الإمَــام
الحُـسيَـن [ علَيه السّلام ]
بيَن
حَتمَية المَوت وأمتَحـان الأختيَار
إن
مَسألة إختيار الأعمال وعدمَها من المَسائل العقائَدية المُختلف فَيها عَند مَذاهبِ
علم الكلام وقد رُتّب أثرٌ كبيرٌ على الأقوال التَي طُرحت فيَها والخَوض فيها يسَتلزم
منّا مجَالاً كبَيراً ووقتا واسعاً لكَي نستعرض ذلك بالأقوال والأدّلة إلاّ أنني أريد
أنّ أسّلط الضوء في هذه المقالة علَى حركة الإمام الحسين (ع) بغض النظر على التفصَيل
العقائدي في كيفَية تفسير أختيارية المَوت وعدَمه في ذلك وما هي نوعَية الاختيار فيها
وماهي الآثار المترتبة على ذلك ، فإن الإمام الحسين - عليه السلام - بطبيعة تكَوينه
كأيّ مخلوق إنساني فُطر في خلقه الاختيار كأي إنسان، وقد امتـُحِنَ - عليه السلام
- بالتخيير في أوج حَياته الرسالية، ويا له من تخيير! إنه التخيير بيَن أمرين، حتى
أنه - عليه السلام - أكَّدَ بنفسَه هذه الحقيقة و أشار إليها بقوله: (ألا و إن الدّعي
ابن الدّعي قد ركَزَ بيَن السّلة والذَلة، و هيهات له ذلك، هيهات منا الذلة .. أبى
الله ذلك و رسَوله والمؤمنون و جدود طَهرت، و حجَور طابت) .
فالحُسين
- علَيه السلام - قد تم تخيَيره هنا وكان بإمكانه أن يختار و يسلك المسلك الذي يرتأيه،
و هذا الواقع لا يَمكن أن يفر منه إنسان، فكل واحد لابد أن يَمر بإمتحان الإختيار هذا
في حياته، و يتعرّض لإبتلاءاته وفتنه بدءًا من الرسَل والأنبياء - عليهم السلام - و
إنتهاءًا بمن هم دونهم و دون دونهم، فجمَيعهم مرّوا بإمتحَان التخيير، و عَانوا فتنَه
ومَصائبه، فكَان علَيهم في ذلك الخضم أن يختارَوا و يقررّوا الإتجَاه والمسلك. وقد
إجتَاز الإمام الحسين - عليه السلام - هَذا الأمتحان بأعلى درجات التفوق عندما أبتلَي
بالإختيار، فأطلق ذلك الهتاف الخالد الذي دوّى فَي عمق التاريخ أنّ (هيهات منا الذلة).
فهذه
هي خيرة أبي عبدالله الحسين - عليه السلام - ، و هذا هَو قراره التاريخي الذي بَيَّنه
لكل من أراد أن يعيش في الحياة حراً. و نحن الذين ندّعي حب الحسين و موالاته لابد لنا
من الاقتداء به ليكون هذا الاقتداء مصداقاً للحب والموالاة. والاقتداء هو قرار ذلك
الامتحان؛ إمتحان الإختيار الذي لا مفر من التعرض له، فأنا أرى أن من المستحيل أن يولد
الإنسان في هذه الدنيا و ينمو و ينضج من دون أن يتعرض لفتن تقرر و ترسم مصيره، فكل
إنسان من ذكر وأنثى لابد أن يمر بمواقف و ساعات الاختيار.
كيف
نختار و ما هي عوامل الاختيار؟
و
هنا يبرز سؤال مهم في هذا الصدد و هو:
كيف
لنا أن نختار؟
و
ما هي العوامل التي تكون في عوننا سَاعة الإختيار، ولحظات إتخاذ القرار التي هي لحظات
خطيرة و مصيرية و تمتاز بكونها محدودة و خاطفة؟
من
هذه العوامل عاملاً التربية والوراثة اللذان تؤكدهما تلك الصرخة الثورية التي أطلقها
أبو عبدالله الحسين عليه السلام في وجه الإستكبار والانحراف والاستبداد الأموي، و هناك
عوامل أخرى يمكن للإنسان الإمساك بزمامها والتحكم بها؛ منها عامل الثقافة، و عامل تاريخ
الإنسان و ماضيه. فالإنسان المنقاد إلى ربّه بمواظبته على أداء الفرائض العبادية، والمنشغل
ليله و نهاره بذكر الله العظيم، هذا الإنسان متوجه بدمه ولحمه و روحه و نفسه و عقله
إلى الله سبحانه، لاهج لسانه بترديد الدعاء الشريف (ربِّ لا تكلني إلى نفسي طرفة عين
أبداً) ولذلك فإن يد الرحمة الغيبية ستكون في عونه لإنقاذه في لحظة الاختيار، فتثبت
قدمه، و تطمئن قلبه، لا تدعه يتزلزل و ينهار، ولا تهجره ليصبح عرضة لفتن وابتلاءات
الزمان. ولا عجب من أن تمتد يد الرحمة الإلهية لعون هذا العبد، ذلك لأنه قد ذكر ربه
في السراء من العيش فأجابه ربه و ذكره حين الضراء والشدة، قال الله تعالى: (فَاذْكُرُونِي
أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ)
وعندما
نقرأ تاريخ الإمام الحسين عليه السلام قراءة واعية و موضوعية، نجد أنه عليه السلام
ولد ثانية في كربلاء ساعة نيله تلك المنزلة الرفيعة التي لم ينلها أحد من قبل، وهي
منزلة ربانية أختارها الله تعالى له ليخلد مثالاً وضّاءًا في قلب التاريخ لا ينقطع
شعاعه، ولا يخمد وهجه رغم كل محاولات الأمويين على امتداد هذا التاريخ ..
فإن
الله تعالى لم يجعل الإنسان مختارا كي يكون جبارا في الأرض ومفسداً وظالما لنفسه وللناس
بل هداه نحو الحق والعدل وضمن له التكامل من خلال ظاهرة الأختيار نفسها وقانونها المتمثل
بالشريعة المقدسة ومن خلال ما وهبه الله من عقل وسمع وبصر وضمير وإرادة وفطرة حتى حب
الذات فهو يمثل القوة الدافعة نحو التكامل لان حب الذات سوف يكون مع مصالحه الحقيقية
في اليوم الآخر.....والإنسان يعيش في ذلك اليوم أكثر مما يعيشه في الدنيا.... يقول
الشهيد السعيد السيد محمد الصدر(قد) في الجمعة الثانية(وجودنا هنا مؤقت لا أكثر ولا
اقل ؛مَسألة رياضية جداً بسَيطة نسبة المتَناهي إلى اللامُتناهي كم ؟ صَفر ليَس له
قيمة).
فإن
إدراك حقيقة اليوم الآخر الذي يعتبر أصلاً من أصول الإسلام يجعل من حب الذات قوة دافعة
نحو تحقيق المصالح العامة التي تأمر الشريعة بالسعي والعمل من أجل تحقيقها إلاّ إن
الدنيا مزرعة الآخرة فلا فوز في الآخرة إلا بإصلاح الأرض وإحيائها ونشر العدل في ربوعها
ومحاربة الظلم والظالمين .... فهي مزرعة وليست محرقة يهلك فيها الحرث والنسل وبالتالي
الشقاء في الآخرة .



















