إسلامنا
أرادهُ الغرب أن يكون [ راديكالياً ] أو [ ليبرالياً ]
وأراده الله تعالى أن يُبقيّه [
مُحمّدياً ]
أسامة
العتابي
إن
مسألة تطويع النصّ المُقدّس ليكون منهجاً فكرياً أو سياسياً لم يكن وليد الوقت الحاضر
؛ فقد أبدع السياسيون المسلمون الأوائل والمتطرفون الإسلاميون كُلّهم في توظيفه وإستخدامه
، وقد كان عبد الله بن عمر أحد الذين فطنوا لهذا الخلط الفاحش الذي أعتمده الخوارج
في تكفيرهم وقتالهم للمسلمين الآخرين بوساطة توظيف النصّ المُقدّس ، ولذلك ورد قائلاً : " أنطلقوا إلى آيات نزلت في الكفار فجعلوها
في المسلمين " .
نعم
إن هذا المنهج الإقصائي عاد على الإسلام بضررٍ كبير ، وأقلّ ما فيه أنّه شوّه صورته
وحوّله إلى هيكل يبحث عن أسمٍ يترجم معناه ؛ فالعالم يعيش اليّوم متغيرات أنتجت تحدّيات
وصراعات ضارية ، امتدت في جميع صور الحياة : الإقتصادية ، والسياسية ، والإجتماعية
، والفكرية ، والثقافية ، وقسّمت العالم إلى قسّمين قسمٌ يُحاول بسط هيّمنته وقوّته
وثقافته على الآخرين ، تحت شعار عالمية الثقافة ، وكينونة الأفكار .
والآخر
ينظر إلى القسم الأول إما بعين الإعجاب والإنبهار او بعين الخوف أو العداء والرفض ؛
وتَسبّب ذلك بظهور مفاهيم ومصطلحات ، وتعريفات ، وتسميات جديدة للإسلام ، منها : إسلام
راديكالي ، وليبرالي ، وفاشي ، وإستبدادي ، وهمجي ، وإسلام بلا خوف ، وإسلام فوبيا
، وإسلام مدني ديمقراطي ، وغيرها من التسميات ، وكلّ واحدة منها لها دوافعها الخاصّة
، وهنا أنقل نص لـ ( دانيال بايبس ) في حوارٍ له مع عمدة لندن ، حيث يقول : "
والأمثلة الضخمة للهمجية الأيديولوجية هي الفاشية واللينينية الماركسية اللّتين في
مساريهما التأريخيّين قامتا بقتل العشرات من ملايين الناس ؛ لكننا اليّوم نرى الثالثة
، الحركة الشمولية الأستبدادية الهجمية الثالثة ، المتمثلة بالإسلام الراديكالي المتطرّف
، وهو نسخة أو صورة طوباوية متطرفة من الإسلام " (1)
وهُنا
لا أُريد التكلّم على الإسلام كدين ، إنما على قراءة عادية وحديثة جداً للإسلام ، أوقعَتْ
بؤساً ، حيث تساءَلَ قائلاً : " إن السؤال العظيم في عصرنا هذا هو كيف نمنع هذه
الحركة الشبيهة بالفاشية والشيوعية ، من أن تصبح أكثر قوّة ؟ " (2)
ولم
يكن هذا الشعور العدواني هو وليد المصادفة ، فقد وضع نظرياته الأولى ( صموئيل هنتنتغتن
) و ( فرانسيس فوكوياما ) و ( برنارد لويس ) ، وغيرهم ، إذ يرى ( هنتغتون ) في كتابه
( صدام الحضارات ) ( أن المشكلة لا تتعلق فقط بالإسلاميين الأصوليين وإنما بالإسلام
نفسه .
كما
أن فوكوياما يُحدّد لنا المشكلة في تصادم الإسلام مع مبدأ العلمانية الذي تحتم فرضة
السيطرة العالمية للنظام الرأسمالي ؛ وذلك لتفريغ المجتمعات من القيّم الخاصة بها ،
وهو الأمر الذي يتطلبه هذا النظام ؛ لتصبح قيم السوق النفعية هي القيم الوحيدة الحاكمة
، فالعلمانية في فحواها الأخير هي الإقتصار على العقل البشري وخبراته في تصوّر حقائق
الوجود وتصريف شوؤن الحياة ، وهو الأمر الذي يعني التصادم الحتمي مع الإسلام .
بينما
يرى ( لويس ) أن الإسلام الليبرالي هو الإسلام المنفتح للتوافق مع كل المفاهيم والقيم
الغربية ، أي الإسلام المتوافق مع العلمانية والديمقراطية والعلاقات التحرّرية بين
الرجل والمرأة ، وقواعد حقوق الإنسان الغربية ، والمصالح الأمريكية النفعية ، وهو الذي
يمكن أن يتوافق مع كلّ شي في الوجود إلاّ مع حقائق الإسلام نفسه .
هذا
ما أكدّه العالم الأمريكي ( ليونارد بياندر ) في كتابه [ الليبرالية الإسلامية ] الذي
صدر عام 1988 م ، حيث أعلن فيه بأن غير تيار الليبرالية الإسلامية ، فإن الليبرالية
السياسية لن تنجح في الشرق الأوسط "
ومن
هنا يرى ( دانيال ) بإن الإسلام الراديكالي يجب أن يُقاتل ويجب ان يُهْزَم مثلما حدثت
هزيمة التهديدات الألمانية والتهديدات السوفيتيى في عام 1945 م و 1991 م . (3)
ومن
هنا جاء هدفهم الكبير بأن يكون في حالتنا هذه ظهور إسلام حديث ومعاصر ، معتدل ، ديمقراطي
، إنساني ليبرالي ، وودّي يؤمن بحسن الجوار
، إسلامُ يحترم النساء ، وأصحاب الجنسية المثلية ، والمُلحدين ، وغيرهم ، إسلامٌ يؤمن
لغير المسلمين بنفس حقوق المسلمين .
ولهذا
جاء التقسيم الرباعي للإتجاهات الأساسية في العالم الإسلامي : ( الأصوليون - والتقليديون
- والعلمانيون - والحداثيون )
الأصوليون
: تقليديين ( هو الوهابية في السعودية ) وراديكاليين متطرفين ( تمثلهم الجهات والجماعات
الجهادية ) العلمانيون
: ( هم الذين يعتقدون بإن الدين ينبغي أن يكون مسألة خاصة منفصلة عن السياسة والدولة
) .
الحداثيون
: ( هم الذين يسعون إلى إدخال تنقيات هائلة
في الفهم التقليدي للإسلام ) . (4)
ولأن
الحداثويين يؤمنون بتاريخية الإسلام ، التي تعني ان الإسلام الذي كان يمارس في عصر
الرسالة لا يعكس حقائق ثابته ، وأن ذلك يتعلق بالظروف التاريخية التي كانت ملائمة
لذلك العصر ، ولكنها لم تعد صالحة اليّوم ؛ فقد عوّل عليهم الغرب في صنع الإسلام
الليبرالي والقضاء على الإسلام الراديكالي كما روّج لهذا المشروع الكاتب والباحث المصري الدكتور نصر حامد أبو زيد
في كتاباته عن تاريخية القرآن .
وكان
هذا المخطط يتمحور في عدّة أمور منها :
نشر أعمالهم وتوزيعها في شرح الإسلام وطرحه بتكلفة مدعمة ، تشجيعهم على الكتابة
للجماهير والشباب ، وتقديم آرائهم في مناهج التربية الإسلامية المدرسية ، وإعطائهم
مناصب شعبية للتواصل مع الجماهير ، جعل آراءهم وأحكامهم التأويلية للقضايا الدينية
الكبرى متاحة للجماهير على مستوى الفضائيات والإنترنت ، ووضع العلمانية والحداثة على
أنهما خِيارٌ مضادٌ لثقافة الشباب الإسلامي التي يجب وصمها بثقافة العنف .
وكذلك
تيسير الوعي بالتاريخ والثقافة قبل عهود الإسلام في وسائل الإعلام ومناهج الدراسة
، تنمية المنظمّات المدنية المستقلة لتدعيم الثقافة المدنية ، وكذلك من السذاجة
الأعتقاد بأن هذا المخطط يقتنع بقدرة
الحداثويين على إيجاد بديل للفكر الإسلامي الحقيقي متمثلاً في الإسلام الليبرالي
كما يسعى إلى نشره في العراق المُسمّى السيد بأحمد القبانجي .
وكل
هذا هو خلق خلخلة تسمح للفكر العلماني البراجماتي الإمريكي بالنفاذ
إلى الجماهير ، وهذا هو جزء من ثقافة تغيير المفاهيم ، وما التكفير إلا إحدى تلك
المفاهيم التي وضعوها نصب أعينهم ، لأنها برأيهم تعيق قيام الدولة الحرّة ، فمن
خلال تقدّمه السريع وجد العالم الغربي نفسه أمام مشكلة كبيرة تتمثل بزخم المفاهيم
القديمة الذي لا تتماشى مع التقدّم ، فأصبح أمام خيارين : إما أن يتوقف عن النمو
ويبقى يرواح في مكانه ، وإما يهمل الموروث وجميع مفاهيمه ، بما يبدو وكأنه قطعية
مع الماضي ، ثم وجدوا أن المقترح الأول مرفوض ، والآخر يحذف كثيراً من القيم التي
يؤمنون بها ، بما فيها القيم الدينية ، وكلاهما يدل على الهزيمة ، فأستنبطوا
أسلوباً ثالثاً مبنياً على فكرة إعادة تعريف المفاهيم والأشياء ، بمعنى العمل على
وضع فهم جديد لها وتقنية ، وإعادة تفسيرهما .
فعندما
يصفون الإسلام بالراديكالية فإنهم يريدون أن يقرنونه بالتطرف ، ليصلوا إلى نتيجة
مفادها إن جوهر الإسلام هو التحجّر ، وهو
التمسك الكامل بالموروث عن السلف ، دون النظر إلى قانون التقادم ، وتأثير مسيرة
التاريخ على الحياة ، إنه يقوم على عقيدة صراح الحضارات ، أنه يقسّم العالم إلى
معسكرين : أخلاقي ولا أخلاقي ، خير وشر ، وهذا ما أقتبسه الإسلاميين المتطرفين
الذين اتخذوا من بريطانيا قاعدةٍ لهم .
-------------------------------------------------------------------------------------------------------------
2- المصدر نفسه .
3- المصدر نفسه .
4-
هذا التقسيم ذكر في تقرير بعنوان "الاسلام المدني الديموقراطي: الشركاء والموارد
والاستراتيجيات" (تصنيف مقترح للتيارات الإسلامية ، وهو دراسة أمريكية عن
التيارات الإسلامية الحديثة والمعاصرة ، وهو تقرير إستراتيجي مقدم من معهد راند للدراسات
والأبحاث الإستراتيجية بقلم: الباحثة شيريل
بينارد العاملة في قسم الامن القومي صدر عام ٢٠٠٣ . ينظر الرابط التالي / http://www.almoslim.net/node/85956