الجمعة، 27 نوفمبر 2015

الحُسين - عليه السَّلام - وسيَّطرته العَالمية .



إنّ الإمام الحُسين (عليه السَّلام ) ذلك الثائر الذي خَرج ضدّ الظلم والإنحراف والطغيان والإنحطاط ، وقد أستشهد هو وعِياله وأصحابه وسُبيت نساءه وأطفاله ، كلّ ذلك كان قبل أربعة عشر قـرناً ونصف ، ولا زال مُسيطراً على النُظم البشرية والعالمية ، بل وعلى المُجتمع البشري [ كافّة ] سيطرةً أقوى من سيطرة أيّ نظام في العالم، وهذا ما نُشاهده الآن في زيارة الأربعين وتلك القلوب والعقول والحشود تتوجّه كلها إلى ضريحه الشريف ، حيث يَخرجُ زمام الأمر من يد الدَولة ويكون بيد الحُسين(عليه السَّلام) وهذا ما قاله بعض المَسؤولين من أن الحسين(علية السَّلام) هو الذي يَحَكُم العِراق خلال زيارة الأربعين.
بل لو أُطْلِق الفضاء للشُعوب الأخرى حتى الغربية منها ، وفكّ عن سَراحهم وعن سَيطرة أنظمتهم ، لرأيناهُم ينجذبون ويَنقادون بلا شعور لكعبة العشاق والزوّار ، وما تُمليه مبادىء الحُسين وقيم الحسين والجوّ التربوي لسيّد الشُهداء ( صلوات الله عليه ) ، لعاشت البشرية في الجنان لأنَّه(عليه السَّلام ) يَحكم القلوب إلى الصَفاء، وليست البشرية وحدها تنقاد له بل حتى الملائكة ، فقد ورد عن أبي عبدالله(عليه السَّلام) قال : ليس من ملك في السماوات والأرض إلاّ وهم يسألون الله عَزَّ وَجَلَّ أن يأذن لهم في زيارة قبر الحسين(ع) ففوج ينزل وفوج يعرج .
السيَّد محمّد الصَّـــدر وإحيــــاء سُنّة

المَشي إلى زيارة الحُسين (عليه السَّلام ) .





عندما نتابع حَركة المَرجعية التي قادها السيَّد الشهيّد الصّدر (رض) نجد أنها ذات حُضور تغييري واسع في وسط الأمة، بحيث أنجز تجربة عملية تغييرية مُتميّزة، يقودها فقيه في بلدٍ مثل العراق بحركةِ إنتاجٍ فقهيه عَملية ، أيَّ بمعنى فقه يُواكب حَركة الحياة والحُكم والمُجتمع، بتطوّراتها، ومُستجدّاتها، وتحدّياتها، وآفاقها المُستقبلية، من خلال ربط الفقه بالواقع وبَعْث رُوح التجديد فيه ، فكانت مرجَعيتةُ بين مرحلتي التأسيس والتحريك ، مرحلة (التأسيس) التي بدأها أستاذه الشهيد الصَّدر الأول ، ثم مرحلة (التحريك) التي قام بأعبائها الشهيد الصَّدر الثاني (قده) ووضع لها بسُلوكه وفكره وحركته العبادية السَياسية منهجها التغييري الخلّاق ومشروعها المُتميز الخاص، رغم مُسلسل الرُعب الذيّ كان يَعيشه العَراق في ذلك الوقت ، وفي فاصلة كانت تحمل خُصوصيات الزمان والمكان والظرف والمَنهج الفريد فكراً وحركة، مِمّا أدّى إلى إنتاج جُملة من النُظم التطبيقية الحيّة التي تحمل إمكانية تطبيَقها وأستلهامها بمُجرّد إعادة إنتاج الظروف المُهيئة لسيرورتها المُنفتحة على آفاق ومديات وأجيال مستقبلية ..
فحِينما اقتحم جوّ الرُعب الذي صَنعه النظام البائد في العراق مَدعوماً بأدوات الإرهاب العالمي، جاء التوجيه إلى القواعد الشَعبية في السيّر مشيّاً لزيارة الحُسين ( عليه السَّلام ) ، وكان ذلك بالأمر الولائي الشرعي الذي تتمتع به مرجعية الشهيد الصَّدر ، وتوضيح الأمر بأن المُجتمع [ المُتَدَّين ] مع الحَوزة العلمية ، وأنه قادر على أستعياب فكرة الدين ، وتوظيفها في الواقع ، في وقتٍ أصاب الغبش الكثيرين تجاه حركة الشهيد الصّدر الثاني (قده)، إلاّ أن نظرتة كانت ثاقبة وصحيحة وترى الأمور بصورتها الطبيعية فكان الأمر بالمشي [ ضربة موجعة للسُلطة الغاشمة ] وإسَتجابة الجماهير له هو بمثابة [ زعزعة السلطة الجائرة وأزالة قيادة المجتمع من يديها ] .

فجاءت تلبية الجَماهير [ المؤمنة ] لنداء السيَّر مشيّاً إلى الحُسين (ع) لتكشف عن وجه السُلطة الحَقيقي وتعريتها للشَعاراتها العريضة التي كانت ترفعها في ( حملتها الإيمانية المزعومة) لإحتواء المدّ الدّيني في العراق وكذلك عَجز أجَهزتها القَمعية في فصل الشَعب العراقي عن قيادته الدينية المُخلصة التي عبّرت بصَدقٍ عن آمال وطُموحات وأهداف الشعب العراقي نحو الحق والعدل والحرية والإستقلال ..

بينما كانت سُنّة المَشي إلى الحُسين ( عليه السّلام ) قبل ذلك التوجيّه ، ميّته [ بعنوانها العام ] فجاء الإحياء [ الصّدري ] لها لتعود الناس مرّةً أخرى تقصد كَعبة العاشقين ، بلا خوفٍ ولاهمٍ ولاحُزنٍ ، لإن الحوزة هي التي تقود هذا المسير ..

ومن هُنا، نعي إن الأنظمة الاسَتبدادية في العالم، تشعر بالحذر دائماً من كل حركة للعُلماء في المطالبة بالعدل ورفض الظلم وإحياء الشعائر الدينية ( العبادية ) و ( الحُسينيّة ) ، وتعمل على أن تحاصرهم وتضطهدهم بكلّ الوسائل وصولًا إلى اغتيالهم، وهذا ما لاحظناه في كثير من البلدان الإسلامية وفي مقدمتها العراق، وما فعلته السلطة البائدة مع الصدرين الشهيدين ، إذ لم نشهد دكتاتوراً كالنظام العراقي في كل هذا التاريخ المعاصر، كما لم نشهد مثل هاتين الحركتين في قداستهما وابداعهما .


نعم صدق سماحة السيّد هادي المُدرسي عندما قال ، أن الشهيد الصّدر قد أعاد الحياة إلى سُنّة المشي لزيارة الحُسين ( عليه السّلام ) وعلى أساس ذلك ونحن في رحاب هذه الذكرى ، أن نتذكر تلك الأيّام الخوالد التي زرع فيها الشهيد الصَّدر قوّة الموقف وقوّة العقيدة وقوّة المواجهة في قلوب المؤمنين ..

الأحد، 22 نوفمبر 2015

إسلامنا أرادهُ الغرب أن يكون [ راديكالياً ] أو [ ليبرالياً ] 
وأراده الله تعالى أن يُبقيّه [ مُحمّدياً ]

أسامة العتابي

إن مسألة تطويع النصّ المُقدّس ليكون منهجاً فكرياً أو سياسياً لم يكن وليد الوقت الحاضر ؛ فقد أبدع السياسيون المسلمون الأوائل والمتطرفون الإسلاميون كُلّهم في توظيفه وإستخدامه ، وقد كان عبد الله بن عمر أحد الذين فطنوا لهذا الخلط الفاحش الذي أعتمده الخوارج في تكفيرهم وقتالهم للمسلمين الآخرين بوساطة توظيف النصّ المُقدّس ، ولذلك ورد قائلاً  : " أنطلقوا إلى آيات نزلت في الكفار فجعلوها في المسلمين " .
نعم إن هذا المنهج الإقصائي عاد على الإسلام بضررٍ كبير ، وأقلّ ما فيه أنّه شوّه صورته وحوّله إلى هيكل يبحث عن أسمٍ يترجم معناه ؛ فالعالم يعيش اليّوم متغيرات أنتجت تحدّيات وصراعات ضارية ، امتدت في جميع صور الحياة : الإقتصادية ، والسياسية ، والإجتماعية ، والفكرية ، والثقافية ، وقسّمت العالم إلى قسّمين قسمٌ يُحاول بسط هيّمنته وقوّته وثقافته على الآخرين ، تحت شعار عالمية الثقافة ، وكينونة الأفكار .
والآخر ينظر إلى القسم الأول إما بعين الإعجاب والإنبهار او بعين الخوف أو العداء والرفض ؛ وتَسبّب ذلك بظهور مفاهيم ومصطلحات ، وتعريفات ، وتسميات جديدة للإسلام ، منها : إسلام راديكالي ، وليبرالي ، وفاشي ، وإستبدادي ، وهمجي ، وإسلام بلا خوف ، وإسلام فوبيا ، وإسلام مدني ديمقراطي ، وغيرها من التسميات ، وكلّ واحدة منها لها دوافعها الخاصّة ، وهنا أنقل نص لـ ( دانيال بايبس ) في حوارٍ له مع عمدة لندن ، حيث يقول : " والأمثلة الضخمة للهمجية الأيديولوجية هي الفاشية واللينينية الماركسية اللّتين في مساريهما التأريخيّين قامتا بقتل العشرات من ملايين الناس ؛ لكننا اليّوم نرى الثالثة ، الحركة الشمولية الأستبدادية الهجمية الثالثة ، المتمثلة بالإسلام الراديكالي المتطرّف ، وهو نسخة أو صورة طوباوية متطرفة من الإسلام " (1)

وهُنا لا أُريد التكلّم على الإسلام كدين ، إنما على قراءة عادية وحديثة جداً للإسلام ، أوقعَتْ بؤساً ، حيث تساءَلَ قائلاً : " إن السؤال العظيم في عصرنا هذا هو كيف نمنع هذه الحركة الشبيهة بالفاشية والشيوعية ، من أن تصبح أكثر قوّة ؟ " (2)

ولم يكن هذا الشعور العدواني هو وليد المصادفة ، فقد وضع نظرياته الأولى ( صموئيل هنتنتغتن ) و ( فرانسيس فوكوياما ) و ( برنارد لويس ) ، وغيرهم ، إذ يرى ( هنتغتون ) في كتابه ( صدام الحضارات ) ( أن المشكلة لا تتعلق فقط بالإسلاميين الأصوليين وإنما بالإسلام نفسه .

كما أن فوكوياما يُحدّد لنا المشكلة في تصادم الإسلام مع مبدأ العلمانية الذي تحتم فرضة السيطرة العالمية للنظام الرأسمالي ؛ وذلك لتفريغ المجتمعات من القيّم الخاصة بها ، وهو الأمر الذي يتطلبه هذا النظام ؛ لتصبح قيم السوق النفعية هي القيم الوحيدة الحاكمة ، فالعلمانية في فحواها الأخير هي الإقتصار على العقل البشري وخبراته في تصوّر حقائق الوجود وتصريف شوؤن الحياة ، وهو الأمر الذي يعني التصادم الحتمي مع الإسلام .

بينما يرى ( لويس ) أن الإسلام الليبرالي هو الإسلام المنفتح للتوافق مع كل المفاهيم والقيم الغربية ، أي الإسلام المتوافق مع العلمانية والديمقراطية والعلاقات التحرّرية بين الرجل والمرأة ، وقواعد حقوق الإنسان الغربية ، والمصالح الأمريكية النفعية ، وهو الذي يمكن أن يتوافق مع كلّ شي في الوجود إلاّ مع حقائق الإسلام نفسه .

هذا ما أكدّه العالم الأمريكي ( ليونارد بياندر ) في كتابه [ الليبرالية الإسلامية ] الذي صدر عام 1988 م ، حيث أعلن فيه بأن غير تيار الليبرالية الإسلامية ، فإن الليبرالية السياسية لن تنجح في الشرق الأوسط "

ومن هنا يرى ( دانيال ) بإن الإسلام الراديكالي يجب أن يُقاتل ويجب ان يُهْزَم مثلما حدثت هزيمة التهديدات الألمانية والتهديدات السوفيتيى في عام 1945 م و 1991 م . (3)

ومن هنا جاء هدفهم الكبير بأن يكون في حالتنا هذه ظهور إسلام حديث ومعاصر ، معتدل ، ديمقراطي ، إنساني  ليبرالي ، وودّي يؤمن بحسن الجوار ، إسلامُ يحترم النساء ، وأصحاب الجنسية المثلية ، والمُلحدين ، وغيرهم ، إسلامٌ يؤمن لغير المسلمين بنفس حقوق المسلمين .

ولهذا جاء التقسيم الرباعي للإتجاهات الأساسية في العالم الإسلامي : ( الأصوليون - والتقليديون - والعلمانيون - والحداثيون )
 الأصوليون : تقليديين ( هو الوهابية في السعودية ) وراديكاليين متطرفين ( تمثلهم الجهات والجماعات الجهادية ) العلمانيون : ( هم الذين يعتقدون بإن الدين ينبغي أن يكون مسألة خاصة منفصلة عن السياسة والدولة ) .
الحداثيون : (  هم الذين يسعون إلى إدخال تنقيات هائلة في الفهم التقليدي للإسلام ) . (4)

ولأن الحداثويين يؤمنون بتاريخية الإسلام ، التي تعني ان الإسلام الذي كان يمارس في عصر الرسالة لا يعكس حقائق ثابته ، وأن ذلك يتعلق بالظروف التاريخية التي كانت ملائمة لذلك العصر ، ولكنها لم تعد صالحة اليّوم ؛ فقد عوّل عليهم الغرب في صنع الإسلام الليبرالي والقضاء على الإسلام الراديكالي كما روّج لهذا المشروع الكاتب والباحث المصري الدكتور نصر حامد أبو زيد في كتاباته عن تاريخية القرآن .
وكان هذا المخطط  يتمحور في عدّة أمور منها : نشر أعمالهم وتوزيعها في شرح الإسلام وطرحه بتكلفة مدعمة ، تشجيعهم على الكتابة للجماهير والشباب ، وتقديم آرائهم في مناهج التربية الإسلامية المدرسية ، وإعطائهم مناصب شعبية للتواصل مع الجماهير ، جعل آراءهم وأحكامهم التأويلية للقضايا الدينية الكبرى متاحة للجماهير على مستوى الفضائيات والإنترنت ، ووضع العلمانية والحداثة على أنهما خِيارٌ مضادٌ لثقافة الشباب الإسلامي التي يجب وصمها بثقافة العنف .
وكذلك تيسير الوعي بالتاريخ والثقافة قبل عهود الإسلام في وسائل الإعلام ومناهج الدراسة ، تنمية المنظمّات المدنية المستقلة لتدعيم الثقافة المدنية ، وكذلك من السذاجة الأعتقاد بأن هذا المخطط  يقتنع بقدرة الحداثويين على إيجاد بديل للفكر الإسلامي الحقيقي متمثلاً في الإسلام الليبرالي كما يسعى إلى نشره في العراق المُسمّى السيد بأحمد القبانجي .
وكل هذا هو خلق خلخلة  تسمح  للفكر العلماني البراجماتي الإمريكي بالنفاذ إلى الجماهير ، وهذا هو جزء من ثقافة تغيير المفاهيم ، وما التكفير إلا إحدى تلك المفاهيم التي وضعوها نصب أعينهم ، لأنها برأيهم تعيق قيام الدولة الحرّة ، فمن خلال تقدّمه السريع وجد العالم الغربي نفسه أمام مشكلة كبيرة تتمثل بزخم المفاهيم القديمة الذي لا تتماشى مع التقدّم ، فأصبح أمام خيارين : إما أن يتوقف عن النمو ويبقى يرواح في مكانه ، وإما يهمل الموروث وجميع مفاهيمه ، بما يبدو وكأنه قطعية مع الماضي ، ثم وجدوا أن المقترح الأول مرفوض ، والآخر يحذف كثيراً من القيم التي يؤمنون بها ، بما فيها القيم الدينية ، وكلاهما يدل على الهزيمة ، فأستنبطوا أسلوباً ثالثاً مبنياً على فكرة إعادة تعريف المفاهيم والأشياء ، بمعنى العمل على وضع فهم جديد لها وتقنية ، وإعادة تفسيرهما .
فعندما يصفون الإسلام بالراديكالية فإنهم يريدون أن يقرنونه بالتطرف ، ليصلوا إلى نتيجة مفادها إن  جوهر الإسلام هو التحجّر ، وهو التمسك الكامل بالموروث عن السلف ، دون النظر إلى قانون التقادم ، وتأثير مسيرة التاريخ على الحياة ، إنه يقوم على عقيدة صراح الحضارات ، أنه يقسّم العالم إلى معسكرين : أخلاقي ولا أخلاقي ، خير وشر ، وهذا ما أقتبسه الإسلاميين المتطرفين الذين اتخذوا من بريطانيا قاعدةٍ لهم .
-------------------------------------------------------------------------------------------------------------
1- حوار بعنوان الإسلام الراديكالي المتطرف ضد الحضارة ، أجراه دانيال بايس مع عمدة لندن ( كين لنفجستون ) في شباط 2007 م  ، ينظر الرابط التالي / http://ar.danielpipes.org/article/4295
2- المصدر نفسه .
3- المصدر نفسه .
4- هذا التقسيم ذكر في تقرير بعنوان "الاسلام المدني الديموقراطي: الشركاء والموارد والاستراتيجيات" (تصنيف مقترح للتيارات الإسلامية ، وهو دراسة أمريكية عن التيارات الإسلامية الحديثة والمعاصرة ،  وهو تقرير إستراتيجي مقدم من معهد راند للدراسات والأبحاث الإستراتيجية  بقلم: الباحثة شيريل بينارد العاملة في قسم الامن القومي صدر عام ٢٠٠٣ . ينظر الرابط التالي / http://www.almoslim.net/node/85956

الاثنين، 16 نوفمبر 2015

المسلمون والأرهاب في فرنسا

على المُجتمع الفرنسي إن كان مجتمعاً واعياً متطوّراً مثقفاً ، بكلِّ أطيافه وإتجاهاته ، أن يُراعي وضع المُسلمين فيما بينهم ، وأن يُنظر إليهم بعين الحِكمة والعقل، فهم أيضاً ضحايا لهذا الإرهاب المعروف بوحشيّته في كل مكان ، وأوطانهم تتدمَّر جرّاء هذا الإرهاب العابر للحدود والأوطان، وبالتّالي، يجب أن يُمارس هذا المُجتمع ضبط النّفس والتّضامن والوحدة والتَّكاتف، لأنَّ المسلمين كانوا ولا يزالون جزءاً أساسيّاً من المجتمع الفرنسيّ، وقدَّموا من أجله الكثير ، فالأرهاب هو قتلٌ باسم الإسلام، والإسلام منه براء ، فقد تغذَّى وترعرع تحت أعين القوى العالميّة الكبرى، واستُغِلَّ واستُثمِر في أجنداتٍ وحساباتٍ دوليَّةٍ وإقليميَّة، ولكنَّ المفارقة الوحيدة، أنَّ ثمن هذا الإرهاب يدفعه الأبرياء من أرواحهم وممتلكاتهم ، ويدفع المسلمون ثمن هذا الإرهاب، إنْ كانوا في بلدانهم الأصليّة، أو في البلاد الّتي هاجروا إليها طلباً للرّزق والأمان، فكلَّما وقع هجوم إرهابيّ في تلك الدول ، كان من تداعياته التَّضييق على المُسلمين والضَّغط عليهم، وممارسة ردود الفعل العنيفة تجاههم ، فعليهم الإنصاف والعدل إن كانوا للعدل واعين .

الأربعاء، 4 نوفمبر 2015

المَنبر الحُسيّني بثَوبهِ الجَديد .

كانت لنا وقفةٌ حُسيّنية في رحاب الشَهادة ، بصُورة مَنبريّة مُعاصرة ، من على مَنصّةِ مُنتدى الهُدى للتبادل المَعرفي ، حَيث أجتمَعنا حولها بندوةٍ مَعرفية فكريّة ، انطلقنا من خِلالها إلى أرض كربلاء ، أرض الحُرية والإباء ، أرض الدِماء الطاهرة ، حيث النَهضة الحُسيّنية المُباركة ودلالاتها الثورية والسياسيّة والفكرية حول مواجهة الأنظمة الفاسدة ومَدى مشروعيتها في المُستقبل البشري ، فكان أمَام تلك المَنصة جُملة من الأُدباء والكُتّاب والمُثقَّفين وأسَاتذة الجامعات والباحثين في الشأن الدّيني والسياسيّ والإجتماعي على مختلف المستويات ، حيث كانت وقفاتِهم مَعنا ، رائعـة جداً ، زادت لمَوضوعنا رونقةً وجمالاً فكريــاً ناصعاً .
ومن خلال ذلك عَرفتُ مدى صُعوبة اسَتخدام المُفردات والتعابير الفكرية والمَعرفية وأنت في جوٍ مثل هذا الجو الفكري الرائع ، حيثُ كلّ مُصطلحٍ أو تحليلٍ أو مَوقفٍ تطَرحه تجد له إذنٌ واعَية تُسَجّله في إطار ذلك البحث .
نعم أستطعنا وبفضل الله وببركات سيّد الشُهداء ودعواتكم المباركة ، أن نُقدّم النهضة الحُسيّنية إلى الآخرين بصُورة فكرية مُعاصرة يمكن فَهمها ومعايشتها في واقِعنا واستلهام العِبر منها .
اُقدّم خالص إمتناني وشُكري لإدارة مُنتدى الهُدى على إعِطاءنا لهذه الفرصة القيّمه لنتواصل مع الآخرين فكرياً ومَعرفياً وإجتماعياً .
نعم انه التبادل المعرفي الذي رَفَعته الهُدى شعاراً لها ..













































ولله الحمدُ مِن قَبـل ومِن بَعــد .


الثلاثاء، 3 نوفمبر 2015

رسالة تاريخيّة لشيّعة مَصـر الحَبيبة
قـراءة واعية فـي الأحداث والمَواقـف
 - رؤية تحليليّة -




















إن الإعتدال والوسطية هو المنهج السليم، فلا يكون الإنسان مُتطرفاً ولا متشنجاً حاداً في مواقفه مع الآخرين وفي مواقفه الوطنية ، فإنّ واقعنا الإسلامي اليّوم يتطلب حركة مستمرة للأعتدال والوسَطية، ليس في الداخل الشيعي فحسب، بل في الوسط الإسلامي عموماً، فهناك أيدي تحاول زرع البُغض الطائفي والتحريض المذهبي على أن يوقعوا الفتنة في المنطقة؛ فيُعيدوها مِئات السنين نحو الوراء، فهل يجب أن ننتظر حتى تقع الكارثة ثم نتداعى للعلِاج والمعالجة، أم ينبغي أن نكون مع كل من يُريد الدفاع عن المظلومين ونبذ كل الألسنة الطائفيه المقيته ، وأن يُعلى صوت الأعتدال ، ولا يخفى على المتفحص الواعي من أن تجربة سماحة السيّد مقتدى الصّدر - دامت توفيّقاته - مع البلدان المسلمة وغير المسلمة ، ورسائله الأعتداليه الإنسانية - مصر نموذجاً - تؤكّد ضَرورة ولادة حركة الإعتدال الإسلامي - الإسلامي من جهة، والمذهبي - المذهبي داخل كل مذهب من جهة أخرى، كي يَكون للفرقاء كُلهم القول في قضايا طَوائفهم ومذاهبهم، لا أن يتحكم فيها فريق يحمل البغض والعداء والأرهاب سمةً له ، فيجرّ الفرقاء الآخرين للتورط معه، ويُكلّفهم ما لا يُريدون، بل ما لا يُطيَقون، هذه هي رسالة سماحته حول الإعتدال. ونحن شٌركاء في الإسلام والمذهب، فمن حق الجميع أن يكون له حضوره في واقع هذا الإسلام وهذا المذهب ، وخاصة نُصرة الشعوب المظلومة مهما كان دينها وتوجّهها وعقيدتها ...
فالعاقل الواعي الذي يريد خدمة أفكاره ، يجب أن يقف موقفاً سليماً مع خط الأعتدال وخط أنسنة الخطاب الإسلامي ، وأن تكون تلك المَواقف تشق طريقها إلى قلوب الناس، والذي يكون كذلك فهو الذي يمتلك سعة الصدر ورحابة الأفق، ولا ينفعل تجاه الرأي المُخالف، حتى ولو تعامل معه الآخرون بشكل سيئ، فإنه يمارس أعلى درجات ضبط النفس، والتحكّم في الأعصاب، بحيث يُقابلهم باللطف والإحسان، فيمتص التشنجات، ويستوعب الاستفزازات.
وبهذه المنهجيّة الأخلاقية التي نجدها في خِطابات سماحة السيّد مقتدى الصّدر - أعزّه الله – الأخيرة ، يدفع الشُعوب والحكومات لإعادة النظر في مواقفهم تجاه خط الأعتدال، ويُشجعهم على الإنفتاح على أفكار الآخرين وأستيعابهم تحت عنوان الوطنيّة ، العَنوان الشامل للجميع ، مِما قد يُغيّر قناعاتهم، ويستقطبهم إلى جانبه وإلى صف رأيه .

وفي رسالتهِ لشِيّعة مَصر الأخيرة ، نستنتج ما يلي :

أولاً : إن الحديث عن الظاهرة الشيعية هو حديث لا يحمل أي معنى سياسي يرتكز على أساس دراسة الواقع في معطياته، ومعرفة واقع الشيعة في تطلعاتهم، إننا عندما ندرس الخطاب الشيعي سياسياً في العراق أو في الخليج أو في لبنان أو في مصر أو أي موقع في العالم، حتى في إيران فإن الشيعة لم يكُن لهم مشروع سياسي خاص منفصل عن المواطنين الذين يعيشون معهم، سواء كانوا من المسلمين السنة أو كانوا من المسلمين الإباضيين أو الصوفيين أو كانوا من غير المسلمين أصلاً .

ثانياً : إن المَشروع الشيعي في المَواقع الإسلامية وغير الإسلامية كمشروع أية فئة مُضطهدة ، فهذه الرسالة تُريد أن تقول أعطونا حقوقنا السياسية كمواطنين في هذا الوطن لنتساوى مع الآخرين في حقوق المواطنة، بحيث يكون لنا حقوقنا ونتحمل واجباتنا .

ثالثاً : إن إيجاد الشكوك أو توجيه الإتهامات للحركة الشيعية هُنا وهناك ربما تكون خلفياتها هو أنهم لا يُريدون للشيعة أن يكون لهم دور سياسي فاعل إلى جانب الأدوار الأخرى في عَملية الإصلاح والتغيير ، مع أن مصر هي عنوان عام لكل القوميات والأقليّات والتوجّهات ، وما الربيع العربي الزاخر لها إلاّ شاهدٍ على وحدة صفهم ، وأسقاط الأنظمة الفاسدة التي كانت تحكمهم ..
ولذلك فإن سماحته يوجّه خطابه للجميع لإخواننا المسلمين من أهل السنة - غير المُتشدّدين – وللشيعة أيضاً - غير المُتعصبيّن – يُريد أن يقول لهم في هذه الرسالة : أن عليكم أن تُحاوروا الشخصيات الإسلامية الشيعية - السنُيّة ، التي تأخذ بأسباب السياسة وأن عليكم دراسة الخطاب الإسلامي الشيعي – السُنيّ ، من خلال القيادات السياسية وأن تستخرجوا الرواسب السَلبية التي تعيش في داخلكم لتعرفوا أن كل هذا اللغو والضوضاء ليست واقعية كما وأن الظاهرة الشيعية ليست ظاهرة تسيء للإسَلام والمُسلمين ، فدعى سماحته إلى الحوار والتفاهم والتبادل في أرسال الوفود إلى الأزهر والنجف .

 رابعاً : إن هذه الرسالة تبعث في البداية من موقع المسؤولية الشرعية كل المحبّة ، محبة العقل ومحبة القلب ومحبة الحَركة لكل الأخوة في مصر الحبيبة بكل طوائفها وقوميّاتها وحتى حكوماتها ، مصر التي عاش الإسلام فيها بمختلف أساليبه ووسائله ، والذي كان الملجأ لكل الذين أضطهدوا من المسلمين الشيعة وأحفاد أهل البيت (ع) ، رسالة تبعث بالحُبّ والثبات على خط الإسلام الأصيل ، وعلى الوعي بمنهج أهل البيت (ع) وإبعاده عن كل ما يتحرك به البعض من الخرافة والتخلف والبُعد عن الأصالة التي تقدّم هذا المنهج وأئمته وقادته بطريقة حضارية .
خامساً : إن هذه الرسالة الإسلامية الإنسانية تريد القول لجميع المسلمين ، كونوا في موقع الأصالة الثقافية والعملية ، حاولوا أن تكونوا واقعيين في عملكم الإسلامي ، و الواقعية ليست الإستسلام للأمر الواقع ، ولكن تغيير الواقع بأدوات الواقع ، لا تفكروا تجريدياً ، ولا تتحركوا عشوائياً ، لكن خططّوا قبل العمل ، هكذا يُريد سماحته أن يوصل خطابه للآخرين ، بأن لا يحكمنا العقل المُتشدد الذي يخدم الثالوث المشؤوم..

سادساً : إن هذه الرسالة تُريد القول لشيعة مصر : كونوا مواطنين صالحين ، ولا تأخذوا بأسباب الإرهاب أياً كانت ، وأتركوا ما يُثار حولكم من رأي عام او موقف عام ، حتى لو أستلزم ذلك الترك لبعض الشعائر الديّنية ، فإننا نستنكر ونحرّم ونرفض ونشَجب ما يحدث عليكم من إقصاء وتهميش ومحاربة  ، لأنه كل ذلك يُمثّل الجريمة بكلِّ معناها ، ولا يمثلّ أي عنوان إسلامي ، بل إنه كغيره من التفجيرات التي نشاهدها في العراق وغيره وهي أساءه إلى الإسلام والمسلمين ..

سابعاً : الرسالة تُريد القول ، عليكم أن تأخذوا بخط الاعتدال وترك كل من يخالفه ، ولا يعني بالاعتدال أن ينطلق الإنسان في خطط الآخرين ، ولكن الإعتدال هو الوسطية ، أي يُريد القول أنه عليكم أن تفهموا الإسلام فهماً واقعياً وأصيلاً ومنفتحاً على الآخر ، لأن الله يُريدنا أن ندعو إلى سبيله بالحكمة والموعظة الحسنة ، وأن ندخل في حوار مع الآخرين بالتي هي أحسن ، وأن نعمل على أساس أكتشاف مواضع اللقاء بيننا وبين الآخرين ، وأن نقول الكلمة بالتي هي أحسن ، وأن ندفع المشكلة بالتي هي أحسن ، وأن نعمل على الأخذ بالأساليب التي تحوّل أعداءنا إلى أصدقاء ، لنكون أصدقاء العالم ، وليَعرف العالم أن الإسلام صديق الشعوب وليس عدوها ، إنه ينفتح عليهم ليربطهم بالله في كل تطلعاتهم وروحياتهم ، وليربطهم بالإنسان كله في تكامل الإنسان مع الإنسان ، وليعترف بتنوع الشعوب وتنوع القبائل ، وأن هذا التنوع لا يؤدي إلى حقد وتقاتل ، بل يؤدي إلى التعارف .

ثامناً : الرسالة تُريد القوّل بأنه علينا أن نرتفع إلى المُستوى الحضاري الإسلامي في الفكر والعاطفة والحياة ، حتى يعرف الناس الإسلام من خلال دعوتنا بالكلمة ، ومن خلال سُلوكنا على أساس القدوة ، من أن الشيعة في كل بقاع الأرض هي تمثل السلم ، فلم تُمارس الأرهاب في سلوكها ، ولا التفخيخ ، ولا التفجير ، ولا شق العصا ، ولا حز الرقاب ، كما أن مصر طابعها العام هو الأعتدال المحمّدي الأصيل ، فعليهم أن لا يزيلوا هذا الطابع ، ويفتح المجال للمُتشدّدين في تغيير جوّها العام .

فالسّلام على مصر وشعبها بسُنّته وشيعته ومسيحييه وصوفيّته وأقليّاته .

أسامة العتابي 

الأحد، 1 نوفمبر 2015


صوم وصلاة المجاهد

قراءة فقهية


روي عن أمير المؤمنين  ( عليه السّلام ) قائلاُ : إِنَّ الْجِهَادَ بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ فَتَحَه اللَّه لِخَاصَّةِ أَوْلِيَائِه وسَوَّغَهُمْ كَرَامَةً مِنْه لَهُمْ ونِعْمَةٌ ذَخَرَهَا  والْجِهَادُ هُوَ لِبَاسُ التَّقْوَى ودِرْعُ اللَّه الْحَصِينَةُ وجُنَّتُه الْوَثِيقَةُ .
ومن هذا المنطلق الإيماني في الجهاد لابد أن يكون المجاهد على قدر المسؤولية الدينية في ممارسة الأفعال والأقوال والتصرفات التي تصاحبه ، لإن الجهاد في سبيل الله ليس مجرد اندفاعة إلى القتال، إنما هو قمة تقوم على قاعدة من الإيمان المتمثل في مشاعر وشعائر وأخلاق وأعمال، والمؤمنون الذين عقد الله معهم البيعة، والذين تتمثل فيهم حقيقة الإيمان ليسوا آلات لا تعقل أو تفهم، بل هم قوم تتمثل فيهم صفات إيمانية أصيلة، فهم الذين ذكرتهم الآية الشريفة {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنْ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمْ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} .
فهم {الْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ} وتنفيذها في النفس وفي الناس ، ومن أهم تلك الحدود هي الصلاة والصيام ، فإن المجاهد بلا صومٍ ولا صلاة ، لاقيمة لجهاده ولاقيمة لسلاحه ولاقيمة لتقدمه وإنتصاره ، وهنا لابد أن نضع بين أيدي المجاهديين المؤمنين صورة مختصرة لحكم الصلاة والصوم التي لابد منها في ساحات القتال .
ويختلف حكم المجاهد المسافر بالنسبة لقصر الصلاة وتمامها بإختلاف نيَّته ـ بالمعنى الفقهي ـ كما يجري ذلك على الصيام، فإي موضوع يتم فيه الصلاة يصح فيه الصوم وأي موضعٍ يقصر فيه الصلاة لايصح فيه الصوم ويكون ذلك على صورتين:

الصورة الأولى: إذا التحق المجاهد إلى جبهات القتال بنيَّة وعنوان الوظيفة والعمل، يعني امتهن هذا العمل وصار جزءاً من المنظومة القتالية للبلد، كالعسكري الذي ينتمي إلى الوحدات العسكرية، ويتقاضى راتباً لقاء عمله كعسكري، وكأفراد المجاميع المسلحة ـ غير الحكومية  التي تساند الدولة عسكرياً، إذا امتهنوا هذا العمل، فهذا حكمه حكم الموظف الذي عمله في السفر أو عمله السفر. فيجب عليه التمام في وحدته العسكرية، وفي الطريق ذهاباً وإياباً وكذلك يصح منه الصوم أينما تنقَّل في عمله. وفي الطريق إلى عمله ذهاباً وإياباً ، وإذا كان صائماً وأراد الالتحاق إلى وحدته فلا يجب عليه أن يتأخر بالخروج إلى ما بعد الزوال، بل يجوز له أن يخرج إلى عمله متى شاء.
الصورة الثانية: إذا التحق إلى جبهات القتال لا بنيَّة وعنوان الوظيفة والعمل، بل بعنوان المعايشة والمشاركة في القتال، رغبة في الثواب والأجر فقط، ومن دون النظر إلى المقابل المادي، فهذا حكمه حكم المسافر، فيجب عليه القصر في بلد القتال، وفي الطريق ذهاباً وإياباً ، ولم يصح صومه إلّا إذا نوى الإقامة عشرة أيام فأكثر في مكان واحد وبشكل متتابع كما سوف نبيّن .
وفي هذين الصورتين عدّة مسائل :
1- لو نوى المقاتل المسافر ـ كما في الصورة الثانية ـ الإقامة في بلد القتال عشرة أيام متتالية فأكثر، وجب عليه التمام في بلد القتال، إذا كانت المسافة الشرعية متحققة بين بلده وبلد القتال. ويقصر في الطريق.
2-  لو نوى الإقامة في بلد القتال عشرة أيام متتالية أو أكثر ، كما في المسألة السابقة ـ وصلى تماماً فيه، ثم أُمر بالتحرك إلى مكان آخر خارج بلد الإقامة، انقطعت إقامته، ويحتاج إلى إقامة عشرة أيام جديدة في المكان الجديد، فإن علم أنه سيبقى عشرة أيام فأكثر في المكان الجديد، صلى تماما من أول وصوله. وإن علم بعدم بقاءه عشرة أيام أو شك في البقاء عشرة أيام، وجب عليه القصر،  وأما ما صلاه تماماً في البلد الأول قبل التحرك فصحيح ، وكذل حكم الصيام فلو نوى الإقامة عشرة أيام فأكثر في مكان واحد، وصام، ثم جاء الأمرـ بعد يوم أو يومين أو ثلاثة ـ بالتحرك من هذا المكان، وجب عليه الإفطار وإن بقي على حكم التمام في صلاته مثل شخص التحق بجبهات القتال متطوعاً لنصرة الدين، بعنوان المعايشة والمشاركة المؤقتة، فوصل إلى بلد القتال [ سامراء ] في الليل أو عند الفجر أو قبل الزوال، فنوى الإقامة فيه عشرة أيام فأكثر، وجب عليه أن ينوي الصيام، إذا كان في شهر رمضان، ثم جاء وقت صلاة الظهرين فصلاهما تماماً، وقبل المغرب جاء الأمر بالتحرك من سامراء إلى مكان آخر خارج المسافة الشرعية كمنطقة بلد، فحينئذ يجب عليه الإفطار في ذلك اليوم، وأما صلاة العشاء فيصليها تماماً مادام لم يخرج من سامراء.
3- إذا وصل المجاهد  المسافر إلى بلد القتال، وعلم أو اطمئن أنه سيبقى فيه عشرة أيام متتالية أو أكثر ، فينوي الإقامة ، فيتم في صلاته ويصوم .
4- لو نوى الإقامة عشرة أيام في مكان واحد بشكل متتابع، ثم انقضت الأيام العشرة وأراد البقاء عدة أيام أخرى في نفس المكان، فلا يحتاج إلى نية إقامة جديدة، بل يبقى على التمام إلى أن يخرج من ذلك المكان.
5- لو تمكن المجاهد [ في الصورتين الأساسيتين ]  من الصيام مع الاشتغال بالقتال فلا كلام، وإن لم يتمكن، كما لو كان القتال مجهداً مع الصيام، ولا يتمكن المجاهد الصائم من ممارسة القتال بشكل فعال، فحينئذ يجوز له الإفطار والاشتغال بالقتال، والقضاء في وقت لاحق..
6-  أن الكلام الذي قلناه في المسأئل المتقدمة يسري على رجال الدين من المبلغين وغيرهم، فإن كانوا من أبناء الصورة الأولى فحكمهم التمام والصيام. وإن كانوا من أبناء الصورة الثانية فحكمهم القصر والإفطار، ما لم يقيموا في مكان واحد عشرة أيام فأكثر ونفس الحكم يسري على باقي الأصناف من المتواجدين في جبهات القتال، كالطباخين والأطباء ومساعديهم والصحفيين والسواق وناقلي البريد وغيرهم. فمن كان من أبناء الصورة الأولى أتم وصام، ومن كان من أبناء الصورة الثانية قصر وأفطر، إلّا أن يقيم في مكان واحد عشرة أيام فأكثر .

هذا شي موجز ومختصر نقدّمه لأبطالنا المجاهدين ليكونوا على معرفة واعية بأمور دينيهم وليكونوا مصدّاقاً حقيقياً للمجاهد المؤمن ، والحمد الله ربّ العالمين .