محمود البستاني الكائن الميتافيزيقي - العميق -
وتجربته الروحية مــع الحــاج عبدالزهرة الكرعاوي ..

مقالة كُنْتُ قد كَتبْتُ جزءً منها عن شخصيّة الدكتور محمود البستاني من ادباء و شعراء العراقیین المعاصر في خمسينيات وستينيات هذا القرن ، والذي إمتاز بجنبة أخلاقية روحية تربوية بإمتياز ، إلاّ إنني توقّفتُ عن إكمالها منذ فترة لعدم حصولي على مصادر تتكلم عن سَيرته الروحية والأخلاقية أكثر مما قرأته عن سَيرته في المجالات الأخرى ، لحين أن طالعتُ ما كَتبهُ الإستاذ القدير والمفكّر الإسلامي العراقي المُعاصر الدكتور (عبد الجبار الرفاعي) عن رحلته مع هذا الرجل الأستثنائي في مسيرته الروحية والفكرية ، فرغم إشتهاره بحقول المعرفة الأخرى كعلم النفس والإجتماع والتربية والعلوم الإنسانية الحديثة والدراسات القرآنية القديمة والمعاصرة وكذلك كتابته للشعر والأدب ، ومُطالعاته لنصوص الحداثة ومتغيرات الفكر الإسلامي الجديد والتي كتب عنها الكثير ، إلاّ أن سيرته الروحية الأخلاقية المتميّزة لم أجد أحدٍ خاض في غمارها ، رغم أنه كان لا يكفّ عن ذكر شيخه ومُلهمه الروحي والتربوي ، الذي كان مُتيّماً به وهو الحاج عبدالزهرة الكرعاوي ، وسوف أعرض لكم بعض تلك الجوانب التي عرضها لنا الدكتور الرفاعي لمعاصرته القريبه له ، وأجعلها في عشرة فقرات :
الفقرة - 1 -
البستاني؛ مفسّر، أديب، شاعر، ناقد، ناسك، زاهد، متهجّد، ورع، مدمن قيام الليل وصيام النهار. تعرفت عليه في مرحلة مبكرة من حياتي عبر كتاباته في دوريات "النجف" و"الكلمة".. وغيرهما. وتوثقت علاقتي به في حوزة قم، وتواصلت صداقتنا أكثر من ربع قرن. كنت أحرص على حضور مجلسه الأسبوعي ليلة الثلاثاء في بيته. وهو مجلس يقتصر حضورُه على عدد محدود من أصدقائه. عادة ما يفتتحه هو رحمه الله بعرض نصوص روايات أخلاقية؛ من أحاديث النبي "ص" وأهل بيته "ع"، تفوح بعبق مواعظ ووصايا تربوية ومؤشرات معنوية. يطلب من الحضور شرح مضمونها.
الفقرة -2-
البستاني ، غالبا ما كنتُ أجده صائماً، حين أزوره أو يزورني نهاراً، فأدعوه الى الإفطار، ونحتفل معه في منزلنا وقت الإفطار بمناخات روحية عبقة. تلوّنها صلواته وأدعيته وإشراق وجهه أثناء تسبيحاته وأوراده وأذكاره. خاصة أن زوجتي "أم محمد" - لحظة تعدّ له الإفطار – تكللها البهجة والانشراح، وهي تتلمس البركات، وتشعر بالسكينة والطمأنينة، ويملأ السلامُ روحَها، كما حدثتني هي بذلك أكثر من مرة. وكلما غاب عن بيتنا فترة، هي من كان يستحثني على الدوام على تكرار دعواته للإفطار. كل عائلتنا - أنا وهي والأبناء - تتهلل وجوهنا بالبشر، حين يحلّ علينا ضيفاً. نشعر بالغبطة لوجوده في منزلنا، وكأن أرواحنا تتطهر بطهارته، وأنفسنا تتزكى بتزكيته، فهو بالرغم من صمته، إلاّ ان عبادته وأذكاره، وما يبعثه من مناخات معنوية عذبة، كل ذلك يسقي حياتنا الروحية، ويكرس إيماننا، ويثري ذواتنا بمزيد من التدفق والإشراق المعنوي.
الفقرة -3-
البستاني بسيط كالهواء، طري كالماء، دافئ، عفوي، جذاب. ومع أنه كان معلماً أخلاقياً، وقدوة تربوية في الحياة الروحية، لكنه لم يتهكم أو يزدري من لا يتطابق مع رؤيته وطريقة تفكيره. كان يدرك أنه ليس بالضرورة أن يتعطل عقلنا في حضرة معلم الأخلاق، أو يتوقف تفكيرنا في مقام ملهم الروح، ذلك أن مسارات القلب والروح غير مسالك العقل ودروبه. إن هذا الخلط بين المسالك والمسارات المختلفة أفضى بالمتصوفة الى تعطيل عقولهم، وجمود تفكيرهم، والركون الى مشايخهم في كل شأن دنيوي، بل اتخذ بعضهم من شيوخ الطرق الصوفية أوثاناً.
الفقرة -4-
كان البستاني زاهداً بالمال، وبكل متاع الدنيا الذي يهرول إليه معظم الناس، ولم يحرص على طلب الجاه والألقاب؛ مع انه ولد وعاش في بيئة غارقة بالعناوين والألقاب.لم يكن متصوفاً؛ بمعنى تصوف الدراويش الطرقي، ولا التصوف المعرفي الفلسفي، ولم يعبأ بالعرفان النظري.
الفقرة -5-
صمته أكثر من كلامه، إشاراته تسبق عباراته، يتجنب كل كلمة أو عبارة حادة أو خشنة في حديثه. لم أسمع من كلماته أو أرى من إشاراته ما يشي بعنف رمزي مضمر. طالما خضنا نقاشات في الظواهر الطبيعية، والاجتماعية، والثقافية، والاقتصادية، والصحية، والمناخية، والجغرافية، والتاريخية المختلفة.. وغيرها، التي يعللها هو؛ بما هو ميتافيزيقي، وما هو خارج العالم الطبيعي المحسوس، ويشدّد على اختزال كل ذلك ونسبته الى الغيب، والى الله تعالى مباشرة. ورغم ايماني، وعدم تنكري لعالم الغيب. إلاّ أني أسعى دائماً؛ لاستكشاف وتشريح أسباب تلك الظواهر وعللها وبواعثها، وظروفها، وعناصرها ومكوناتها، وبنيتها العميقة، وكل ما هو طبيعي من الأسباب.
الفقرة -6-
البستاني كائن ميتافيزيقي، يعانق الملكوت في بصيرته. يخشع حينما يتحدث عن ملهم تجربته الروحية الحاج عبدالزهرة الكرعاوي، وسطوته العميقة على مريديه، وبراعته في التسامي بأرواحهم الى قمة مدارج السالكين. فقد رأيت عبدالزهرة الكرعاوي للمرة الأولى سنة 1978 عندما كنتُ طالبا في الحوزة العلمية في النجف، في دكانه الملاصق للصحن الشريف للإمام علي بن أبي طالب "ع"، من جهة جامع الطوسي، وعادة ما كنت أشاهد السيد الشهيد محمد الصدر، والشيخ الشهيد غالي الأسدي، وغيرهما، يجلسون على دكة حانوته. أثار ذلك انتباهي؛ فسألت الشيخ غالي الأسدي: ماذا تفعل أنت والسيد محمد الصدر عند هذا الرجل، الذي يبيع الترب والسبح، وكراسات الزيارات والأدعية والأذكار؟ فقال: إنه شيخنا وأستاذنا، ومنبع إلهام أرواحنا، يهبنا ما نفتقر اليه في دراستنا وتدريسنا للفقه والأصول والمعارف الإسلامية، إنه يمتلك خبرات روحية، وتجارب دينية، ومعارف سلوكية مهمة، تلقّاها من خبراء في هذا المجال، وتنامت بمرور الزمن، عبر التذوق والمكاشفات والارتياض والأذكار والتنسك والوجد ، كما نقلها لي الدكتور البستاني بعد ذلك .
الفقرة -7-
محمود البستاني لا يكفّ عن ذكر شيخه وملهمه الروحي، كان متيّماً بالحاج عبدالزهرة، يصرّ على أنه تلقى منه ما لم يحصل عليه من الدراسة الجامعية والمطالعة. ولفرط انغماره بالارتياض الروحي، وذوبانه في العبادات والطقوس، تجاهل بالتدريج ماضيه الأدبي، كشاعر مطبوع، وأديب محترف، وناقد أدبي، واسم متميز في الحداثة الأدبية الستينية في العراق، الى الحد الذي كان لا يحبذ قراءة الشعر، أو استعادة أي شيء يشير الى ذاكرته الشعرية، أو الاهتمام بما أبدعه في الشعر، بل تناسى ما نشره وكتبه من قصائد.
الفقرة -8-
بصمة بيانه المكثّف تطبع على الحقول كافة التي كتب فيها ، ففي تفسيره وغيره ترتسم النصوص بلغة غنية، غزيرة، مضيئة، حين تقرأُها كأنك تلتقي بأطياف قصيدة نثر، أو شذرات المتصوفة الكبار، كالنفري، والحلاج، وابن عربي. حتى آخر حياته؛كان لا يزهد بمطالعة النصوص الإبداعية الأدبية، والإنتاج الفكري الجديد، فقد كان يستعير مني ما يجده من مطبوعات ودوريات جديدة، ويطالعها عاجلا. مع انه ابتعد كثيراً عن الشعر والأدب في الربع الأخير من حياته، وكان لا يستسيغ استماع الشعر أو إنشاده.لم يتوقف محمود البستاني عند اتخاذ قرار بطلاق الشعر، بل انه تبنى موقفاً مناهضاً للشعر .
الفقر -9-
محمود الروح والقلب والسيرة، كان معلماً للأخلاق بصمته، وملهماً للروح بوصاله مع الحق، وزاهداً في كل ما يتهافت عليه الكثير من الناس، وبعض من يزعمون انهم موقعون نيابة عن رب العالمين. ولم يسقط في ما سقط فيه غيره من معارك رخيصة على متاع رخيص، ولم يفتش عن مصفقين يمنحونه ألقاباً كاذبة، أو مهرجين يُقلدونه أوسمة زائفة، مثلما يفعل سواه في ديارنا.
الفقرة -10-
ما أشدّ حاجتنا اليوم الى شخصيات روحية أخلاقية؛ تُكرّس تجربتها الروحية وجودنا، ويثري دعاؤها كينونتنا، ونتسامى معها الى حب الله والانسان والعالم، في مجتمعاتنا التي تختنق بدخان الحرائق، وتضجّ بصخب الدم المسفوح. تعلمت منه شيئاً من؛ حكمة الصمت وصمت الحكمة، والهدوء والسكينة والطمأنينة، والثقة بالله، والاستغناء بالله عن كل ما سواه، والزهد بمتاع الدنيا وبريق بروتوكولاتها ومزاعمها الزائفة، وعدم الحسرة على ما فاتني، والكف عن اللهاث وراء ثرثرة المتملقين المدّاحين، والابتعاد عن النزاع المزمن على الألقاب والعناوين..
إنها عشرة فقرات يرسمها لنا أحد مريدي ومرافقيه الدكتور محمود البستاني ، مما يجعلنا أكثر أرتباطاً بهذه المدرسة العرفانية الروحية التي أخرجت لنا الكثير ممن نفقدهم اليّوم ، وبأمس الحاجة إلى تجاربهم الروحيّة أمثال حبيبنا الشهيد الصّدر وغيره ..
فرحم الله (المُربّي) و(المُريد) ، وحفظ الله (القريب) .
أسامة العتابي