الأحد، 25 أكتوبر 2015

الإمَــام الحُـسيَـن [ علَيه السّلام ]
بيَن حَتمَية المَوت وأمتَحـان الأختيَار




إن مَسألة إختيار الأعمال وعدمَها من المَسائل العقائَدية المُختلف فَيها عَند مَذاهبِ علم الكلام وقد رُتّب أثرٌ كبيرٌ على الأقوال التَي طُرحت فيَها والخَوض فيها يسَتلزم منّا مجَالاً كبَيراً ووقتا واسعاً لكَي نستعرض ذلك بالأقوال والأدّلة إلاّ أنني أريد أنّ أسّلط الضوء في هذه المقالة علَى حركة الإمام الحسين (ع) بغض النظر على التفصَيل العقائدي في كيفَية تفسير أختيارية المَوت وعدَمه في ذلك وما هي نوعَية الاختيار فيها وماهي الآثار المترتبة على ذلك ، فإن الإمام الحسين - عليه السلام - بطبيعة تكَوينه كأيّ مخلوق إنساني فُطر في خلقه الاختيار كأي إنسان، وقد امتـُحِنَ - عليه السلام - بالتخيير في أوج حَياته الرسالية، ويا له من تخيير! إنه التخيير بيَن أمرين، حتى أنه - عليه السلام - أكَّدَ بنفسَه هذه الحقيقة و أشار إليها بقوله: (ألا و إن الدّعي ابن الدّعي قد ركَزَ بيَن السّلة والذَلة، و هيهات له ذلك، هيهات منا الذلة .. أبى الله ذلك و رسَوله والمؤمنون و جدود طَهرت، و حجَور طابت) .
فالحُسين - علَيه السلام - قد تم تخيَيره هنا وكان بإمكانه أن يختار و يسلك المسلك الذي يرتأيه، و هذا الواقع لا يَمكن أن يفر منه إنسان، فكل واحد لابد أن يَمر بإمتحان الإختيار هذا في حياته، و يتعرّض لإبتلاءاته وفتنه بدءًا من الرسَل والأنبياء - عليهم السلام - و إنتهاءًا بمن هم دونهم و دون دونهم، فجمَيعهم مرّوا بإمتحَان التخيير، و عَانوا فتنَه ومَصائبه، فكَان علَيهم في ذلك الخضم أن يختارَوا و يقررّوا الإتجَاه والمسلك. وقد إجتَاز الإمام الحسين - عليه السلام - هَذا الأمتحان بأعلى درجات التفوق عندما أبتلَي بالإختيار، فأطلق ذلك الهتاف الخالد الذي دوّى فَي عمق التاريخ أنّ (هيهات منا الذلة).
فهذه هي خيرة أبي عبدالله الحسين - عليه السلام - ، و هذا هَو قراره التاريخي الذي بَيَّنه لكل من أراد أن يعيش في الحياة حراً. و نحن الذين ندّعي حب الحسين و موالاته لابد لنا من الاقتداء به ليكون هذا الاقتداء مصداقاً للحب والموالاة. والاقتداء هو قرار ذلك الامتحان؛ إمتحان الإختيار الذي لا مفر من التعرض له، فأنا أرى أن من المستحيل أن يولد الإنسان في هذه الدنيا و ينمو و ينضج من دون أن يتعرض لفتن تقرر و ترسم مصيره، فكل إنسان من ذكر وأنثى لابد أن يمر بمواقف و ساعات الاختيار.
كيف نختار و ما هي عوامل الاختيار؟
و هنا يبرز سؤال مهم في هذا الصدد و هو:
كيف لنا أن نختار؟
و ما هي العوامل التي تكون في عوننا سَاعة الإختيار، ولحظات إتخاذ القرار التي هي لحظات خطيرة و مصيرية و تمتاز بكونها محدودة و خاطفة؟
من هذه العوامل عاملاً التربية والوراثة اللذان تؤكدهما تلك الصرخة الثورية التي أطلقها أبو عبدالله الحسين عليه السلام في وجه الإستكبار والانحراف والاستبداد الأموي، و هناك عوامل أخرى يمكن للإنسان الإمساك بزمامها والتحكم بها؛ منها عامل الثقافة، و عامل تاريخ الإنسان و ماضيه. فالإنسان المنقاد إلى ربّه بمواظبته على أداء الفرائض العبادية، والمنشغل ليله و نهاره بذكر الله العظيم، هذا الإنسان متوجه بدمه ولحمه و روحه و نفسه و عقله إلى الله سبحانه، لاهج لسانه بترديد الدعاء الشريف (ربِّ لا تكلني إلى نفسي طرفة عين أبداً) ولذلك فإن يد الرحمة الغيبية ستكون في عونه لإنقاذه في لحظة الاختيار، فتثبت قدمه، و تطمئن قلبه، لا تدعه يتزلزل و ينهار، ولا تهجره ليصبح عرضة لفتن وابتلاءات الزمان. ولا عجب من أن تمتد يد الرحمة الإلهية لعون هذا العبد، ذلك لأنه قد ذكر ربه في السراء من العيش فأجابه ربه و ذكره حين الضراء والشدة، قال الله تعالى: (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ)
وعندما نقرأ تاريخ الإمام الحسين عليه السلام قراءة واعية و موضوعية، نجد أنه عليه السلام ولد ثانية في كربلاء ساعة نيله تلك المنزلة الرفيعة التي لم ينلها أحد من قبل، وهي منزلة ربانية أختارها الله تعالى له ليخلد مثالاً وضّاءًا في قلب التاريخ لا ينقطع شعاعه، ولا يخمد وهجه رغم كل محاولات الأمويين على امتداد هذا التاريخ ..
فإن الله تعالى لم يجعل الإنسان مختارا كي يكون جبارا في الأرض ومفسداً وظالما لنفسه وللناس بل هداه نحو الحق والعدل وضمن له التكامل من خلال ظاهرة الأختيار نفسها وقانونها المتمثل بالشريعة المقدسة ومن خلال ما وهبه الله من عقل وسمع وبصر وضمير وإرادة وفطرة حتى حب الذات فهو يمثل القوة الدافعة نحو التكامل لان حب الذات سوف يكون مع مصالحه الحقيقية في اليوم الآخر.....والإنسان يعيش في ذلك اليوم أكثر مما يعيشه في الدنيا.... يقول الشهيد السعيد السيد محمد الصدر(قد) في الجمعة الثانية(وجودنا هنا مؤقت لا أكثر ولا اقل ؛مَسألة رياضية جداً بسَيطة نسبة المتَناهي إلى اللامُتناهي كم ؟ صَفر ليَس له قيمة).
فإن إدراك حقيقة اليوم الآخر الذي يعتبر أصلاً من أصول الإسلام يجعل من حب الذات قوة دافعة نحو تحقيق المصالح العامة التي تأمر الشريعة بالسعي والعمل من أجل تحقيقها إلاّ إن الدنيا مزرعة الآخرة فلا فوز في الآخرة إلا بإصلاح الأرض وإحيائها ونشر العدل في ربوعها ومحاربة الظلم والظالمين .... فهي مزرعة وليست محرقة يهلك فيها الحرث والنسل وبالتالي الشقاء في الآخرة .

الأحد، 18 أكتوبر 2015

بارك الله تعالى بهذه الشيّبة الحُسينية
باسم الكربلائي الظاهرة الحُسينية المتميّزة




بغض النظر عن النقد المُوجَّه لهذه الشخصيَّة ، إلاّ أنّه لابد أن يُشكر على الإبَـداع [ الفنيّ ] و [ الأدائي ] الّذي يظَهره بين الحِين والآخر وخاصةّ في اللّيلة التاسعة عشر لمُصاب مولانا أمير المؤمنين [ عليه السَّلام ] فمَعه تعيش في رحاب الشهاده ووقائع التأريخ الإليمة ؛ لذلك كان [ الكربلائي ] مُتميّز دائماً عن أقرانه في إبراز قصائده ؛ للأداء اللافت للأنظار ، كالصَوت الجوهري [ الجميل ] وعملية توظيف القصيدة في مشاعر المؤمنين ، ولعلَّها الصفة التي أنفرد بها [ الكربلائي ] بين آلاف من المُنشدين المعاصرين المتمثلة في ذكائه وقدرته على صياغة الكلمة واللّحن وتوظيفها في مكانها المناسب ، وهي صفة التحكم في الأداء والطور واللحن وترتيبها وفق رؤية تتناسب مع القصيدة وإستطاع من خلالها الإتيان برونق جديد غير مألوف عن سابقه ، وبهذه المَيزة إستطاع [ الكربلائي ] أن يصَوغ القديم من القصائد بلغة الحَديث وبالعكس ، وكذلك يَعطي القديم صِبغة الحديث والحديث صبغة القديم في كل قصيدة يُلقيها أو يلحنها ، ولذلك كانت معظم إنتاجاته نقلة نوعية ومُتميّزة ، وهذا ما لاحظه متابعوه في كثير من إصداراته الصوتية والمرئية ..
كما أن ثنائية الجمع بينه وبين الشعراء الكَبار هي أهَم مُقوّمات نجاحه التي جمعته مع جملة منهم كالاديب جابر الكاظمي والسيد سعيد الصافي والأشكناني وآخرهم الرائع عبد الخالق المحنّة وغيرهم الذين تفنّنَوا في رسم رونق الحب والولاء في جانب الرثاء والفرح الذي أعطى لـ [ الكربلائي ] كراثٍ ومُنشد قفزة قوية للتميز بين أقرانه بكلمات راقية ومميزة، فإنسجمت مع صوت مُميَّز رنان ، فكان هذا التوأم قادر على أن إمتلاك إحساس المُستمعين والمشاهدين لها .
ولعلّ من أهم إيجابيات الثنائية التي جمعت بين الكربلائي وشعراءه هو الدور المُتبادل في صياغة الفكرة مع الشاعر، كي تتناسب القصيدة مع الفكرة ، وتتوافق أدبياتها مع رونق اللحن والأداء ، و التخطيط المُستقبلي للرقي بمستوى الإنشاد والرثاء في مخيلتهما فيما سينشد أو سَيرثى في المستقبل ، ومواكبة الأحداث والتعبير عنها فيما يختلج في نفسيهما من قصائد ومراثٍ تتناسب مع أداء منشد مبدع كباسم الكربلائي ..


فتحية إجلال وإكرام لإبداعه .

السبت، 17 أكتوبر 2015

هُمّ كأصَحاب الحُسين - عَليه السّلام -




عندما يحلّ علينا شهر الحُزن والمُصيّبة الكُبرى لشهادة سيّد الشهداء والثُوّار ، وأهل بيته الأطهار ، نستذكر تلك المواقف التي خلّدها التأريخ وأراد الله تعالى بحِكمته أن تستمر إلى يوم القيامة ، تلك النهضة الحُسيّنية التي تمثَّلَت بالإسلام المُتحرك ، والإسلام المُقاوم ، والإسلام الممانع ، لكل أنواع الإنحراف عن شريعة السماء وسُنن الأنبياء ، فما جرى هُناك من ألفه إلى يائه ، وبكلِّ تفاصيله ناجمٌ عن تخَطيطٍ إلهي دقيق ومُحَكم , ولذلك كانت نتائجه غير عادية بالنسبة إلى حياة المُسلمين وتاريخهم ، فدم الحُسين (ع) قد حَفظ رسالات ربه وحال دون أن يُحقّق يزيد مَشروعه الجَاهلي الطاغوتي المُحارب لله ورسوله ، وقد حفظ الحُسين (ع) بدمه قِيم الإسلَام وأصالته السَماوية.
واذا كنّـا نُحيي تلك الذكرى بإقامة مَجالس العزاء واللطم ، فإن أبطال المُقاومة المُجاهدين في سوح القتال ، قد جسّدوا الإحِياء الحقيقي للحدث الكربلائي فهم قد سَاروا على نفس تلك الخطى التي سار عليها الإمام الحسين (ع) وأهل بيته الأطهار بتقديم أنفسهم دفاعـاً عن الوطن وكرامة الإنسان ، وعدم جعل الفكر التكفيري المُعاصر المُرتبط فكرياً بالإسلام الأمَوي الظالم , بالإنتشار والسيّطرة على أرض العراق العزيزة .
نعم همّ الّذين جسّدوا أروع البطولات الحُسينية وحققوا الإنتصارات الكبيرة لعراقنا الجريح ، حيث كانت مَسيرتهم وهجرتهم كمسيرة الحسين وهجرته الجهادية ، نعم لقد حول أولئك الشبَاب المَجهولين في الأرض المعروفين في السماء تغيير مجرى التأريخ في أمّتِنا وعالمنا حيث سجلّ التأريخ تلك الحَركة و التجربة التغييرية الواسعة وذلك التنظيم العسكري المُنقطع النظير ، فكان هدفهم كهدف الأنبياء والرسل والمصلحين بأن يحفظوا كرامة الإنسان وإقامة العدل في الأرض .
فالحسين (ع) هو تلك المدرسة التي تخرّج من صفوفها هولاء الأبطال فلم يكن خيارهم { هيهات منا الذلة } هو الخيار الوحيد للصُمود فحسب بل كان خيارهم هو إستعادة الأرض وتحريرها من براثن العقل التكفيري ، كلِّ ذلك بعد أن تعلّموا من عاشوراء كلمة الحُسين التي رفض بها أن يعيش مع الظالمين { إني لا أرى الموت إلاّ سعادة والحياة مع الظالمين إلا برما } ، فكان إتصالهم بكربلاء كإتصال أبناء المدرسة بمُعلّمَيِهم ، كإتصال المؤمن بأصول عقيدته ، وهذا الأمر ليس ببَسيط إنما يحتاج إلى توفيق من الله تعالى وصدق البيعة للحسين (ع) والامتثال لأمر الله تعالى .
فكان سرّ إنتصارهم ليس السلاح والقدرات الجَسدية فقط ، إنما سرّ قوتهم وإنتصاراتهم هو بسبب حضور كربلاء الدائم في نفوسَهم وعشقهم الحُسيني للشهادة وأختيارهم الطوعي لطُرق ذات الشوكة ، طريقُ أصحاب الحسين (ع) ، الذين بذلوا مُهجهم دون الحسين (ع) حتى ورد قائلاً عنه : إنّي لا أعلم أصحاباً أوفى ولا خيراً من أصحابي .
وهولاء الأبطال وهمّ في ساحات القتال يتأسّون بتلك الروح الأبيّه التي أزهرت بنور الحُسين (ع) ، فحيّا الله أبطال المُقاومة العاشورائية ونسأل الله تعالى أن يجعلهم في رحاب الحُسين وآله (ع) .
ورحم الله شُهدائنا الأبرار الذين أحِتضنهم أبيّ عبد الله الحُسيّن (ع) وهم مُقْبِلين على الموت بروحيّة وبشجاعة وبحَماسة ورجولة كربلاء .
إنَّنا نشدّ على أيديّ المجاهدين، ونقول لهم: سلمت أيديكم، فهذا هو الجهاد الَّذي تحمَّلتم مسؤوليَّته بكلِّ قوّةٍ وإيمانٍ وإخلاص، وعلى الأمّة كلّها أن تقف معكم، لأنّكم استطعتم أن تمنحوها عنفوان الرّوح وشرف العزّة والكرامة .

في مجلة الهدى العامّة
حَــركَـة الـحُسـيَن ( علَيه السّلام ) بين الثورة والنهضة
دراســة مختصرة حـول تسمية حركة الحسين بـ (الثورة) أو بـ (النهضـة)










ونحن نعيش هذه الأيام الحزينة على قلب مولاتنا الزهراء (ع) والمؤلمة على قلب مولانا الحجة (عج ) نسَمع كثيراً هذه الأيام من الخُطباء والمَشايخ وأصحاب المنابر حفظهم الله تعالى لخدمة الحُسين وهم يتَحدَثون حول الحركة الحسينية المباركة فمنهم من يصَفها بالثَورةِ الحُسينَية ومنَهُم مَن يصَفِها بالنَهضةِ الحُسيَنية وأريد بهذه المقالة المتواضعة الإشارة إلى أيّهما أصّح أستعمالاً مع أن كَلاهما صحَيَح لفظاً ومعنىً ويُمكن الوصف بهما إلاّ أننا نُريد أن نعرف أيَهما أصح بأن نقول ثَورة الأمِام الحُسين أم نهَضة الأمَام الحسين - علَيه السّلام - ولماذا ؟ طبعاً مع ذكر الفَرق بينَهما والسبب اذا قُلنا أن الاصّح ثورة أم نهَضة ؟
والجواب عن مثل هذه التساؤلات نقول :-
أن النهضة لها مدلولات كثيرة ومتشعبة في نواحي عديدة روحية وعلمية وتعليمية وسياسية واجتماعية .....الخ وتعتبر مَرحلة من عدة مراحل الصحّوة – اليقظة – النهَضة – الحَضارة – والنهضة أقرب للتنمَية ولكن التنمية تنحصر في الجانب الإقتصادي أما النهضة فهي حركة تصاعدية وتشمل مختلف نواحي الحياة فمثلاً .
سياسياً: النهضة هي لحظة استفاقة الشعب تسبقها فترة تخلف وانحطاط يتبعها عمل كثيف والتفاف حول حلم كبير كحلم العرب في تحقيق دولة عربية واحدة حيث عرف الوطن العربي في آواخر القرن 19 بداية يقظة عربية تمثلت بصحوة وسعيهم لإحياء مجدهم الماضي بما فيه من آصالة وتراث حضاري عربي ويتم ذلك من خلال دور المفكرين العرب والجمعيات العربية .
دينياً: النهضة مبدأ أساسي نعيش ونعمل من أجله ....فالرسول صلى الله عليه وآله وسلم نجح ومعه الصحابة الكرام بالنهوض بمجتمع جاهلي ....وبشبه الجزيرة العربية وبالعالم أجمع ...فكانت نهضة ناجحة قابلة للمحاكاة والتكرار ونحن اليوم بأيماننا بالله وثقتنا به ...وبإيماننا بأنفسنا وبمقدراتنا ...وبالعمل سوياً سننهض بأمتنا ونرتقي بها بين الامم ...فليبدأ كل شخص بنفسه وليرتقي وينهض بها من الداخل . ...ثم لنتحرك ونعمل داخل مجتمعاتنا وبإذن الله ستنهض هذه الامة .
إجتماعياً : تعني أن المجتمع الذي نعيش فيه يصبح صحي ومنتج حيث نرى تعليمنا مستواه مرتفع ومنظم ويكون هناك تكافل اجتماعي والفقراء يحصلون على حقهم فكل شئ في حياتنا من الممكن ان يصبح أفضل عندما نعي حقيقة مانعانيه في مجتمعنا ونعمل على معالجته لنتمكن من الارتقاء بمجتمعنا ونصل الى الافضل.
نفسياً : علينا أن ننهض بأنفسنا من خلال عودتنا الى ذاتنا وتصحيح مسارنا الداخلي لنتمكن من الانطلاق نحو الخارج والنهوض بالمجتمع فالنهضة هي اتحاد الطاقة البشرية وعملها في كل المجالات وفي عالمنا العربي بشكل خاص نؤمن بمفهوم الإرشاد المهني اختيار التخصص المناسب للشخص المناسب لتحقيق الإبداع فتحدث النهضة المطلوبة .
واخيراً فإن النهضة تعني الوعي الديني ممزوجاً بخبراتنا المتنوعة وبإدراكنا لدورنا الحقيقي في هذه الحياة لكي ننهض بأمتنا في مختلف المجالات ونحقق ما نصبو اليه ، وهذا ماشملته الحركة الحسينية بكل مضامينها وعناصر نجاحها .
أما الثورة في اللغة تعني الهيجان والوثوب والسطوع والخروج على الحكم لإجل استبدال الحكم بإفضل منه وهي حركة اما تكون شعبية أو تكون من ثائر يحرك ضمائر الشعب
معنى ذلك الخروج لطلب الحق، فهو خروج من البيت إلى الشارع أو الميدان طلباً للحق، أو دفعاً للظلم. وهنا مغادرة الصبر والشكوى والتذمر وحالة عدم الرضا في الحيز الخاص، وحملها الى الحيز العام . وتشمل الثورة كلا الامرين تشمل العنف وعدم العنف وهذا مما لايمكن إنطباقه على الثورة الحسينية لأن أصلها هو الخروج لإجل العدل لأجل الاصلاح لأجل أن يسود الأمن والأمان في البلاد وغيرها .
ولهذا فإن اليَقين المطلق بإمَتلاك الحقيقة و ممارسة ذلك عملياً من خلال أن المُختلف إذا ما تعمّقنا أكثر في المُحتوى الحضاري والإنساني للثَورة الحسينية سَوف نجدها بلا شك أكبر من كونها مجرد ثورة .فليَس كُلّ ثورة تمتلك إستحَقاق الخلود في لوح التاريخ الممَدود وحيث ما يُميزها عن عموم الثورات هو خلود مضمَونها الرسّالي الكبير وما كان قد كشف عنه هذا الجُرح الحُسيني المفتوح من دروس وعبر فإننا نفضل أنّ نحترز بها عن هذا العموم بعوضِ لفظي أكثر تقييَدا وهو ( النَهضَة ) بكُلّ ما تعنَي الكلمة من معنى .
وما يجعلني أرى أن كلمة ثورة لا بشرط القيد الإحترازي المذكور لا تفي بالغرض في المقام هو أن لا قيمة للثورة إلا فيما تَحْدَثه في الوجدان الجماعي من آثار تـُوقظ العقل وتـُحرك الروح . كما أن الثورة هي أمر عام يمكن أن تقوم به جَماعة إنسانية في ظروف مختلفة ولغايات لا يتعدى مُحتواها إلى الدائرة الإنسانية وكم من نظير في التاريخ لثورات قامت ولم تتعد حَدودها ولا أستطاعت أنّ تتحَول إلى درس تستلهم منه الأجيال مُقومات نَهضَتها وثورة الإمام الحُسيَن كانت تعبَيراً عن نهَضة مُعاقة وردّة فعل عن عُصور أخذت طريقها نحو الإنحطاط ثم هي ثورة أحرار لا ثورة عبيد .
فالحُسيَن لم يَسمح لقاتليه بالإذلال فكان أسَرع في ردّ طغيانهم قبل أنّ يمسّه عار المذلة إنها ثورة أثمرت وعياً حياً في نفوس الأجيال المُتعاقبة تشدّها إلى معَنى الكَرامة وجَمال التحَرر فهَي بما ينضّم إليّها من إنجازات تمثل نهضة أمة وإن كان الحُسيَن صانع ملحَمتها بوصَفه المُمثل الشرعي لضمير الأمة .
وهي أيضا نهضة إذا ما تأملناها في ضوء المَشروع الإصلاحي الكبير الذي قاده جَده و أبوه وأخوه كما تؤشر عليه كَلمته وهو يتحرك بإتجاه الكوفة: ( إني لم أخرج أشراً ولا بطراً..وإنّما خرجتُ لطلبِ الاصّلاح في أمّة جَدي آمر بالمعروف وأنّهى عن المنكر ) .
إنها ثورة هَيمنت على الوجَدان المُسلم فصَنعَت كلّ التحولات التي شَهدتهَا القرون اللاحِقة وأنت تجد أنّ ما أعقَبها من ثورات كثورة التوابين لسُليمان بن صَرد الخُزاعي أو المُختار الثقَفي أو حتَى ثورة العلوييَن المُتحالفين في بداية نضالِهم مَع الثوَرة العباسية ضدّ المَشروع الأمُوي المقبور والذين رفعوا شعار الرضى من آل محمد كلها كانت تستحضر الشعار الحسيني . وسَواء أنجحت في ترجمة شعاراتها أم لا فإنّها ثورات مُلهمة من هذا الروح الحُسيني الّذي أعاد صياغة العقَل المَسلم بإتجاه إمكانية التغيير للأفضل .
وأن في هذا الإطار يمكننا القول بأن النهضة الحسينية كانت في صلب المسألة الإسلامية فلَسنا نَحنُ من يَحتاج أنّ يُقرّب النهضة الحُسينَية إلى صَلب قضَايانا الراهنة ومسائل الفكَر الإسّلامي بل لا قيمة لهَذا الفكر إذا لم يَستحضر تجَارب الأمّة في النهضة والإصّلاح .
والنهضة الحُسينية هي طلَيعة هذه التجارب وهَل قَضايا الفكّر الإسّلامي وقضايا الأمة الراهنة إلاّ الحُرية والكَرامة والإحساس بالمسؤولية والضَمير الأخَلاقي الّذي شكل مقاصد النهضة الحسينية؟! فهي نهَضة حيّة لا تموت من خلال القيم التي كانت تـُنَطق من دَاخل المَيدان وترسّم للأمة نهجاً في التَحرُر وعَدم القبول بالذُلّ .
فكلّ كلَمة نطق بَها أبو الشَهداء(ع) عَبّرت عن مُنتهى ما يطلبه الأحرار فإن النَهضة الحسينية كانت أولى النهَضات التي شهدها التاريخ جعلت لهَا مطلباُ للتَحرر والكَرامة لم تكن ثورة من أجل الخُبز على شَرف ثَورات الخُبز ولا ثَورة ضد التمَييز العُنصَري على شرف الثورات التي قامت ضَد التمييز ، فلقد كان بنَو هاشم كِرام القَوم لا يَملك أحد إذلاَلهم إلاّ وذُلّ وذاق مَن كأس الهوان لكنّها كانت ثورة من أجل الكَرامة ومن أجل الحُرية والذين صمّمَوا على إذلاله يدركون أن مغامرتهم تلك جاءت بعد أن حسَم الحُسين (ع) موقفه من يزيد وتموقعه في صفوف المظلومين فكان إذلال يزيد للحسين إذلالاً لرمِز يُمثل ضمَير هذه الفئة المُستضعفة والمستباحة كرامتها .
فسير الأحداث يؤكد على أنّ الحُسين أبَى إلاّ أن يكونَ درعاُ واقية لهؤلاء ومُعبراً شجاعاً عما لا يقوى التعبير عنه آخرون فلقد قَدّم الحُسين أكبر دليل على خِدعة الإسلام الأموي ولولا قتل الحُسين بتلك الطريقة الهمَجَية لما سَمعنا يَزيد يَكشف عن نوايا التيار الأموي من خلال تمثله للأبيات الشهيرة التي جاء فيها: لعبت هاشم بالملك فلا خبر جاء ولا وحي نزل ، فلقد أظهر الحسين(ع) أنه ليس طالبُ مُلك بل طالبَ كرامة وليس طالبُ غُلب بل طالبَ تحُرر وليس طالبُ دُنيا بل طالبَ آخُرة وليس طالبُ ثُأر بل طالبَ عَدالة .
وفي تصوري أن قضايا الأمة الراهنة هي من سنخ قضايا النهضة الحسينية ذلك لأنها قضايا إنسانية تكررت على امتداد هذا الزمن المهدور على إيقاع فظاعات الإنسان في ربوعنا وما دامت القيم النبيلة التي استشهد من أجلها الحسين لم تتحقق فحتما سيظل كل زمان عاشوراء وكل مكان كربلاء . على أنه يجب فهم العبارة في عمق محتواها وفلسفة تجادل القيم مع الواقع حيث كل بحسبه فالتاريخ يعيد نفسه لكن بصورة أكثر تعقيداً وتركباً وإذا كانت الثورة الحسينية النهضوية هي أول ثورة في تاريخ النوع جعلت عنوانها التحرر والكرامة فإنها أول ثورة من داخل التجربة الإسلامية ضد استغلال الدين للإستبداد السياسي وإذلال الخلق وقبل حركات التنوير والإصلاح الديني الذي شهدته أوربا الحديثة يطلب الإصلاح في الوعي الديني ولعله أول من جعل الكرامة والإحساس بالحرية عنواناً - لا بشرط - لنهضة الأمة .

وبهذا ننتَهي إلى أنَ إستعمال معنى النهضة يكون شمولياً وواسعاً لجميع عناصر حركة الحُسين (ع) لأنه كان يعيش في ظلم وخرج ثائراً ضد كل أنواع الظلم والأستبداد وهذا الخروج يُعتبر نهضة نهضها الحُسين (ع) نتيجة لمأساة واقعه الأليم عكس الثورة فإنها قد تشمل بعض عناصر النجاح وليس كلّها ولكن نقول كما قلنا في بادية المقال أنه يمكن أن نستعمل كلا اللفظين وهما صحيحان .

الجمعة، 16 أكتوبر 2015

الجُهد البيَداغوجَيَّ عنـد العَلامَّة الفضليّ
قِراءةٌ مُختصرةٌ في مَعالم الخطاب الثقافي عند الدكتـور الشيخ عبد الهادي الفضلي
 أقيم مؤتمر في ذكرى رحيل العلامة الفضلي - رضوان الله عليه - في مدينة قم المقدسة ، في جامعة آل البيت العالمية ، وكانت لنا وقفة علمية ببحثٍ مختصرٍ كان بعنوان الجهد البيداغوجي عند العلاّمة الفضليّ ، قراءة مختصرة في معالم الخطاب الثقافي .























وكان







وقفـات نقدّيه مع كتـاب العقَـل الفقَهي للكاتب عباس يزدّاني ، ترجمَة أحمد القبانجي






إنّ مَسألة فهم الدّين والمُتطَلبات المُعاصرة للفرد والمُجتمَع والعلاقة القائمة بين العقل الفقهي القديم والعقل الفقهي الحدَيث ضمن نظريات تعدّد القراءة للنص الديني ومَسائل التنوير الفكري والتأثر بالفكر الفلسفي الصوفي ، قد أخذت مأخذها في الحواضر العلمية الحوزوية وخاصة في أيران حيث كتب الكثير بين ناقدٍ ومؤيدٍ لتلك النظريات الجديدة الكلامية منها والفقهية والأصولية مع وجود الضبابية الفكرية في كتاباتهم فهُم يتخفون عن القارئ بزّي مألوف ويحتجون عليه بنصَوص دينية يحاولون بها نسف أسَاس ديني فمن العجيب أحتجاجهم بالقرآن مثلاً على الإنتقاص من الأنبياء وغيرها من التناقضات والحديث عنها طويل جداً إلاّ انه من ثمار تلك السّلسلة كان كتاب العقل الفقهي للكاتب عباس يزدّاني حيث ترجمه لنا السَيّد أحمد القبانجي ، ولنا وقفات نقدية حوله بما هو كتاب بغض النظّر عن مُحتواه العلَمي والنصوص المنقوله فيه ، فسَوف نقف عنه مفصّلاً إنّ شاء الله تعالى وبيَـان التناقضات التي وقع فيهَا الكاتب والمترجم .
1-  نجد في الكتاب عبارة على غلافه الأمامي وهي (نقدّمَه إلى الاشخاص الذين يعتقدون بوجُوب أدارة الحكومة على أسَاس الفقه) ، ولكنه في جميع الكتاب لم يناقش النظرية الإسَلامية للحُكم بل أنتقد الفقه والمَنهج الفقهي وبعض الامور التي يعتقد أنّــه ليست بحجّة في الإسَتدلال وأنتقد كذلك المجتمع الشيعي وعلماءه ووصَف زيارة الحسين مشياً أنـه عمل تافه كما في (ص 316) دون أنّ يقدّم نظرية جديدة للحُكم سَوى أننا يجَب أن نلجـأ إلى حكومة العقل التي يبدو من آخـر الكتاب أنـه يقصد الديَمقراطية التحرّرية  أي (اللّيبرالية الغربية).
2- يبدو أنّ الكتاب هو لشخص حَوزوي شيعي ولكنّـه يذكر أن التشدّد أكتسبه الفقهاء من عمر بن الخطاب وهو ليَس مَصــدراً للتشريع عند الشَيعة مثل قوله ( ص236 ) في وصَف تساهل الائمة بمسألة الحجاب وأنفتاحهم (كما نلاحظ في الشواهد التاريخية أن موقف أئمة الدّين تجاه هذه الموارد والظواهر السلبية كان يقف عند حدّ النصيحة والترغيب بالتوبة. التاريخ الإسَلامي يحدثنا أن الشدّة في هذه الامور كانت من خصوصَيات الخليفة الثاني. حيث كان عمر بن الخطاب يصر كثيراً على فرض الحجاب على نساء النبي وعدَم خروجهن من البيت وكان يشكو من تسامح النبي تجاههن فكان يقول لنسَاء النبي : (إذا كان الامر بيدي فلا عين تراكن) وأشار في الهامش (كان عمر يقول للنبي أحجب نساءك فلمْ يكَن رسول الله يفعل "تفسير المعاني،..) وهذه الأحاديث لم تروَ عن طريق الشيعة بل هي موضوعة من قبل المُخالفين لرفع شأن الخليفة الثاني لأن القرآن نزل بعد ذلك يشدّد على نساء النبي (ص) بالحجاب وكأنما سبق عمر بن الخطاب الوحي في معرفة ذلك، والحُكم لوجدان القارئ ان يفهم هذا الكلام بحسب (سيرة العقلاء).
3- أنه يذكر روايات غريبة يؤيد بها مطلبه أحياناً دون أنّ يذكر المصدر واللازم أنه في الموارد الغريبة التي تشكل مفترقاً في القناعات يجب ذكر المصدر لإقناع القارئ ففي (ص233 ) يذكر ما هذا نصه (فقد ورد أن أمرأة جاءت الى رسول الله (ص) تشتكي شاباً اسمه خالد وانه قبّلها. فأحضره النبي فاعترف هذا الشاب بجريمته وقال بأنه مستعد للقصاص، فبما أنني قبلتها فعليها أن تقبلني ايضاً) ولا أعرف الى مستوى من الجرة وصل الكاتب حتى ينسب الى النبي الاستخفاف بأعراض الناس والتهاون في معصية الله سبحانه.
4- يبدو أنّ الكاتب أسلامي ولكنّـه ينتقص من القرآن أحياناً ومن الدّين كما وأنـه متناقض في حديثه وأنــه يخلط بين المَصطلحات فسيرة المتشرعة غير سيرة العقلاء وسيرة العقلاء غير حكم العَقل وغير بديهيات العقل كما انه ينقل لنا أشياء خلاف الواقع أصلاً .
5- عدم الأمانة في النقل ونسبة جُهود التتبع إلى قائليها فنجد أنـه في (ص34 ) وما بعدها حين يسَتعرض مسيرة الفقه والإجتهاد ينقل ما ذكره السيد باقر الصدر في كتابه (المعالم الجديدة) (ص30 ) دون أن يشير إلى المصدر وتتبع المسيرة الفقهية ونمو التفكير الشيعي عن طريق تتبع مؤلفات الشيعة ليس بالامر السهل ويحتاج الى قدرة ذهنية وتتبع عال ودقة فذة ولو لم أكن مطلعاً على كتاب المعالم لاعترفت للكاتب بسعة الاطلاع وحسن التتبع التاريخي، الا أن غير المطلعين على مصادر الاصول والحديثي لعهد بالثقافة الفقهية ستنطلي عليهم هذه الحيل في الكتابة وهذا ما يجعلنا نكرّر ان عامة الناس لا يمكن لهم تقييم هذه الكتب الوافدة الا بالرجوع الى الوسط الحوزوي. واذا أردنا ان نقيم تتبعه التاريخي فمن هذا النص ص165 (ان المشهور هو ان الامام الصادق (ع) كان لديه اربعة آلاف طالب وتلميذ، فلو كان تلاميذ سائر الائمة مع الوسائط في نقل الخبر ايضاً يتجاوز الرقم الى مئة الف نفر. ومعلوم ان عدد الرواة المذكورة اسماؤهم في كتب الرجال اقل بكثير من هذا العدد من رواة الحديث) ومع الغض عن ضعف التعبير فهي تدل على خطأ في التصور التاريخي فإن الفرصة التاريخية للامام الصادق (ع) تختلف عن الفرص التي اتيحت لسائر الائمة من ناحية انه عاش بين فترة ضعف الدولة الاموية في نهايتها وضعف الدولة العباسية في بدايتها مما أعطاه فرصة لنشر الحديث اوسع من غيره وان تكون له مدرسة واضحة المعالم وحلقات علنية لم تتح الفرصة لمثلها مع سائر الائمة وحتى لو تصورنا ان الرقم مماثل لكل إمام فإن الرقم لا يتجاوز المئة ألف (12 إمام × اربعة آلاف راوٍ = 48 ألف راوي) ومن الطبيعي ان بعض التلاميذ لم يحدث برواية او حدث ولم ينقل لنا وهو شيء طبيعي جداً وليس الفرق بين عدد الرواة وعدد الرجال المذكورين في كتب الرجال بذلك الفرق الذي يصوره لنا الكاتب، خذ مثلاً ان السيد الخوئي (قده) في معجم رجال الحديث يصل التسلسل في كتابه الى اكثر من خمسة عشر الف اسم.
6- أنه يبالغ في تصوير بعض الامور ليستفز القارئ والواقع ان المسألة اصغر مما يصورها او الطف او بوصف آخر لو اطلع عليه القارئ لم يستغرب منه. خذ مثلاً قوله ص117 (إذا اراد المكلف الصلاة على الميت السنّي فإن عليه في التكبيرة الرابعة ان يلعنه!) وهذا غير موجود في اللمعة والموجود فيه هكذا (والمنافق يخُتصر على اربع ويلعنه) أي اربع تكبيرات، وفي كتاب الذكرى لمؤلف اللمعه (قده) يصرّح بعدم وجوب ذلك، والحكم مأخوذ من الحديث، عن الصادق (ع) (اذا صليت على عدو الله فقل..) فانظر كيف قلب الكاتب العبارة من المنافق وعدو الله الى السني لأجل اثارة استغراب (القارئ الكريم) ولمعرفته ان قلة من الناس لديه نسخة من كتاب اللمعة وانه متداول فقط في الاوساط الحوزوية.
7- أن هناك الكثير من الأشياء التي لا يعرف قائلها ولم ترّد بحسب أطلاعي في كلمات الفقهاء وهي بعيدة عن الذوق الفقهي مطلقاً منها قوله ص 117 (لا يحق لغير المسلمين السكن في جزيرة العرب) ولا اعرف من أي فقيه سمع هذه الفتوى وهم جميعاً يرون عالمية الدين الاسلامي وعدم خصوصية الجزيرة العربية في شيء. وقوله في ص209 (جاء في الرسالات العملية انه اذا شك المكلف بعد الصلاة هل انه شك في اثناء الصلاة بين الركعة الثانية والثالثة، او بين الثالثة والرابعة فعليه ان يأتي بعد الصلاة بركعتين من قيام وركعتين من جلوس، ثم يعيد الصلاة بعد ذلك، وببيان آخر اذا احتمل انه أنقص ركعتين من الصلاة وجب عليه ان يضيف لها ثمان ركعات!) وهذا كذب صريح ولم يرد في أي رسالة من رسائل العلماء والمشهور لدى كل متدين ان الشك بين الاثنين والثلاثة يوجب الاتيان بركعة واحدة مع سجدتي السهو وكذلك الامر في الشك بين الثالثة والرابعة، ولا يعيد الصلاة اذ لا معنى لهذه المعالجات ان كان حكمها الاعادة، وهذه من اعاجيب كتاب العقل الفقهي التي يفسد بها على نفسه، وقد بالغ في تصور عدم اطلاع القرّاء اذ أن احكام الشك في الصلاة مما يجب على المكلف تحصيل العلم بها.
8- ان بعض الافهام انفرد بها المؤلف ولا وجود لها في عالم الفقه فلا يحق له إلصاقها بالآخرين بدون دليل .والامانة في التاليف والكتابة شيء مهم .
9- قد لاحظت ان بعض العبارات في الكتاب هي نفسها في كتابات احمد القبانجي ويبدو ان احمد القبانجي قد تصرف في متن الكتاب بغير ما يريده الكاتب اذ على طول قراءتي للكتاب الاحظ التناقض بين اسلوبين من الكتابة اسلوب يحاول ان يبرز بمظهر ديني حوزوي واسلوب علماني يترحم على الايات الشيطانية وربما كان الكتاب بأجمعه من كتابة القبانجي او محوراً بشكل كبير من كتاب آخر.
10 – وهي النقط الأهم في تلك المحاور ، حيث توجد عبارة في آخر الكتاب فسرت لي بعض الاشياء (ص345) قائلاً  (ملاحظة ختامية من المترجم: هذا الكتاب لم يطبع باللغة الفارسية. وقد توفي مؤلفه فجأة قبل سنتين وهو في ريعان الشباب. وبقي هذا الكتاب على شكل مسودة غير منقحة، وقد حصلتُ على نسخة مصورة منه سراً، فقمت بتنقيحه وترجمته الى العربية وفاء لجهود المؤلف وإخلاصه) وفي هذه العبارة عدة موارد للنظر :
أ - أنه لمْ يشر الى أماكن التنقيح بعد أعَترافه أنه نقح النسَخة وكان المَفروض بالأمانة العلمية ان ينقل النص الأصَلي في الهامش.
ب - أنه يحاول أن يظهر الكاتب بصورة أنــه قتل بسبب أفكاره مما يجعله بطلاً فكرياً (وقد توفي مؤلفه فجأة قبل سنتين وهو في ريعان الشباب) وهذه العبارة تذكرنا بالقصص البوليسية الغامضة وقوله انه حصل على نسخة مصورة منه سراً.. لا معنى له فلماذا السرية طالما ان المؤلف قد توفي الا اذا اراد اظهار الحكومة الايرانية بأنها ستقضي على كل من يروج هذا الكتاب بعد مؤلفه مع العلم ان الكتاب ليس بتلك الخطورة والحكومة الايرانية تتعامل مع هذا الكتاب وأمثاله بمرونة ولم يسبق ان قتل احد مؤلفي سلسلة الثقافة المعاصرة وهم يذهبون الى ابعد مما ذهب اليه المؤلف المتوفى ان صحت نسبة الكتاب الى مؤلفه، ولكن يبدو انه يريد عدم مطالبته بالنسخة الاصلية للكتاب. ثم اني لم افهم معنى للوصول السري للنسخة وهل هناك وصول علني او نسخة سرية وعلنية!
ج - يبدو انه ثمة ارتباط عاطفي بين المؤلف والمترجم اذ نراه يصفه بالاخلاص ولا ندري الاخلاص لأي شيء بينهم وكيف حكم على الطرح (العلمي) فيه بالاخلاص الا اذا كانت هنالك تجربة ومعايشة بينهما.
د - انه متمم لكتاب آخر للقبانجي هو كتاب تهذيب أحاديث الشيعة وبينهما كلام متشابه جداً للمتأمل الواعي وهو سابق من حيث الاصدار لكتاب العقل الفقهي مما يستبعد معه ان يكون متاثراً به الا اذا كان القبانجي قد يكون اخذ منه وهو لم يزل مسودة قيد التنقيح وهو شيء ينافي الوفاء لاخلاص المؤلف وحقوق التاليف إذا كانت شخصية عباس يزداني حقيقية غير مخترعة من ذهن القبانجي .
هذا ما أردنا بيانه مختصراً ولنا وقفات نقدية مع متون هذا الكتاب كما وأشكر الإستاذ عماد الهلالي على تنويره لنا حول هذا الكتاب ومدى التناقضات التي وقع فيها والحمد الله ربّ العالمين .

في المركز الثقافي البغدادي التابع لمُحافظة بغداد ، في قاعة الدكتور علي الوردي ،في شارع المتنبي ، كانت لنـا وقفة مع الأخـوّة الإعلاميَين والصَحفيين والكتّــاب الكبار ، في توظيف دور الصحافة العراقية المُعارضة ، وأختيار جريدة المنبـر إنموذجاً في ذلك ، وكانت بتنظيم المركز العراقي للتنمية الإعلامية . 
حيث شغلت الصَحافة في تأريخها الجديد الذي أنبثق مع اللّحظات الأولى لسقوط صدام جــزءاً كبيراً من تفكير المُثقفين العراقيين حيث بدت الضرورات المُلحة لبناء ثقافة صحفية رصينة بعيدة عن النهج الصحفي المُسّيس والمرتبط أساساً بالماكنة الإعلامية للدولة المتمثل برئيسها وأقطاب نظامه أولاً ، وطرح مُفردات تمثل نظم الحزب الواحد ثانياً ، ولأجل تحديد ملامح الأسلوب الصحفي وطريقة عرض المادة الصحفية تبرز إلى السطح نقطتان تدعو الحاجة إلى ضرورة معالجتهما بصورة سليمة وهما أولاً سُبل جذب وتدعيم وترسيخ الثقافة بشتى أنواعها عبر الصحافة وثانياً وهو الأهم حماية القارئ من الفلسفات والآيدلوجيات الدخيلة على معتقدات وعادات وتقاليد العراقيين ومن هذين النقطتين أنطلاقنا في وقفتنا اليّوم مع الأخوة الإعلاميين العراقيين .  













وقفة نقدية لـ [ عادل رؤوف ] في مرجعية الميدان 



في جوله مع مكتبتي وقع بيدي كتاب [مرجعية المَيدان] للكاتب عادل رؤوف ، الّذي قرأت بعَضه كُتبه في فترة زمنية طويلة ، منها هذا الكتاب وقد وضعتُ [ هامشاً نقدياً ] لبعض عباراته التي سَاقها في كتابه منها قوله :-
[ إن الصدر الثاني لم يترك في تراثه نصوصــاً سياسية كافية ، ونعني بالنصوص السياسية بمَعناها المباشر ، والمرتبطة بمَجالين من المجالات ، مجال النص المُرتبط بفكر الدولة والسلطة ، ومجال النص السياسي المواجه لسُلطة صدام حسين ، وفيما عدا ذلك فإن الصَّدر الثاني مارس خطابـاً سياسياً يندرج في سياق المُواجهة العامة ومارس الفتوى السياسة ، وكان مؤمنــاً بولاية الفقية ]
ثم يقول [ أن الصَّدر الثاني لم يكن مُفكّراً على طريقة مُحمّد باقر الصدر ، ولا ثورياً على الطريقة الخُمينية ، إلاّ أنه كان فقهياً ميدانياً عملياً ] مرجعية الميدان : 115 - 228 ..


أقول :- أن في هذا الكلام تناقضٌ واضح ويُمكن جعله في خمسة محاور موجزة :
أولاً :- في الحقيقة والواقع وحسب تتبع أهل الأختصاص إننا لانعرف موضوعاً كتب فيه الصّدر الأول لم يتطرق إليه الصدر الثاني ، حتى موضوع الإستقراء الذي تميّز به الصدر الأول فقد رفده الصدر الثاني بإستخدام واسع للرياضيات الحديثه ، ومن يطالع كتاب [ اليوم الموعود ] الجزء الرابع للموسوعة المهدوية سيجده تتميماً لكتاب [ فلسفتنا ] و [ إقتصادنا ] وتتويجاً للخط الذي رسمة الصدر الأول ..
ثانياً :- أن هذا التقييم الذي وضعه رؤوف يحمل تناقضاً داخلياً ، فهو من جهة يقول أنه لا توجد للشهيد الصَّدر نصوص سياسية مباشرة ، ومن جهة أخرى يقول أن الصّدر الثاني يؤمن بولاية الفقية ،ومن المعلوم أن بحث ولاية الفقية لم يطرحه الشهيد الصد من خلال منبر الكوفة إنما طرحه في كتاباته المخصوصة ، وهي نظرية سياسية تخص شكل الدولة وتحديد النظام والسُلطة ، فكيف يصح القول بإن الصّدر الثاني لم تكن له نصوص سياسية مباشرة ؟!!
ثالثاً :- أن هذا التقييم يضع كل كتابات رؤوف في ورطة حقيقية ، وهي الجهل التام بتراث الشهيد الصَّدر الفكري وكيفية الكتابة عنه بالقراءة الواعية ، فإن الشهيد الصدر قد ترك لنا نصوصاً سياسة طويلة وشاملة جداً فقد كتب حول القيادة وحول ترشيد الجماهير ، وحول ماهية السلطة ، ومكانة الثورة ، ومكوّنات الدولة وشكلها ، وحول الحكم والأنظمة الممارسة ، وغيرها من المَفاهيم السياسية الكثيرة جداً ويصعب إيرادها هنا لطُولها ، والمتتبع لموسوعة الإمام المهدي وموسوعة ماوراء الفقه وغيرها من الأبحاث المطبوعة حديثاً سيجد القارئ نصوص كثيرة يجد هناك مفاهيم تعالج القضايا السياسية مثل حدود طاعة القيادة ومشروعية الدولة ، الفقه ، بناء مؤسسات المجتمع المدني ، بل وصولاً إلى مفهوم الإنتصار ومسألة المقاومة وغير ذلك ..
رابعاً :- يقول رؤوف أن الصدر الثاني لم يكن مفكراً كالصدر الأول ، وهذا نابع من عدم متابعة أقوال الشهيد الصدر وكتاباته حول أسُتاذه الصدر الأول الذي يقول عنه إنني منبرٌ لطرح آراءه ونظرياته فكيف لايكون مفكراً مثله ، وهل تابع رؤوف كتاب [ منهج الأصول ] ورأى الأسلوب العلمي الذي مارسة الصدر الثاني في كيفية مناقشة وبلورة أفكار أستاذه وتقويتها ؟! أم اختصر على قراءة الكُتيّبات ؟!
وهل تابع رؤوف كتاب [ اليوم الموعود ] ورأى كيف أن الصدر الثاني سار في مناقشة الأفكار الماركسية والشيوعية والليبرالية على نفس طريقة الصدر الأول بمنهج جديد وتقويمٌ حديث ..
خامساً :- يقول رؤوف أن الصدر الثاني لم يكن [ ثورياً ] كالسيّد الخميني ، ولا أعرف ماذا يقَصد بالثوريه الخمينية هُنا ، مع أن الشهيد الصدر قد ثار من أجل الظُلم والأستبداد ، وقد ثار من أجل العراق الجريح ومن أجل تحرير العباد من دكتاتورية مُستبدة جثت على قلب العراق سنوات كثيرة ، فماذا يُسمي رؤوف كل تلك الحركات الثورية التي قام بها الصَّدر الثاني ، وماذا يُسمى رؤوف وقفته الكبيرة في منبر الكوفة المقدس ..
ولنا في ذلك كلامٌ يطول ولكن نكتفي بهذا المُوجز ..



فليَكُن إسِتهلالُنـا [ مَعنويــاً ] لا [ مَادّيــا ] 



ينتظر الكثير من أفراد المُجتمع المؤمن أنّ يَهـلَّ عليه هِلال شهر الطاعة والغُفران ؛ ليبدء مَسيرته العبادية [ الروحية ] في هذا الشهر الكريم ، وأول عمَل يقوم به هو الإستهلال ومُراقبة خروج الهلال في التاسع والعشرين من شهر شعبان المُبارك ؛ لمَعرفة الحكم الشرعي في وجوب الصوم وعدمه ، إلاّ أن لهذه العملية نظرة وجنْـبَة [ مَعنوية ] أخُرى ، تخرج عن إطارها المادّي وهي مـا أشار إليها السيَّد العارف مولانا الصَّدر الشهيَّد في فقه أخلاقه قائلاً ما نصَّه :- 
[ إن الإستهلال، هو محاولة رؤية ذلك الهلال الضعيف في أوائل ساعات ولادته, بكلِّ ما أوتيت العَين من طاقةٍ وقدرةٍ على الإبصار. ولهذه الصفات، عـددٌ من التأويلات المعنوية، نشير إلى واحدٍ منها, وهو إمكان أن يكون ذلك إشارةً إلى إيمان الفرد المؤمن, أو النفس الإيمانية الموجودة في باطنه، بينما الشمس تمثل المصدر الخارجيَّ للإشعاع الإيمانيِّ للفرد, وهي الكتاب والسنة, أو قل هو : من جاءنا بالكتاب والسنة، وهو نبيُّ الإسلام وآله الكرام فهم الشمس الحقيقية التي تشعُّ بنور الحقيقة للعالم كله. 
فبينما الشمس بهذا المعنى، يكون ردُّ فعلها الإيجابي في نفس الفرد هو القمر, ومن هنا قالوا : إنَّ القمر يأخذ نوره من الشمس ، والقمر يشرق في الليل عند حاجة الفرد إلى الضوء، وكذلك الحال في القمر الإيمانيِّ المعنوي، فإنَّ النفس بعد ممارستها لأمور الدنيا، ستكون في ظلامٍ وغفلة، ولا يكون هناك منفذٌ في رحمة الله سبحانه وتعالى غير وجود هذا النور الإيمانيِّ في قلب هذا الفرد. قال الله سبحانه: [إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ] وقال عزَّ من قائل: [اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ] .
فأنَّ الإيمان في قلب الفرد، كالقمر، يبدأ في التسلسل المعنويِّ صغيراً [ هلالاً ]. ثمَّ كلما تقدّم الفرد في عمله في الطاعة, أو في ثقافته الدينية ونحو ذلك، أتسع نور الإيمان في قلبه إلى حدٍّ يصبح بدراً متكاملاً، يَملأ نوره النفس والقلب، يهديها إلى صراطٍ مستقيم.
والإستهلال هنا هو المُحاولة الجادَّة لرؤية الدرجة الضعيفة من الإيمان في أوَّل وجوده، أو من اليقين في أوَّل حـدوثه ، توخياً من الفرد للعطاء الجديد من الله سبحانه وتعالى، مَهما كان قليلاً ، وهذا ما يحسُّ به وجداننا في باطن النفس، وليس برؤية العين الإعتيادية بطبيعة الحال.
وكذلك يستمرُّ الفرد المؤمن يراقب نموَّ الهلال، والنور الإيمانيَّ في نفسه، وتحصل له البهجة بذلك، قال تعالى: [قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ] .
والبدرالإيمانيُّ في داخل النفس، بعد حصوله وتكامله، لا يكون قابلاً للأفول والنقصان، بل هو بدرٌ مستمرٌّ وخالد, وليس كالقمر الإعتياديِّ يعود صغيراً في كلِّ شهر، لأنَّ القمر الإيمانيَّ إنما هو من درجات الجنة, و[أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ] وقال: [خَالِدِينَ فِيها اَبَداً] وقال: [لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ] .
إلاّ أننا مع ذلك لا نَعَدِم الفهم الرمزيَّ للتضاؤل التدريجيِّ إلى حدٍّ يصل إلى المحاق, كالقمر الطبيعيّ.
وذلك: أنَّ درجات التكامل الإيمانيِّ لا متناهية, فإذا وصل الفرد إلى حصول البدر في نفسه، أستحقَّ لا محالة الخطوة التي بعدها، وهي الإقتباس من الشمس مباشرةً، من المعين الحقيقيِّ للعطاء الإلهيّ.
وبمقدار ما تقدّم الفرد في هذه السبيل، فإنَّ أهمية البدر السابق في نفسه تتضاءل تدريجاً، ويصبح ملتفتاً بكله إلى نور الشمس، ومعطياً له الأهمية الواقعية القصوى. وبذلك يتضاءل البدر إلى أن يزول، بمعنى زوال أهميته تماماً، بإشراق الشمس في نفس الفرد عوضاً عن البدر.
وبذلك يحصل المَحاق، لأنَّ الشمس الحقيقية إذا أشرقت على القلب، لا يبقى للأنانية أيُّ وجود، بل تمحى وتمحق لا محالة. قال تعالى: [فَمَحَونَا آيةَ الَلّيلِ وَجَعَلنَا آيةَ النَهارِ مُبصِرةً] .

المصدر : 
الصَّدر : مُحمّد صادق ، فقه الإخلاق 
ج1 / كتــاب الصـّـوم / فقرة 3 / ص 211 .


أيّها الناس : إنه قد أقبل إليكم شهر الله ( مراجعة ذاتية ) 




هذا ما بدأ به رسول الإنسانية محمد ( صلّى الله عليه وآله وسلم ) خطبته المشهورة الرائعة ، لإستقبال شهر رمضان المبارك وهو يعطي لنا دروساً تربوية في كيفية علاقة الأنسان مع الله من جهة وعلاقته بأخيه الإنسان من جهة آخرى وعلاقته بالمجتمع من جهة ثالثة ، خلال هذا الشهر العظيم ، ونحن كلما إقتربنا أكثر من إستقبال هذا الشهر الفضيل ، علينا أن نطرح على أنفسنا السؤال الآتي وهو ( نقد ومراجعة للذات ) : هل نحن قريبون فعلاً لإستقبال هذا الشهر الفضيل ، فيما يتعلَّق بتهيئة أنفسنا روحيّاً ومعنويّـاً ؟! لأن إستقباله يتطلَّب الإقبـال عليه بنفوسٍ صادقةٍ أبيّة ، لا تحمل بين جنباتها الغلَّ والأحقاد على أحد، وتتطلَّب القلوب النّظيفة الّتي تنبض بالحبّ والرّحمة، وتحمل مشاعر الودّ والإخلاص، والعقول المنفتحة المسؤولة الّتي تعي ما هي فيه وإلى أين هي سائرة ؟ ، وماذا تقبل وما لا تقبل من أفكار؛ العقول التي تُخطِّط لإصلاح ذات البين، لا العقول المغيَّبة عن الواقع والمحبوسة في زنازين العصبيّات والتخلّف والرجعيّة.
والدَّعوة اليوم هي قائمة لعودتنا إلى ربنا الرَّحيم وإلى إسلامنا الأصيل، كي نراجع أوضاعنا وعلاقاتنا ، ونصحِّح الانحرافات التي تحاول إعاقة مسيرة دورنا ومسؤوليَّاتنا في الحياة، وما أجمل أن ننفض عنَّا كلَّ ما يعيق تواصلنا وتكافلنا وتضامننا وتعاوننا، وأن نستقبل هذا الشّهر الفضيل بكلّ همّةٍ عالية، وكلّ مسؤوليّة تعرّفنا إلى أصالة ديننا، لجهة أهميّة تثبيت أسس العلاقات الاجتماعيّة والإنسانيّة على قاعدة رضى الله ورحمته ومحبّته، وإلتزام حدوده، والذّود عن الحقّ، ومواجهة الظّلم والأباطيل، وتربية النفس على البذل والخير والعطاء، وقمع الشّهوات والمطامع والأهواء، وتهذيب الرّوح لتنطلق من عوالم الإستغراق في مظاهر الدّنيا إلى فضاء الرّحمة الإلهيّة، وإلى التأمّل في مظاهر النِّعَم الإلهيّة!
كما أن استقبال الشّهر الفضيل يعني أستقبال كلِّ ما في الرّسالات من مفاهيم ومعانٍ جليلة يبرزها الصّوم في انفتاح الصَّائم على هذه القيم والمعاني، والتّفاعل معها بشكلٍ يجذِّرها في نفسه، بحيث تنعكس آثارها على شخصيَّته وعلى المحيط من حوله ، فالصِّيام كما ورد هو رياضة جسديَّة وروحيَّة تحفِّز الإنسان على التوقّف والتأمّل، والعودة إلى نفسه لمراجعة أحوالها، والعودة إلى ربّه ليصحِّح علاقته به على أسس متينة، وأن يتوجَّه إليه التوجّه المطلوب الّذي يرفع من شأنه وقيمته.
ومع إقتراب هذا الشَّهر الفضيل يمكن ان نوجّه لذواتنا الأسئلة التالية : 
ماذا أعددنا لإستقبال أوقاته الفضيلة في ظلِّ ما يعانيه واقعنا من تشتّت وفرقة وفوضى وضعف؟! هل نستقبل الشّهر الفضيل ونحن نتنازع مع بعضنا البعض، ونثير العصبيّات والفتن، ونؤجّج المشاكل، ونغرق في الحسابات الضيّقة التي تغلق آفاقنا عن الحقّ وعن السّير في خطّ الله؟ إن َّإصلاح ذات بيننا، وتعزيز وحدتنا المفقودة في الواقع، وتربية نفوسنا على عمل الصّالحات وعلى فعل الخيرات، والابتعاد عن كلّ السلوكيّات المنحرفة التي تخالف حدود الله وتعاليمه، من الأمور الّتي ينبغي الإلتفات إليها، والتنبّه إلى أهميّتها في تقوية واقعنا ومنعه من الإهتزاز والسقوط.
إنَّ إستقبال الشَّهر الفضيل، لا بدَّ من أن يكون عبر إصلاح نفوسنا وسرائرنا، وخوفنا من الله وإلتزام حدوده، كي نكون فعلاً من العاملين لإستقباله، ونحن في أفضل حال وأحسنه، وكما يريدنا الله تعالى أن نكون عليه من حُسن تمثُّيل لأخلاقيّات الإسلام وقيمه ومفاهيمه.
ها قد إقترب شهر الرّحمة والمغفرة والرّضوان، فلنستعدّ لنكون من أهله، طلاّب رحمة وطلاّب مغفرة وتوبة عن الذّنوب والآثام، وطلاّباً لرضوان الله ، وأختم حديثي ما ختم به الرسول الأكرم محمد (ص) خطبته الرائعة قائلاً : { أيّها الناس : إنّ أبواب الجنان في هذا الشهر مفتّحة ، فاسألوا ربّكم أن لا يغلقها عليكم ، وأبواب النيران مغلقة ، فاسألوا الله أن لا يفتحها عليكم ، والشياطين مغلولة ، فاسألوا ربّكم أن لا يسلّطها عليكم } .