یجوز الترحّم على مَوتاھم.. الخ
ومثل ھذا الوصف نجده لدى عدد من رجالات الطَرفین وعلمائھم.
وللأسف فإن نسبة كبیرة من الطَرفین تُساھم في ھذه النغمة، بدعوى الدیانة، والحقائق الواضحة، وإنجلاء الحق وتمَایزه عن الباطل، والفرقة الناجیة وسط فرق الضلال، وما إلى ذلك من مُبرّرات قد اشبعتھا الكُتب المتنافسة. لذلك كان من الصعب القضاء على ھذه الآثار التاریخیة المُدمّرة والتي مازالت تُخیّم على عُقول الكثیر من الناس، علماءاً وأتباعاً.
فمن الحقائق المُفارقة والمُصَادمة أنه بالرغم من أن الإسلام جاء لیوحّد أبنائه ویُحذّر من حُلول الفرقة فیھم، كما حَلّت بأھل الكتاب من قبل، فإذا بھم یعملون على تفریقه وتقویضه ! أما دَعوات التقریب بین المذاھب فھي لم تجنِ شیئاً رغم ما مرّ علیھا من عُقود طویلة، وأن الإعتراف بشرعیة الطرف المقابل ظل محصوراً وضیّقاً الى أبعد الحدود.. ولا أتوقع أنھا سَتتغلب على المشاكل التي تواجھھا، لمسألة بسیطة تتعلق ببعض التناقضات المُسَتفزّة والتي یُصَعب حلّھا ما لم یتم التنازل عن أمُور تعتبر لدى الطَرفین من صمیم العقیدة الدینیة.

فالدعوة إلى الوفاق تتطلب التضحیة بأغلى الأثمان .
أين أزهر اليّوم من وثيقة الشَيخ شَلتوت .




الشيخ محمود شلتوت: وهو من أبرز الشَخصيّات التي قامت على أكتافها دعوة التقريب، فقد آمن بفَكرتها منهجاً قويماً، وأسهم منذ أول يوم في جماعتها، وفي نشاط الدار، كان مِنها تلك الفصول المتتابعة في تفسير القرآن الكريم التي نُشرت بمجلة "رسالة الإسلام" قرابة أربعة عشر عاما، كما عرّف كثيراً من الحقائق التي كانت تحول بين المسلمين وإجتماع الكلمة وإئتلاف القلوب على أخوة الإسلام.
وعندما عُهد إلى الشيخ شلتوت بمَنصب مشيخة الأزهر، أصَدر فتوى بجواز التعبّد على المذاهب الإسلامية الثابتة الأصول، المَعروفة المصادر، المُتَبعة لسبيل المُؤمنين، ومنها مذهب الشيعة الإثنا عشرية، وكان لفتواه صَدى بعيد الأثر في مختلف بلاد الأمة الإسلامية.
وقد التزم الأزهر الشريف هَذه الدعوة إلى التقريب بين أصَحاب المذاهب المختلفة؛ فقرّر دراسة فقه المَذاهب الإسلامية سُنيّها وشَيعيها دراسة تعتمد على الدليل والبرهان، وتخلو من التعصّب لفُلانٍ أو فلان. كما أنه أهتم في تكوين مَجمع البُحوث الإسلامية بأن يكون أعضاؤه مُمثلّين لمُختلف المذاهب الإسلامية
وكانت تُعقد في دار التقريب إجتماعات يجلس فيها المَصري بجانب الإيراني واللُبناني والعِراقي والباكستاني وغير هؤلاء من مُختلفِ الشعوب الإسلامية، كما يجلس الحَنفي والمالكي والشافعي والحنّبلي بجانب الإمامي والزيدي حول مائدة واحدة، تجَمعهُم روح الأخوة والمودّة والمحبة وزمالة العِلم والعرفان.
وأشترك كبار شيوخ الأزهر في لجان القوانين، يبحثون عن أقوال الأئمة الموافقة لمصلحة الأمة، فيعَدِلون أحيانا عن مَذهب أبي حنيفة إلى مذهب غيره، بل يعَدِلون عن الراجح في مَذهب أبي حنيفة إلى المرجوح. وقد يَخرجون عن دائرة مذاهب السُنّة الأربعة إلى مذهب آخر إمامياً كان أو غيره من أجل الوقوف على الرأي الراجح والأقرب إلى العقل والمنطق والفكر .
فأين أزهر اليّوم من تلك الأعمال التي كانت تعمّ بالعلم والفكر والمودّة والمحبّة ، فبدل أن تستمر على ذلك المسار السليم ، تعمد إلى عمل مسابقة تخصّ دراسة أسباب نشر التشيّع ومخاطره على الأمة الإسلامية ، وجعل هناك جوائز ماليه لمن يُقدّم أبحاث عِلمية تخصّ ذلك ، فماذا حدى مِمّا بدى ..


رسالة نقدية للأزهر الشريف .




سؤال : ومن حقّنا جميعاً أن نطرح هذا التساؤل بصراحة لأنّ الصراحة والمُكاشفة الصادقة هي مفتاح الحلّ وشيمة الأقوياء :-
لماذا كان نشر المَذهب السلفي في بلاد المُسلمين بدعمٍ مالي [ ريالي ] أو [ دولاري ] غير مَحدود، لا يُعبّر عن خرق للأمن العقائدي الإسلامي في الوطن العربي ، بل أعتباره دَعوة دينية لها وجهة نظر ويجب أحترامها ، فيما النشر المَحدود للمَذهب الإمامي يُعتبر جريمة على مستوى الإسلام والمسلمين ؟!!
إنّني أتكلّم هنا على مستوى ديني صرف لا غير ، رغم أنّ المُستوى السياسي متساوٍ أيضـاً، فكما يُمكن تفسير خطورة التمدَّد الشيعي من قبل الأزهر الشريف على أنّه بسط نفوذ لهذه الدَولة الشيعيّة، كذلك يمكن تفسير خُطورة التمدّد السلفي على أنّه بسَط نفوذ لهذه الدولة السنّية المُعيّنة والمعروفة.. لكنّني لن أذهب في دَهاليز الجدل السياسي، وإنّما أتكلّم هنا من ناحية دينية فقط حتى لايُفسّر الكلام بخلاف ظاهره ..
وليس لديّنا من تفسير للتمييز بين المَذهب السلفي هُنا والمذهب الإمامي إلاّ قضية تكفير الشيعة، وأعتبار نشر مذهبهم نشراً للكُفر، وكأنّهم خارج المِلّة. وقد بحث المتخصصون فيما سبق في دراساتهم إنّ موضوع التكفير يجب حَلّه من جذوره، وإلاّ فلن يكون هُناك معنى للحديث عن تقارب إسلامي داخلي وحدوي .
ما ندعو له بصَدق هو أن تُعيد المُجتمعات والمؤسّسات الدينية السنّية النظر في موقفها العام من الشيعة وخصوصاً الأزهر في مصر ، فإذا كانوا مذهباً إسَلامياً كالماتريدية والمُعتزلة والأشاعرة والسلفيّة والمتصوّفة في العقائد، وكالحنفية والشافعية والظاهريّة والمالكية والحنبلية في الفقه والفروع، فلماذا التمييز بينه وبين هذه المذاهب العقيديّة والفقهية المنتشرة اليوم في العالم السنّي؟!
لماذا تحوّلُ شَخصٍ إلى المذهب السلفي ـ بعد أن كان صوفيّاً ـ لا يُعدّ كارثةً، بينما تحوّله إلى شيعي وإمامي هو مشكلة كبيرة على المستوى الديني؟! ولماذا تحوّل الشافعي إلى مالكي على مستوى الفروع ليس مشكلةً تستحقّ إثارة الرأي العام بيننا .


ماذا يمكن تفسير مثل هذه الإشكاليات المطروحة ؟!

السبت، 12 ديسمبر 2015

الأزْهَر الشَريف ومُسابقته الجديدة
نشر التشيّع في المُجتمع السُّنِّي 
( وقفة نقدية )








أعلن الأزهر الشريف في مصر بالتَعاون مع مدينة البُعوث الإسَلامية وكلية العلوم الإسَلامية للوافدين عن إجراء مُسابقة ثقافية حول موضوع : ( نشر التشيّع في المُجتمع السُّنِّي : أسبابه، مخاطره، كيفية مواجهته ). وأعلنوا عن وجود جوائز قيّمه للفائزين .
وهذا الأمر يوضّح أن الأزهر الشريف بعدما كان بأيدي إسلامية مثقفة واعية فهو الآن سائر في أيدي طائفية تعصبيّة أقرب إلى التكفير الداعشي ، وما شعارات الوحدة والوئام إلاّ مُجاملة للواقع الشيعي ، فتُكثر المُؤتمرات، وتتعدَّد الشِّعارات، ونظلُّ نحن ندور في مَكاننا، فلا تقريب ولا وحدة ، مع أنّ فكرة التَّقريب عندما تأسست قد إنطلقت من دار التَّقريب في القاهرة، وكانت إنطلاقة ضوءٍ في كلِّ ذلك الظَّلام الّذي عاش فيه المسلمون التعصّب الغبيّ، الَّذي لم ينطلق حتى مما يتحدَّث به المتعصِّبون من فكرٍ هنا وفكرٍ هناك .
واليوم يُعاد ذلك التعصّب الذي ينطلق من تخلّفٍ في فهم معَنى حركة الإسلام في العالم، ومن معنى تكامل كلِّ الطَّاقات الإسلاميَّة من أجل فهم الإسلام، بمثل هذه المسابقات .

هناك إدْمان في الأزهر الشريف على ثقافة التجزئة ، فلم تُعد المَشكلة اليّوم هي كيف تُوحِّد المَسلمين، بل كيف نوحّد السنّة في داخلهم، والشيعة في داخلهم، والمَذاهب الإسلاميّة الأخرى في داخلها، كيف نوحّدها لتتحاور ولتتعاون ، لا أن يكفِّر بعضها بعضاً.. فهل وحْدَ الأزهر المُجتمع السُني حتى يستطيع أن يتوحد مع المجتمع الشيعي .

لقد أصبحت مسألة التّكفير هي الطابع الَّذي يحكم الواقع الإسلاميّ،مع شديد الأسف ، دون أن نحدِّد على المستوى الموضوعيّ، وعلى المستوى الكتاب والسنَّة ما هو مفهوم الكفر في الإسلام، ما هي العناصر الحيويّة التي يكون الإنسان بها مسلماً، وبإنكار أحدها يكون الإنسان كافراً.. ضاعت القضيَّة في داخل هذا المفهوم، فأصبح لكلّ طرف أو كلّ فئة مفهومها في الكفر والضّلال وما إلى ذلك من الأمور ..

اليّوم الأزهر وهو يفعّل مسابقة حول نشر التشيّع في المجتمع السُنّي ودارسة أسبابه ، ومخاطره ؛ بـأعتبار أن التشيّع حركة ضد الإسلام والمسلمين. وما هذا إلاّ يُنمي عن تخلفٍ وعدم وعي ، ولا أريد أن أسجِّل هنا تشاؤماً أو يـأساً ، ولكنّني أريد أن أسجّل مشكلةً حقيقيَّةً تحفر في داخلنا، تعني أنّنا لا نزال متخلّفين ونحن نملك علماً، متخلّفين ونحن نملك أبحاثـاً ، إنّنا متخلّفون في معنى دور الإسَلام في الحياة، وحركة الإسلام في مواجهة التحدّيات، عندما نُدخل الإسلام في سجن ذواتنا ونغلق عليه ونجعله [ تعصّب ] لجهة و [ إقصاء ] لجهة ، فنحن لا زلنا في أدنى درجات التخلّف ..

إن الّذين لا يفتحون قلوبهم للحوار هم ضُعفاء وجبناء، لأنهم يخافون من الحقيقة أن تهزم أوهامهم، لذلك، لن ينطلق الإسَلام في الواقع إذا لم نجعله يتحرك في الهواء الطَلق .
نحن عندما نريد من الأزهر أن يكون وحدوياً فهو للإسلام، لا نريده شعاراً سياسيّاً يرفعه من جهة ويعمل مسابقات وبحوث [ ضدّيه للآخر ] من جهةٍ أخرى ، إنّ الوحدة نُريدها للإسلام قوّةً توحِّد الفكر أو تقاربه، وتوحِّد المواقف أو تقاربها، لتنفتح على الآخرين من خلال كلمةٍ سواء، تنطلق لتتعاون مع كلمةٍ سواء، لأنّنا عندما ننطلق مع الآخر لنتعاون معه أو لنتكامل معه في الكلمة السّواء .

لذلك، لافائدة من جميع مؤتمرات الوحدة والتقريب ما لم ننزل إلى الأرض، ننزل إلى الأمّة ، ونحدِّثها عن الوحدة الإسلاميَّة بصدق ، ونحدِّثها عن أنَّ الخلافات بين المسلمين يمكن أن تمثّل التنوّع الّذي يغني الإسلام، ونذكر لها أنَّ الخلافات بين المسلمين قد تكون ناشئةً من عدم فهم هذا لذاك، لأنّه لم يسمع منه .
إذا كنّا مؤمنين بالوحدة الإسلاميّة، وبأنها هي الّتي تعطي للإسلام قوّته، فإنّ علينا أن ننزل إلى القاعدة، وربما ترجمنا القاعدة الّتي ربّيناها على الطائفيّة وربّيناها على الحقد وعلى السبّ واللّعن.. ربما تنطلق القاعدة اليّوم لترجمنا بالحجارة .

فيا أيّها الأزهر الشريف : هل تُريدون الإسلام؟ أثبتوا ذلك صدقاً، لا في شعاراتكم، هل تريدون الإسلام أم تُريدون عصبيّاتكم وذاتيّاتكم؟ إنَّ العالم الآن يعلن حرباً على الإسلام، الّذي يسمّيه الإسلام الإرهابيّ، الإسلام المتطرّف، الإسلام المتشدّد، الإسلام المتعصِّب، الإسلام الداعشي ، ويختار من واقع المسلمين شيئاً من هنا وشيئاً من هناك، وعلينا أن نستعدَّ للمعركة، بأن تكون الوحدة الإسلاميَّة هي معنى الإسلام فينا، لا أن نكون شيعة أو أن نكون سنّة، علينا أن نكون المُسلمين الشّيعة والمسلمين السنّة، لأننا إذا أغفلنا الإسلام في إنتسابتنا وبقيّنا في المذهب، فإننا نحوِّل المذهب ديناً، حتى على حساب الإسلام .


أسامة العتابي .
الإِحْيَاء النَبَويّ في المَنهج الصَّدري
خطـوات السيَّد مُقتدى الصَّدر - إنموذجـاً -





المُتتبع لسِيرة حَبيبنا الصّدر الشهيّد ، يجد هُناك جُملة من الإرشَادات والتوصيات الإيَمانية والأخلاقية المُرتبطةِ بالفرد والمُجتمع ، والتي كانت تصدر من قِبلِه ؛ لإجل التربية والتكامل [ الذاتي ] و [ المجتمعيّ ] ، وإظهار الحَالة الإيمانية في عراقنا الجريح في وقتٍ غابت فيه تلك الأجواء الرُوحية التي تربط الفرد المُسلم بالدين ، وكان ذلك من خِلال العَمل عِبر وسَائط دينية وثقافية عَديدة لزيـادة وتيرة الوعيّ الدينيّ والحقوقيّ والسياسي في المجتمع ، ضمن قناعة أساسية وهي - أنه كلما أزداد وعي الناس ، توفّرت فرص فعلية في مشاركة شرائح إجتماعية عديدة في الشأن العام - وإن قِوى الإستبداد السياسيّ تراهن دَائماً لبقاء وإستمرار هَيمنتها على جهلِ الناس وهُروبهم من تحمّل المسؤولية ، لذلك فإن جَوهر النشاط الديني والثقافي الذي قام به شهيدنا الصَّدر يستهدف تأسَيس وتعزيز قيمة الوعيّ في الفضاء الإجتماعي ، وذلك بوصَفهِ هو جَسر عبور قِوى المُجتمع للتعبير عن ذاتها في الشأن العام .
ولذلك شكلت تلك الوصايا الدينية المَحور التعبوي الأبرز في حركة الصَّدر الشهيّد أزاء المُجتمع ، ونجاحها حرّض السُلطة الغاشمة لوضعِ حدٍ لها من خلال إغتياله ، ورغم أنها مثّلت آلية تَعْبوية بشكلٍ دوري ، فإنه - أي الصّدر الشهيد - لمْ يكتفِ بها في سَياسة التحشيد الإجتماعي التي عمل بها ، بل أنه حاول من خلال هذه السَياسة أن يجعل من المُناسبة الدينية مِحوراً من محاور أهتمامه لما تُحقّقه هذه المُناسبة الدينية من حُضور جمعي .
فقد تعامل مع مسيرة الأربعين إلى كربلاء بشكلٍ يعكس أهتمامه بأي إجراء يُحقّق حالة تعبئة عامة في وسط الأمة . ومن ثَمّ أستثمر هذه المناسبات في مشروعه التغييري الكلي ، وحثّ عَليها ، كما أنه حاول أن يؤسس لمناسباتٍ جديدة مغايره في الإتجاه الشيعي، بغية إيجاد أكبر عدد من آليات الإتصال بالناس ، ومُحاولة تدريبهم على لعبِ دور ما وفق ضوابط شرعية، وإرشادات القيادة الدَينية وبالتالي ربطهم بها .
ومن تلك المناسبات هي ما نعيشه اليّوم من ذكرى شَهادة النبي الأكرم مُحمّد (ص) التي وقف بها حبيبنا الصّدر وقفة نقدية ضدّ الإتجاه الشيعي أزاء شخصيّة النبي الأكرم حيث قال في خطبة الجمعة : { أما وفَاة النَبي (ص) كإنّها مَنْسَية ، أو نُصَف مَنسيّة .. فكأن النبَي لغيَرنا. فهل نرضى بهَذه الشَنعة والسُبّة ؟ سُبحان الله. إنّما كان شأنُ الحُسيَن وعَظَمة الحُسيَن لإنَّه من أتباع النبَي وقـُـتَل في سبَيلِ النبَي (ص)، إنّما كان شَأن أمير المُؤمنين وفاطمَة الزهراء لإنّهما لهما المَقام الأعظّم عنَد النبي (ص). فمن هو الأعظم هَؤلاء أم النبَي ؟ فلِمَاذا لا نـُـقيم للنبَيّ وزنَهُ الكاَمل ؟ هَذا هو الظُلم بعيَنه } .
ثم يستنتج من ذلك أهمية هذا الأحياء قائلاً : { واُريد أن أستنتج نتيجة واحدة : إنْكم إن شاء الله تعالى على مُستوى طاعة الله سبحانه وتعالى وعلى مُستوى طاعة الحوزة بعون الله تعالى ..ففي الأربعين أنا نَهيتكُم عن الزيارة فأنتهيتم أما الآن فـأنا أمَركُم بالزيارة في يوم مولود النبي (ص). كُلّ من يَستطيع من شيعة العراق أن يحضر إلى النجف الأشرف وليس فيه ضرورة فلَيزُر أمير المؤمنين - سلام الله عليه - لاتُقصّروا أمام أمير المُؤمنين وأمام رسول الله (ص)، ليس أمام السيَّد محمّد الصَّدر يروح السيَّد محمد الصَّدر ويبقى الله ورسُوله وأمير المؤمنين وولاية أمير المؤمنين. أقصدوا أمير المؤمنين من كلّ صَوبٍ وحَدبٍ من أجل أثبات طاعة الله سبحانه وتعالى قبل طاعة الحوزة } إنتهى كلام الشهيد الصَّدر .
ويَتَبيّن من ذلك الكلام بأن الشهيَّد الصّدر أمر بإحياء هذه المُناسبة على المستوى الإجتماعي وأوصى بضرورة إحياءها ، ونرى اليّوم تلك الجُموع المحمّدية التي قَصَدت النجف الأشرف بعد توجيهِ بقيّة الصّدر الشهيد سماحة السيَّد مقتدى الصَّدر – دامت إرشاداتهُ – في إحياء هذه المناسبة ، وإعطاء وزن كبير لتلك الشخصيّة الآلهية التي خَلقها الله تعالى من نوره الأتمَّ ، سَيراً على ذلك النهج الإحيائي ، لبناء كُتلة مُجتمَعية مُتجانسة ومُتعَاونة تعمل على تعمَيقِ حَالة الوعي الديني والسياسي في المُجتمع .
فقد خرجت هذه المناسبة إلى الوجُود من تحت دثار الحُجب والتعتيم والتجهيل كغيرها من المناسبات والشعائر التي أحياءها شهيدنا الغالي ، فأمَتدْت اليّوم كالنور والنسيم، تُضيء النفوس، وتنعش القلوب، وصار التيار الصّدري وحُشوده المباركة هو رائد السَاحة في إحياء هذه المناسبات ، وصاحب الكلمة الفصل فيها ببركة توجيهات قائده الفذّ .
وكانت ظاَهرة هذا الحُضور الإسلامي هو ظَاهرة إستثنائية، لم تحصل طيلة تاريخ التوجّه الإسلامي في أرض العتبات، حيث ثبت بالواقع الملموس صَحة النظرية الصَّدرية التي أسَسّها الصَّدر الأول وهي (قيادة المرجَعية الصَالحة للأمة)، وفعّلَها بالحَكمة الفذة تلميذهُ البار، فارس المَيدان (الصدرالشهيد الثاني) على خِطى أستاذه الحَبيب ، مُكمّلة الآن بَبقيّتهم الزاخرة سَماحة السيّد مقتدى الصدر – دامت توفيقاته - .
وهذا هو المحور الأساسي الذي شكّل مَلمحاً من ملامح المَشروع الصدري التغييري يتمثل بالعلاقة بين الحوزة والأمّة، وأكتشاف الآليات والأساليب والطرق الكفيلة بإيجاد علاقة من نوع آخر بينهما، فكانت مثل هذه المناسابت هي أكبر آلية تواصَلية بين الفقيه والمجتمع وبين الحوزة والأُمّة، إذ لم يعمل بهذه الآلية من قبل، إلّا تحديداً ، ولوعي الشهيد الصدر بأهمية مثل هذه المناسبات ؛ فإنّه أعطاها أهمية استثنائية، وأوصى بضرورة أو وجوب مُواصلتها حتى بعد موته. وذلك حينما كشف لأوّل مرّة وبكلّ شجاعة عن سِلبيات الزعامة الدينية وانتقد بكلّ صدق دور الحوزة العلمية في المجتمع وأوضح البون الشاسع بين منهج عليّ بن أبي طالب وبين المنهج الراهن لرجالات المذهب، وأنار للناس السَبيل الذي يبعث في نفوسهم الأمل بعدما ران عليها حجاب من العتمة والخوف والجهل واليأس.
إنّ التجربة الصدرية في العِراق مثّلت صُورة جديدة من صور حركة «الإسلام السياسي الديني » في المَسيرة الإسلامية العامة في العالم الإسلامي وفي العالم أجمع، وبقدر ما عكست هذه الصورة، وهذا المشروع الإحيائي من خصوصية نابعة من الظروف والجغرافيا والإبداع الذاتي الفقهي الثوري، فإنّها عكست من خلال الأداء العامّ لهذا المشروع وأدبياته، تواصلًا مع الحركة الإسلامية العالمية بكلّ صورها ومظاهرها الأخرى .
لقد كان الإحياء النبوي لهذا العام وسَيلة عملية من وسائل وعي الأمة وإعدادها إعداداً نفسيا للمستقبل ولما هو مرسومٌ لها من دور مستقبلي. ونحن نجزم بأن النظام الصَدامي البائد شعر بعَظم هذة الخطوات ونهاياتها الحَتمية، فعجّل من أن يقطع الطريق أمام الشعب لجني المَحصول من نهضة الشهيد. فأمر الشِمر وجَماعته بقتل حسين هذا العَصر سيدنا الشهيد الصدر (قدس سره).فعلينا أن لا نميت ذكره ، ونبقى سائرين على نهجه .
وبفعل ما أبدعه السيد الشهيد وسار عليه ولده المُفدّى من وسَائل للتواصل مع الناس ، وتوظيف المناسبات الدينية والإجتماعية المختلفة لزيادة وتيرة التعبئة والتحشيد الاجتماعي ، تمكن هذا الخط المبارك من بناء هذه الكتلة الإيمانية في عراقنا الجريح بفضل الله وفضل قيادته الحكيمة ..


أسامة العتابي
28 / صفر الخير / 1437 هـ

ذكرى شهادة الرسول الأكرم محمد (ص)

الجمعة، 27 نوفمبر 2015

الحُسين - عليه السَّلام - وسيَّطرته العَالمية .



إنّ الإمام الحُسين (عليه السَّلام ) ذلك الثائر الذي خَرج ضدّ الظلم والإنحراف والطغيان والإنحطاط ، وقد أستشهد هو وعِياله وأصحابه وسُبيت نساءه وأطفاله ، كلّ ذلك كان قبل أربعة عشر قـرناً ونصف ، ولا زال مُسيطراً على النُظم البشرية والعالمية ، بل وعلى المُجتمع البشري [ كافّة ] سيطرةً أقوى من سيطرة أيّ نظام في العالم، وهذا ما نُشاهده الآن في زيارة الأربعين وتلك القلوب والعقول والحشود تتوجّه كلها إلى ضريحه الشريف ، حيث يَخرجُ زمام الأمر من يد الدَولة ويكون بيد الحُسين(عليه السَّلام) وهذا ما قاله بعض المَسؤولين من أن الحسين(علية السَّلام) هو الذي يَحَكُم العِراق خلال زيارة الأربعين.
بل لو أُطْلِق الفضاء للشُعوب الأخرى حتى الغربية منها ، وفكّ عن سَراحهم وعن سَيطرة أنظمتهم ، لرأيناهُم ينجذبون ويَنقادون بلا شعور لكعبة العشاق والزوّار ، وما تُمليه مبادىء الحُسين وقيم الحسين والجوّ التربوي لسيّد الشُهداء ( صلوات الله عليه ) ، لعاشت البشرية في الجنان لأنَّه(عليه السَّلام ) يَحكم القلوب إلى الصَفاء، وليست البشرية وحدها تنقاد له بل حتى الملائكة ، فقد ورد عن أبي عبدالله(عليه السَّلام) قال : ليس من ملك في السماوات والأرض إلاّ وهم يسألون الله عَزَّ وَجَلَّ أن يأذن لهم في زيارة قبر الحسين(ع) ففوج ينزل وفوج يعرج .
السيَّد محمّد الصَّـــدر وإحيــــاء سُنّة

المَشي إلى زيارة الحُسين (عليه السَّلام ) .





عندما نتابع حَركة المَرجعية التي قادها السيَّد الشهيّد الصّدر (رض) نجد أنها ذات حُضور تغييري واسع في وسط الأمة، بحيث أنجز تجربة عملية تغييرية مُتميّزة، يقودها فقيه في بلدٍ مثل العراق بحركةِ إنتاجٍ فقهيه عَملية ، أيَّ بمعنى فقه يُواكب حَركة الحياة والحُكم والمُجتمع، بتطوّراتها، ومُستجدّاتها، وتحدّياتها، وآفاقها المُستقبلية، من خلال ربط الفقه بالواقع وبَعْث رُوح التجديد فيه ، فكانت مرجَعيتةُ بين مرحلتي التأسيس والتحريك ، مرحلة (التأسيس) التي بدأها أستاذه الشهيد الصَّدر الأول ، ثم مرحلة (التحريك) التي قام بأعبائها الشهيد الصَّدر الثاني (قده) ووضع لها بسُلوكه وفكره وحركته العبادية السَياسية منهجها التغييري الخلّاق ومشروعها المُتميز الخاص، رغم مُسلسل الرُعب الذيّ كان يَعيشه العَراق في ذلك الوقت ، وفي فاصلة كانت تحمل خُصوصيات الزمان والمكان والظرف والمَنهج الفريد فكراً وحركة، مِمّا أدّى إلى إنتاج جُملة من النُظم التطبيقية الحيّة التي تحمل إمكانية تطبيَقها وأستلهامها بمُجرّد إعادة إنتاج الظروف المُهيئة لسيرورتها المُنفتحة على آفاق ومديات وأجيال مستقبلية ..
فحِينما اقتحم جوّ الرُعب الذي صَنعه النظام البائد في العراق مَدعوماً بأدوات الإرهاب العالمي، جاء التوجيه إلى القواعد الشَعبية في السيّر مشيّاً لزيارة الحُسين ( عليه السَّلام ) ، وكان ذلك بالأمر الولائي الشرعي الذي تتمتع به مرجعية الشهيد الصَّدر ، وتوضيح الأمر بأن المُجتمع [ المُتَدَّين ] مع الحَوزة العلمية ، وأنه قادر على أستعياب فكرة الدين ، وتوظيفها في الواقع ، في وقتٍ أصاب الغبش الكثيرين تجاه حركة الشهيد الصّدر الثاني (قده)، إلاّ أن نظرتة كانت ثاقبة وصحيحة وترى الأمور بصورتها الطبيعية فكان الأمر بالمشي [ ضربة موجعة للسُلطة الغاشمة ] وإسَتجابة الجماهير له هو بمثابة [ زعزعة السلطة الجائرة وأزالة قيادة المجتمع من يديها ] .

فجاءت تلبية الجَماهير [ المؤمنة ] لنداء السيَّر مشيّاً إلى الحُسين (ع) لتكشف عن وجه السُلطة الحَقيقي وتعريتها للشَعاراتها العريضة التي كانت ترفعها في ( حملتها الإيمانية المزعومة) لإحتواء المدّ الدّيني في العراق وكذلك عَجز أجَهزتها القَمعية في فصل الشَعب العراقي عن قيادته الدينية المُخلصة التي عبّرت بصَدقٍ عن آمال وطُموحات وأهداف الشعب العراقي نحو الحق والعدل والحرية والإستقلال ..

بينما كانت سُنّة المَشي إلى الحُسين ( عليه السّلام ) قبل ذلك التوجيّه ، ميّته [ بعنوانها العام ] فجاء الإحياء [ الصّدري ] لها لتعود الناس مرّةً أخرى تقصد كَعبة العاشقين ، بلا خوفٍ ولاهمٍ ولاحُزنٍ ، لإن الحوزة هي التي تقود هذا المسير ..

ومن هُنا، نعي إن الأنظمة الاسَتبدادية في العالم، تشعر بالحذر دائماً من كل حركة للعُلماء في المطالبة بالعدل ورفض الظلم وإحياء الشعائر الدينية ( العبادية ) و ( الحُسينيّة ) ، وتعمل على أن تحاصرهم وتضطهدهم بكلّ الوسائل وصولًا إلى اغتيالهم، وهذا ما لاحظناه في كثير من البلدان الإسلامية وفي مقدمتها العراق، وما فعلته السلطة البائدة مع الصدرين الشهيدين ، إذ لم نشهد دكتاتوراً كالنظام العراقي في كل هذا التاريخ المعاصر، كما لم نشهد مثل هاتين الحركتين في قداستهما وابداعهما .


نعم صدق سماحة السيّد هادي المُدرسي عندما قال ، أن الشهيد الصّدر قد أعاد الحياة إلى سُنّة المشي لزيارة الحُسين ( عليه السّلام ) وعلى أساس ذلك ونحن في رحاب هذه الذكرى ، أن نتذكر تلك الأيّام الخوالد التي زرع فيها الشهيد الصَّدر قوّة الموقف وقوّة العقيدة وقوّة المواجهة في قلوب المؤمنين ..

الأحد، 22 نوفمبر 2015

إسلامنا أرادهُ الغرب أن يكون [ راديكالياً ] أو [ ليبرالياً ] 
وأراده الله تعالى أن يُبقيّه [ مُحمّدياً ]

أسامة العتابي

إن مسألة تطويع النصّ المُقدّس ليكون منهجاً فكرياً أو سياسياً لم يكن وليد الوقت الحاضر ؛ فقد أبدع السياسيون المسلمون الأوائل والمتطرفون الإسلاميون كُلّهم في توظيفه وإستخدامه ، وقد كان عبد الله بن عمر أحد الذين فطنوا لهذا الخلط الفاحش الذي أعتمده الخوارج في تكفيرهم وقتالهم للمسلمين الآخرين بوساطة توظيف النصّ المُقدّس ، ولذلك ورد قائلاً  : " أنطلقوا إلى آيات نزلت في الكفار فجعلوها في المسلمين " .
نعم إن هذا المنهج الإقصائي عاد على الإسلام بضررٍ كبير ، وأقلّ ما فيه أنّه شوّه صورته وحوّله إلى هيكل يبحث عن أسمٍ يترجم معناه ؛ فالعالم يعيش اليّوم متغيرات أنتجت تحدّيات وصراعات ضارية ، امتدت في جميع صور الحياة : الإقتصادية ، والسياسية ، والإجتماعية ، والفكرية ، والثقافية ، وقسّمت العالم إلى قسّمين قسمٌ يُحاول بسط هيّمنته وقوّته وثقافته على الآخرين ، تحت شعار عالمية الثقافة ، وكينونة الأفكار .
والآخر ينظر إلى القسم الأول إما بعين الإعجاب والإنبهار او بعين الخوف أو العداء والرفض ؛ وتَسبّب ذلك بظهور مفاهيم ومصطلحات ، وتعريفات ، وتسميات جديدة للإسلام ، منها : إسلام راديكالي ، وليبرالي ، وفاشي ، وإستبدادي ، وهمجي ، وإسلام بلا خوف ، وإسلام فوبيا ، وإسلام مدني ديمقراطي ، وغيرها من التسميات ، وكلّ واحدة منها لها دوافعها الخاصّة ، وهنا أنقل نص لـ ( دانيال بايبس ) في حوارٍ له مع عمدة لندن ، حيث يقول : " والأمثلة الضخمة للهمجية الأيديولوجية هي الفاشية واللينينية الماركسية اللّتين في مساريهما التأريخيّين قامتا بقتل العشرات من ملايين الناس ؛ لكننا اليّوم نرى الثالثة ، الحركة الشمولية الأستبدادية الهجمية الثالثة ، المتمثلة بالإسلام الراديكالي المتطرّف ، وهو نسخة أو صورة طوباوية متطرفة من الإسلام " (1)

وهُنا لا أُريد التكلّم على الإسلام كدين ، إنما على قراءة عادية وحديثة جداً للإسلام ، أوقعَتْ بؤساً ، حيث تساءَلَ قائلاً : " إن السؤال العظيم في عصرنا هذا هو كيف نمنع هذه الحركة الشبيهة بالفاشية والشيوعية ، من أن تصبح أكثر قوّة ؟ " (2)

ولم يكن هذا الشعور العدواني هو وليد المصادفة ، فقد وضع نظرياته الأولى ( صموئيل هنتنتغتن ) و ( فرانسيس فوكوياما ) و ( برنارد لويس ) ، وغيرهم ، إذ يرى ( هنتغتون ) في كتابه ( صدام الحضارات ) ( أن المشكلة لا تتعلق فقط بالإسلاميين الأصوليين وإنما بالإسلام نفسه .

كما أن فوكوياما يُحدّد لنا المشكلة في تصادم الإسلام مع مبدأ العلمانية الذي تحتم فرضة السيطرة العالمية للنظام الرأسمالي ؛ وذلك لتفريغ المجتمعات من القيّم الخاصة بها ، وهو الأمر الذي يتطلبه هذا النظام ؛ لتصبح قيم السوق النفعية هي القيم الوحيدة الحاكمة ، فالعلمانية في فحواها الأخير هي الإقتصار على العقل البشري وخبراته في تصوّر حقائق الوجود وتصريف شوؤن الحياة ، وهو الأمر الذي يعني التصادم الحتمي مع الإسلام .

بينما يرى ( لويس ) أن الإسلام الليبرالي هو الإسلام المنفتح للتوافق مع كل المفاهيم والقيم الغربية ، أي الإسلام المتوافق مع العلمانية والديمقراطية والعلاقات التحرّرية بين الرجل والمرأة ، وقواعد حقوق الإنسان الغربية ، والمصالح الأمريكية النفعية ، وهو الذي يمكن أن يتوافق مع كلّ شي في الوجود إلاّ مع حقائق الإسلام نفسه .

هذا ما أكدّه العالم الأمريكي ( ليونارد بياندر ) في كتابه [ الليبرالية الإسلامية ] الذي صدر عام 1988 م ، حيث أعلن فيه بأن غير تيار الليبرالية الإسلامية ، فإن الليبرالية السياسية لن تنجح في الشرق الأوسط "

ومن هنا يرى ( دانيال ) بإن الإسلام الراديكالي يجب أن يُقاتل ويجب ان يُهْزَم مثلما حدثت هزيمة التهديدات الألمانية والتهديدات السوفيتيى في عام 1945 م و 1991 م . (3)

ومن هنا جاء هدفهم الكبير بأن يكون في حالتنا هذه ظهور إسلام حديث ومعاصر ، معتدل ، ديمقراطي ، إنساني  ليبرالي ، وودّي يؤمن بحسن الجوار ، إسلامُ يحترم النساء ، وأصحاب الجنسية المثلية ، والمُلحدين ، وغيرهم ، إسلامٌ يؤمن لغير المسلمين بنفس حقوق المسلمين .

ولهذا جاء التقسيم الرباعي للإتجاهات الأساسية في العالم الإسلامي : ( الأصوليون - والتقليديون - والعلمانيون - والحداثيون )
 الأصوليون : تقليديين ( هو الوهابية في السعودية ) وراديكاليين متطرفين ( تمثلهم الجهات والجماعات الجهادية ) العلمانيون : ( هم الذين يعتقدون بإن الدين ينبغي أن يكون مسألة خاصة منفصلة عن السياسة والدولة ) .
الحداثيون : (  هم الذين يسعون إلى إدخال تنقيات هائلة في الفهم التقليدي للإسلام ) . (4)

ولأن الحداثويين يؤمنون بتاريخية الإسلام ، التي تعني ان الإسلام الذي كان يمارس في عصر الرسالة لا يعكس حقائق ثابته ، وأن ذلك يتعلق بالظروف التاريخية التي كانت ملائمة لذلك العصر ، ولكنها لم تعد صالحة اليّوم ؛ فقد عوّل عليهم الغرب في صنع الإسلام الليبرالي والقضاء على الإسلام الراديكالي كما روّج لهذا المشروع الكاتب والباحث المصري الدكتور نصر حامد أبو زيد في كتاباته عن تاريخية القرآن .
وكان هذا المخطط  يتمحور في عدّة أمور منها : نشر أعمالهم وتوزيعها في شرح الإسلام وطرحه بتكلفة مدعمة ، تشجيعهم على الكتابة للجماهير والشباب ، وتقديم آرائهم في مناهج التربية الإسلامية المدرسية ، وإعطائهم مناصب شعبية للتواصل مع الجماهير ، جعل آراءهم وأحكامهم التأويلية للقضايا الدينية الكبرى متاحة للجماهير على مستوى الفضائيات والإنترنت ، ووضع العلمانية والحداثة على أنهما خِيارٌ مضادٌ لثقافة الشباب الإسلامي التي يجب وصمها بثقافة العنف .
وكذلك تيسير الوعي بالتاريخ والثقافة قبل عهود الإسلام في وسائل الإعلام ومناهج الدراسة ، تنمية المنظمّات المدنية المستقلة لتدعيم الثقافة المدنية ، وكذلك من السذاجة الأعتقاد بأن هذا المخطط  يقتنع بقدرة الحداثويين على إيجاد بديل للفكر الإسلامي الحقيقي متمثلاً في الإسلام الليبرالي كما يسعى إلى نشره في العراق المُسمّى السيد بأحمد القبانجي .
وكل هذا هو خلق خلخلة  تسمح  للفكر العلماني البراجماتي الإمريكي بالنفاذ إلى الجماهير ، وهذا هو جزء من ثقافة تغيير المفاهيم ، وما التكفير إلا إحدى تلك المفاهيم التي وضعوها نصب أعينهم ، لأنها برأيهم تعيق قيام الدولة الحرّة ، فمن خلال تقدّمه السريع وجد العالم الغربي نفسه أمام مشكلة كبيرة تتمثل بزخم المفاهيم القديمة الذي لا تتماشى مع التقدّم ، فأصبح أمام خيارين : إما أن يتوقف عن النمو ويبقى يرواح في مكانه ، وإما يهمل الموروث وجميع مفاهيمه ، بما يبدو وكأنه قطعية مع الماضي ، ثم وجدوا أن المقترح الأول مرفوض ، والآخر يحذف كثيراً من القيم التي يؤمنون بها ، بما فيها القيم الدينية ، وكلاهما يدل على الهزيمة ، فأستنبطوا أسلوباً ثالثاً مبنياً على فكرة إعادة تعريف المفاهيم والأشياء ، بمعنى العمل على وضع فهم جديد لها وتقنية ، وإعادة تفسيرهما .
فعندما يصفون الإسلام بالراديكالية فإنهم يريدون أن يقرنونه بالتطرف ، ليصلوا إلى نتيجة مفادها إن  جوهر الإسلام هو التحجّر ، وهو التمسك الكامل بالموروث عن السلف ، دون النظر إلى قانون التقادم ، وتأثير مسيرة التاريخ على الحياة ، إنه يقوم على عقيدة صراح الحضارات ، أنه يقسّم العالم إلى معسكرين : أخلاقي ولا أخلاقي ، خير وشر ، وهذا ما أقتبسه الإسلاميين المتطرفين الذين اتخذوا من بريطانيا قاعدةٍ لهم .
-------------------------------------------------------------------------------------------------------------
1- حوار بعنوان الإسلام الراديكالي المتطرف ضد الحضارة ، أجراه دانيال بايس مع عمدة لندن ( كين لنفجستون ) في شباط 2007 م  ، ينظر الرابط التالي / http://ar.danielpipes.org/article/4295
2- المصدر نفسه .
3- المصدر نفسه .
4- هذا التقسيم ذكر في تقرير بعنوان "الاسلام المدني الديموقراطي: الشركاء والموارد والاستراتيجيات" (تصنيف مقترح للتيارات الإسلامية ، وهو دراسة أمريكية عن التيارات الإسلامية الحديثة والمعاصرة ،  وهو تقرير إستراتيجي مقدم من معهد راند للدراسات والأبحاث الإستراتيجية  بقلم: الباحثة شيريل بينارد العاملة في قسم الامن القومي صدر عام ٢٠٠٣ . ينظر الرابط التالي / http://www.almoslim.net/node/85956