مَشروعنا
الجَديد .
الصَّدر
الشهيَّد رسالةُ سلامٍ – معرفية وفكرية -
بما إننا نُعيش في أجواء التكفير والإقصاء والعُنف
والقتل والدمار الّذي حلّ بمجتمعاتنا العربية والإسلاميّة ، أقدّم بين أيديكم مشروعي
الجديد الذي تم إنجازه بَعد مُراجعته وتدقيقه من قبل بعض الأخوّة المختصّين ،
ليكون رسالة سلام ، تنطلق من المنجز المعرفي لشهيدنا الصدر – رض - .
وإنطلاقاً
من خطورة ظاهرة التكفير وآثارها الهدّامة على الدّين والحياة والإنسان ، يأتي دور العلماء
والواعين والمثقفين في الوقوف لهذه الظاهرة كعنوان لظاهرة التطّرف وأزمة في الإعتدال
، ويمكنني أن أقف هنا في بيان خطورة هذه الظاهرة ومعالجتها من الناحية الشرعية و الإيديولوجية
، من عرض محاولات لفهمها ، وفهم ظروف نشأتها وبيئتها المنتجة والحاضنة ، والكشف عن
مخاطرها وآثارها الهدّامة ، ونقد بعض مقولاتها وتطبيقاتها من قبل التكفيريين ، وتسييل
علاجات ناجعة تحول دون تفشّيها وإنتشارها ؛ مع إستعراض بعض الوقفات الفقهية والمعرفية
التي طرحها سماحة شهيدنا الصّدر في منجزه المعرفي والفكري وخاصة في كتابه الفقهي القيّم
[ ماوراء الفقه ] وبعض كتاباته المعرفية ، في بحثه بشأن [ الكافر ] وتقسيماته الفقهية
التي تناولها الفقهاء في أبحاثهم الإستدلاليه ، والمنطلق الشرعي لتلك التقسيمات ، وكيف
حاول الشهيد الصدر نقد تلك الأراء ؟ وبلورة
هذه الفكرة ضمن أيديولوجية فكرية إسلامية مُعيّنة
قد أشرنا إليها في طيّات هذا البحث ، الموسوم بـ [ أدلجة التكفير ( قراءة تحليلية في
مفهومي [ الكفر والشرك ] ودلالاتها الفكريّة والشرعية ، مع الرؤية الفقهيّة لسَماحة
السيَّد الشهيَّد محمّد محمّد صادق الصدر ] بإعتبار أن الأدلجة هي القيام بضخ مجموعة
من القيم والمفاهيم والأفكار والرؤى المرتبطة بأيديولوجية معينة بعدة صور وأشكال ،
بإتجاه شخص أو مجموعة بغية جعل هذا الفرد أو المُجموعة ممن يؤمن بهذه الأيديولوجية
مما ينتج في النهاية عن القيام بأعمال مرتبطة بهذه الأيديولوجية ، وظاهرة التكفير التي
نعاصرها خيرُ شاهدٌ ودليل على ذلك ...
وعليه فإن البحث الذي طرحه الشهيد
الصّدر ، وقمنا ببيانية وشرحه وتوضحيه يعطي
لنا نتائج عدّة :
1- أن هذا البحث يشير إلى ان أغلب الأديان والمذاهب ، ليست بالضرورة أن
تكون مخلّه عقلياً أو لها امراض نفسية أدّت إلى إنكار الضروريات ، بل قد يكون هناك
نقص ثقافي وتخلّف عملي إدّى إلى ذلك ، وهذا يعني ان موقف السيد محمد الصدر من أنواع
الشرك لابد أن يواجهه بالجهاد الفكري وليس الجهاد المسلح ، كما في فتاوى التكفير والحركات
التكفيرية المعاصرة . نعم الكفر الإجتماعي والشرك السياسي لهما كلام آخر يتناسب مع
الظروف وأستناب الثورة المُسلحة التي تكون بدايتها الهداية وخاتمتها العمران ، وليس
بدايتها الفوضى ونهايتها الدكتاتورية والفساد .
2- إن هذا البحث لا يدور كما هي الأبحاث الأخرى حول الموقف الشرعي من الفرق
الضالة ، كونهم قد حادوا عن جادّة الفطرة التي هي من الضرورات ، فأنكروها ، بينما مدرسة
الصدر لاتقرّ بذلك كما قد بيّن السيد محمد باقر الصدر : بإن مفردة [ لا ] الواردة في الآية الكريمة
: " فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ
النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ " ، ليس هي ( لا ) الناهية ، حتى يجري محاسبة الفرق
والمذاهب بهذه الطريقة الوراثية من لدن الفقه التقليدي ، بل هي لا النافيه ، أي إن
الدين جزء من ماهية الإنسان لا يستطيع أحد سلبه منه او تغيير تصميم الإنسان ، فيكون
غير محتاج إلى الدين . وكون الدين فطرياً هو أحد مداخل البحث العقائدي حيث إننا قبل
أن نعرض أدلة برهان النّظم وأدلة برهان الإمكان وبرهان الحدوث ، نتحدث عن ضرورة ، لكن
لكون البحث العقائدي بُنيّ على أساس تجريدي في النظر ، وعلى أساس تكتلي في العمل ،
تم أخذ الجانب السلبي من مفهوم الفطرة ، فلم نسأل كم مقداراً من التوحيد في هذه الفرق
وهذه الأديان ؟ بل نسأل مقلوباً : كم المقدار من الشرّك فيها ؟ مع أن هذا السؤال ينطبق
علينا نحن أيضاً ؟ فكل منا متورط في منازل عديدة من الشرك الصريح مثل ( الزراعة والشفاء
) والخفي ، مثل ( الرياء والنفاق ) والتملّق لأصحاب المناصب وأرباب العمل ؟ وهذا ما
تنبّه عليه السيد محمد الصدر في بحثه هذا .
3- هناك ثغرة تشترك في جميع بحوث الفقهاء ، وهي أنهم على الأغلب يحكمون
دائماً بكفر هذه الفرقة ونجاستها أو بإسلام تلك الفرق وطهارتها ، لكون الأولى مُنكرة
لضرورة من ضروريات الدين ، أو مُثبته لها ، مع أن المُنكر والمُثبت هم علماء ومفكريّ
تلك الفرق والمذاهب والأديان ، وليس عامتهم وجمهورهم المُنتسب إليهم ، فهم ليس لديهم
على الأغلب إطلاع على آراء النخبة العلمية ، وبالتالي فكيف يتم تجريم العامّة وتنجسيهم
على أمور لم يسمعوا بها ، وإن سمعوا بها لم يفهومها ؟! أليس المسلمون هم أنفسهم أختلفوا
ولا لايزالون يختلفون في تحديد هذه ( الضرورات ) التي هي إلى الآن الأكثر تنظيراً وإستدلالاً
، فكيف يتم تجريد غير المسلمين بها والمسلمون لم يتفقوا عليها إلى اليوم ؟! ، وهذا
ما لو تأملنا في نصوص السيد محمد الصدر لوجدنا أنه يناقش أفكار علماء الأمة ويحكم عليهم
فقط ولايُعمم الحكم على كافة أبناء الفرقة .
ولهذا نجد ان السيد محمد الصدر قد ألغى
ذلك الاحتراب الداخلي حول مسألة الأمامة ، ويجعل المسألة فقط في التصدّي لمن يحوّل
الدين إلى عقدة في الكراهيه كما لدى النواصب ، وإن كان ليس كل ناصبي يجب مواجهته بشدّة
، فهناك الإنسان البسيط الذي عاش في محيط كاره للحق ، وكاره لأهل البيت ( عليهم السلام
) وهم المستضعفين ، ومنهم المُشتبه والواقع في ظلمات الإعلام والتعليم المُضلّل ، وهو
المغرّر بهم .
فالتكفير والتنجيس لا يحلاّن المشكلة
، وإنما بالسعي لتطوير القنوات الإعلاميّة المتخصّصة في نشر علوم ومعارف أهل البيت
( عليهم السلام ) ، وذلك على يد أهل العلم والخبرة ، بعيداً عن المستأكلين بقضايا الدين ، والمُستربحين
بجلابيب التقوى والعبادة ، والمستأنسين بالتخلّف
بحجّة الأكتفاء بروايات وكتب هذا المذهب أو ذاك ، فالله سُبحانه لم يتخذ من الجهلاء
أولياء ، ولا من المُتاجرين بأسمه مُخلّصين .
4- أن بحث السيد محمد الصدر رغم أهميّته القصوى ، وأنه ذو أثر معرفي كبير
، إلاّ أنه يبقى في دائرة البحوث الفقهيّة المتعارفة في الجانب الحوزوي ، لإنه ( رضوان
الله عليه ) أراد هنا مناقشة بعض الآراء الفقهية التقليدية ، وتقديم خطوة إلى الأمام
للبحث عن هذه الفرق وعن نظرياتهم وعن أفكارهم وعن معتقداتهم ، فكإنما يُريد تقديم صياغة
معاصرة في كيفية تناول مثل هذا الموضوع الحسّاس ، وكيف يمكننا بلورة الأفكار وعرض النتائج
بشكل منهجي سليم ، ومع هذا التطور الفكري والمعرفي ، فإن أغلب تراث تلك الفرق والمذاهب
متوفر حالياً ، بل وأغلبهم هم شركاء لنا في البقعة الجغرافية ، وليسوا هم شُعوباً تعيش
في ما وراء البحار ، ولهذا فإن هذا البحث يُعتبر خطوة أمامية لإعادة صياغة بحث التوحيد
والكفر والشرك ، بما يتناسب كون الإسلام دعوة عالمية ، وكونه دعوة عقلانية ، تدعوا
إلى الحِوار وطرح البديل ، ولا يُمكن لأيّ حِوار أن يتم وهنالك موقف مُسبق في الحكم
بتكفير الآخر ونجاسته مهانته .
لإن التعاطي مع مسألة التوحيد والكفر
والشرك خطيرة جداً ، فمن دون حلها لايُمكن الأرتقاء إلى تسوية قضية المجتمع المدني
والوحدة الوطنية ، ولايُمكن حل مشكلة التعدّدية ولا الأقليّات ، فإذا كانت قضية التوحيد
والشرك لدى القدماء ، هي أعمق قضية ذهنيّة ، فإنها في الهم المُعاصر أعمق إشكاليه سياسية
وإجتماعية وأخلاقيّة .
وفيما
يبدو أنه لا مخرج من هذا المأزق ، الذي أوجده ، على حدّ قول صاحب فصل المقال ، ابن
رشد : " قومٌ يعتقدون أن الله لم يهد أحداً سواهم " إلا بوضع تصوّر صحيح
، وخطّه محكمه ، أستناداً إلى فهم صحيح ( وليس شاذاً ) للدّين ، توجَّهه غايات سامية
، ومقاصد كبرى ، كما هي الرؤية الفقهية التي بدأ ببلورتها وعرضها بشكل مختصر سماحة
السيد الشهيد الصدر ، لتكون منطلقاً فكرياً
في تحقيق الوحدة بين المسلمين ، والتقريب بين مذاهبهم ، وفي مقابل مجابهة شتّى مظاهر
التفرقة والإنقسام ، ومختلف وجوه الغلوّ والتطرّف والتعصّب ، وذلك بالأعتماد على المدخلين
التعليميّ والإعلامي تحديداً ، لما لهما من دور فاعل في التأثير على الذهنيّات وتغيير
العقليّات..
لهذا
فإن التقريب بين المذاهب هو الميدان الحقيقي للجهاد الفكري والعلمي المطلوب ، النازع
للألغام الفكرية التكفيريّة ، التي تقسّم وحدة الأمّة بالتكفير لفريق أو لمذهب ، ويعيد
المسلمين إلى حقيقة الإسلام التي اتفقوا على أن أركانها عبارة عن : الإيمان بالله تعالى
، ورسالة النبي (صلّى الله عليه وآله ) ، ويوم المعاد ، على ما جروا في كتبهم الأعتقادية
والفقهيّة والتي بها تُحقن الدماء كما في بعض الروايات ، والمسلمون في هذه الظروف الحرجة
في أشدّ الحاجة إلى التقارب ورصّ الصفوف ، وتوحيد الكلمة ، ونبذ كلّ دعوات الفرقة و
التكفير ، ورفض مبّرراتها .