محمّدٌ
(ص) طَبِيـبٌ دوَّارٌ بطِبّــهِ .
ورد
عن أمير المُؤمنين (عليه السَّلام) في وصَف النبي (صلّى الله عليه و آله) وهو (ع) من
يعرفه حقّ معرفته ، قائلاً :-
"
طَبِيبٌ دوَّارٌ بطِبّهِ، قد أَحكمَ مَراهِمَه، و أحمَى مَواسِمَه ، يَضعُ ذلك حيثُ
الحَاجة إلَيه من قلوبٍ عُمي و آذانٍ صُمٍّ و ألسِنةٍ بُكْمٍ ، مُتتبِّعٌ بِدَوائِهِ
مَواضِعَ الغفلةِ و مَواطِنَ الحَيرةِ " نهج البلاغة ج 1، ص 207
يصوّر
لنا أمير المؤمنين (ع) في هَذا المقطع من خطبته ، كيف كان رسول اللّه (ص) يتحرّك في
المُجتمع ، وما هو دوره أزاء مُشكلات المجتمع ، هل يَجمد في بيته ، أم لا بد أن يُثبّت
دوره في السَاحة ، هل يجلس في بيته بَحيث ينتظر الناس ليأتوا إليه، كما يفَعل الكثيرون
اليّوم من الّذين لا يَعتبرون أنفسهم مَسؤولين عن التحرّك مع النّاس ومُعايشة هُمومهم
ومشكلاتهم وحَوائجهم ، بل يبَقون في بيوتهم ليقَصدهم النَّاس، فإذا سألوُهم أجــابوا
، وإذا لم يَسألوهم، رأوا أنفسهم في حلٍّ من ذلك ، وهم من أمّة محمد (ص) .
فأنظروا
إلى أمَير المؤمنين (ع)، كيف يعَطي لنا وصَفاً دقيقاً ، لحركة ومسيرة ووعي النبي محمّد
(ص) داخل المجتمع ، حينما يقول هو ( طَبيبٌ دوّار بطبّه ) ، أي لا يجَلس في العيادة
في انتظار مَرضاه كما هو المُعتاد والمعروف عن الأطباء ، بل عِندما ينتشر الوباء، فإنّ
الأطبّاء يمَسكون مفــارق الطّرق، كــلٌّ يقف في مفرق طريق لمداواة القادمين والخارجين،
حتى يمنعوا من تفشّيه، ولكنّ رسول اللّه(ص) الذي هو طبيب العقول والقلوب، لا طبيب الأبدان،
إنظروا كيف يصوّر الإمام(ع) المسألة: ( طبيبٌ دوّار بطبّه، قد أحكم مراهمه ) لجَرحى
العقول والقلوب، وجَرحى الأخلاق والآداب، وجَرحى القيم والمثل، وجرحى الجهل والتخلّف،
فالمَرهم يُوضع على الجراح ليدملها ، ثم يقول ( وأحمى مَواسمه ) ، والمواسم هنا جمع
ميسم، وهو المَكواة، باعتبار أنَّ آخر الدّواء الكيّ، فقد لا ينفع المَرهم الّذي يمثِّل
الدّواء، فلا يكون أمام الطّبيب سوى الكيّ، ( يضع من ذلك حيث الحاجة إليه ) ، يضع المرهم
لعلاج مرضٍ هنا، ويكوي مرضاً هناك ، وهو في مسيرته الإصلاحية ، (من قلــوبٍ عميٍ )،
يُعالجها حتَّى تنفتح وتعي واقعها، ( وآذان صمّ )، يُعالجها حتى تستمع بعد وقر، ( وألسنةٍ
بكم ) ، يُداويها حتى تنطق بعد بكم، فهو (متتبّع بدَوائه مواضع الغفلة ومواطن الحيرة
)، أي أنه يتحرك مع الناس الغافلين الذين لم يَنفتحوا على أفق الوعي ، بل كانوا في
ظلمة الغفلة يتقلّبون، ليعيدهم إلى وعيهم ورشدهم، فهو (ص) كما الطّبيب الّذي يتتبّع
مواقع المرض الموجودة هنا وهناك، ويحاول أن يدرس كلَّ مظاهره، وكلّ أوضاع المَرضى.
فكم
نحن اليّوم بحاجة ماسّة وضروريّة إلى ذلك الطبيب الذي يعالج أمراضنا ومشاكلنا وهمومنا
، وكم نحن بحاجةٍ ماسّة في الرجوع إلى منهج ذلك الطَبيب لكي نولد مع مولدهِ ، ونعي
رسالته ، فمُحمّدٌ (ص) ذلك الإنسان الآلهي ، والأعَجوبة الخارقة ، أستطاع أن يخلّص
أمة ذليلةً دمويةً ، من مخالب شياطين العادات الذميمة ، وفتح على وجوههم طريق الرُّقي
والتقدّم ، لإن رسَالته تنسجم مع العقل والحكمة ، وهذا هو سبب إنتشارها في العالم اليّوم
، وكُره الآخرون إتجاهها ، فحرياً بنا ونحن في رحاب الولادة الطاهرة أن نُعيد قراءتنا
لسيرة الحبيب الخاتم محمد (ص) لكي نستطيع أن نعالج أمراضنا وهمومنا ومشاكلنا ، لكي
نُعيد إلى خيرَ أمَّةٍ أخرجَت للنَّاس نأمُر بالمَعرُوفِ وَننهَى عن المُنكرِ .
أسامة
العتابي .







