الاثنين، 14 مارس 2016

شكراً مقتدى الصَّدر


شكراً مقتدى الصَّدر ، فقد أعلنت لنا اليّوم، بأنّ الحريّة، هي إرادة وليس شعار..
شكراً مقتدى الصّدر ، فأنك قد قدّمت نفسك قُرباناً للعراق وشعبه، فانياً في حب الوطن ، مُحتملاً كُلّ مجاهيل الزّمن، لتبقى حيّاً في تخوم قلوب كلّ محبّيك .
شكراً مقتدى الصّدر ، فقد علمّتنا اليّوم بأنّ السّكون والسّكوت على هذه الزّمرة السّياسيّة المَيــّـتة والرّثّـــــة، وغير المُنْتِجة، لن يترك أثراً طيّــــباً في ملامح وجه العراق، الذي شوّهته مخالب الجَهالة السّياسيّة .
شكراً مقتدى الصّدر ، فقد كنّت ساعياً لخلاص النّاس من السّاسة الأجلاف وتُجّار الحرب وأحزاب الخراب وسماسرة الأرض .
شكراً مقتدى الصّدر ، فقد أثبت لنا اليوم عمليّاً، بأنّ من لا يجعل نفسه شاخصاً في طريق الخير، لا يحقُّ له الإعتراض على الخراب والشّر، وأنّ السّياسيّ الفاسد، لا يحتاج إلى أكثر من شعبٍ جبان..
لقد صَنعْتَ دُرَّةُ تـاجِ الوطَنْ وصُغتَ أُنشُودَةَ الزَّمن من نُورِ عِمَّتكَ التي تَجلُو بها دَياجِيرَ الفتن والمِحن .
شكراً لك أيّها الوَطني قَرَّ عَيــنًا سَيَسقطُ كلّ فاسد بعون الله تعالى .
أخِيـكَ الصَغير
أسامة العتابي
الأخلاق التطبيقية فـي الفقـه العـــراقيّ 
البيوتيقا عند المُفكَّر مُحمّد صادق الصّدر - قراءة وتقييم -



قراءة من نوع ثاني ، يقدّمها الأخ الحبيب والدكتور العزيز رحيم الساعدي ، للمُنجز المعرفي والفكري للسيّد الشهيّد محمّد الصّدر ، وتُعتبر هذه التجربة مميّزة من ناحية أختيار العنوان والمَضمون ، ومواكبةً للعصر والتجديد ، لإن الإنقطاع عن المعاصرة وثقافة العلوم الجديدة يجعل الدين محشوراً في مقص التجريد والإنحسار ، فهو إما فكر تجريدي لا واقعي طائر في عرفانيات غيّبيه ، وإما حبيس فتاوى ومصطلحات ومفاهيم موروثة عن الشافعي والطوسي وابن سينا وابن عربي وغيرهم ، وفي كلا الحاليين يكون التشريع الفقهيّ القرآني قاصراً عن مخاطبة الناس ، وهذا يعني عدم عالمية التشريع الإسلامي ، بحيث يكون بعيداً عن الواقع فقهاً ورؤية مما يجعله تابعاً لا متبوعاً . 
فالقراءة التي يقّدمها لنا الدكتور الساعدي في منجز الشهيّد الصّدر ، تُعتبر أول قراءة تجديدة معاصرة في تطبيقها على الأفكار المُعاصرة - بحسب تتبعي - بأعتبار أن الدين لدى السيّد محمّد الصدر قائم على أسس جَهادية وحركة فكرية معرفية ذات منهج معيّن يتطلع لقراءة الماضي والإستعداد للمستقبل بوعي الحاضر . ووعي النصّ الديني من خلال الإطلاع على علوم الطبيعة والتثّقف بمناهج علوم الإنسانيّات ، وبهذا يكون هذا الطرح مخالفة لكل تلك القراءات التي قرأت تراث الشهيد الصّدر .
الأخلاق التطبيّقية : عُرفت بإنّها مجموعة من القواعد الاخلاقية العملية التى تسعى لتنظيم الممارسة داخل مختلف ميادين العلم والتكنولوجيا وما يرتبط بها من انشطة اجتماعية واقتصادية ومهنية كما تحاول ان تحلّ المشاكل الاخلاقية التى تطرحها تلك الميادين اعتمادا على مايتم التوصل الية بواسطة التداول والتوافق وعلى المعالجة الاخلاقية للحالات الخاصة والمعقدة او المستعصية ..وتُعرف الآن بـ (البيوتيقا) و هى الدراسة الفلسفية للجدل الاخلاقى الذى اوجده التقدّم الكبير الذى احرزته العلوم البيولوجية والطبية وماترتب عليها من اشكاليات ومسائل اخلاقية لا تتعلق فقط بمجالات علوم الحياة والتكنولوجيات الحديثة فى علم الطب بل ايضا تتعلق بمجالات عديدة اخرى مثل : السياسة والقانون والدين الى جانب الفلسفة . وما افرزتة ( البيوتيقا ) من قضايا متعددة بدءاً باطفال الانابيب ، ووصولا الى وضع الخريطة الجينية للانسان ، ومروراً بالارحام المستاجرة ، والبنوك الحيوية ، والموت الرحيم، وزرع الاعضاء ، والتحكم فى الدماغ البشرى والاستنساخ ..... الخ ، تطرح " إشكاليات أخلاقية " تثير اليوم الكثير من الجدل الفلسفى والقانونى والدينى ( الفقهي ) .كما يؤدى الفكر البيوتيقى الى ترسيخ قيم الديموقراطية والحوار ، والتسامح ، والتضامن ، وحقوق الانسان خلال القرن الواحد والعشرين ، وذلك من خلال مناقشة القضايا ذات البعد الفلسفى والقانون والدينى .
وظفّ الدكتور الساعدي هذا المفهوم على المنجز الفقهي الذيّ قدّمه الشهيد الصّدر ، وأهميته تكمن بالإضافة الى ابتكاراته الافتراضية واستدلاله الفقهي وانه مشتقٌ من القران، يمثل باباً واسعا من تنظيرات الفكر البيواتيقي .وأن كتاب فقه الموضوعات الحديثة بالاضافة الى فقه الفضاء وما وراءالفقه يمثل ما بعد الحداثة الفقهية إذا ما أخذنا بالاعتبار ان مفهوم الأخلاق التطبيقية يمثل ما يمكننا وصفه بـ (فقه الفلسفة) فهو ينحو نحو مناقشة الجزئيات التي لها تماس وتداخل بحياة الأفراد سيما البدني منها .
أستطاع الدكتور الساعدي من خلال ما كتبه ، من ربط الفقه في منظور الشهيّد الصّدر (القانون الديني) بالأخلاق بإعتبار أن التعاليم الفقهية شرّعت لإيجاد النظام العادل على الفرد والمجتمع والعدل هو جزء من الأخلاق لان القضية الرئيسية الكبرى هي إدراك حسن العدل وقبح الظلم، فان كتابه ما وراء الفقه يشترك بموضوعات عديدة منها الفيزياء الفلكية وعلم النفس والاقتصاد والسياسة والاجتماع وكل هذه تلتقي بالتفسير والفقه والنحو ...الخ وهو يشير الى موسوعية مهمة لا تعتمد على القانون والفقه فحسب ..
والنماذج التي أشار إلأيها الدكتور في منجز الشهيد الصّدر كثيرة جداً ، منها :
- الفقه في جوانبه البيولوجية المتشعبة .
- التنظيرات المُهمّة المتعلقة بفقه الفضاء والذي يشكل سابقة في الفقه الحديث وهو مؤلف يتصل بجانب مهم من الأخلاق التطبيقية وهو (البيئة) والمتداخل مع غيره من العلوم ويتحدث عن احتمالات العيش هناك والتعامل مع الأموال والقوانين وفق تغير البيئة والجاذبية والزواج من المخلوقات الفضائية وطرق التكافل الاجتماعي واكل المواد السامة بعد تحويلها والعقوبات للقتل أو القتل الخطأ والتعامل الأمم الأخرى ..
- تتوزع المعرفة في ما وراء الفقه وحقوق الإنسان وفقه المجتمع حتى انه كتب في القانون الإسلامي من زاوية المنهج والأسس .
وكل هذا يعطي الانطباع الهام لريادة هذا الرجل للأخلاق التطبيقية وللفكر البيواتيقي في العراق والعالم الإسلامي بالحديث في فقه الموضوعات الحديثة وللتطبيق الفعلي الواقعي للأخلاق التطبيقية، لا مجرد التنظير (مع عدم مناقشته المصطلح ) .
- كذلك أخلاقيات الطب والأحياء مثلا أو كما يوصف بالبيوإتيقية، تعمل على توظيف وتحليل وتفسير ومقارنة وتأويل وافتراض العديد من الأسئلة المتعلقة بذات الجانب فالجينات الوراثية والقتل الرحيم وأبحاث الخلايا الجذعية وتأجير الأرحام والحيامن والهندسة الوراثية والاستنساخ البشري وغيرها من الأفكار تعد المادة الأساسية في الأخلاق التطبيقية في المجال البيوتيقي، وهكذا يمكن القياس على الجوانب الأخرى في القانون والبيئة والتكنولوجيا والأعلام والاقتصاد وسواه .
وقد طرح لنا الدكتور الساعدي نماذج كثير من الاخلاق التطبيقيّة ( البيوتيقا ) في التراث التجديدي والمعاصر لشهيدنا الصّدر ، نترك القارئ العزيز في معرفتها بالخوض في تلك الجولة الفكرية الرائعة ، في مقالة بعنوان ( الأخلاق التطبيقية فـي الفقـه العـــراقيّ
البيوتيقا عند المُفكَّر مُحمّد صادق الصّدر ) من خلال هذا الرابط .
ومن خلال ذلك يتبيّن لنا ، بإن الإنسان ( الفقيه ) ليس منعزلاً عن الحياة ، اكتفاءً بمفاهيم أخروية ، كما تقول بعض مدارس فهم الدين ، وهو ليس جزءاً تابعاً للواقع كما تقول مدارس الغرب ، بل الدين عند ( الفقيه ) هو نافذة ثقب جدار الطبيعة والتشيؤ لها ، وبدون ذلك يكون الإنسان مجموعة من ردّات الفعل السكيولوجية أو السيوسيولوجية أو الفيزيائية او الكيمائية ، فكان الفقه العراقي المتمثّل بالمفكّر السيّد محمّد الصّدر مصداقاً جليّاً لـ (فقه الفلسفة) الذي ينحو نحو مناقشة الجزئيات التي لها تماس وتداخل بحياة الأفراد سيما البدني منها أيضاً .
فتحيّة إجلال وأحترام للدكتور رحيم الساعدي لهذه الجولة البيوتيقية في عرض بعض منجزات محمّد الصدر في مجال الأخلاق التطبيقيّة .
أسامة العتابي
ثورة العراق .. والصّدر قائدها ..


يا مرسوماً فوق شغَاف قلوبنا... زرعتَ في قلوبنا حبّ الوطن ..
ها هي ثورة العراق .. والصدر قائدها ..
أيّها الوطنــيّ الغيور يا - مقتدى الصّدر -
لقد علّمتنا اليّوم ياسيديّ أن نحبّ كُلّ العراقيين ، وأن نحبّ من نتّفق معهم لنتعاون مَعاً في إصلاح العراق ،ونحبّ من نختلف معهم لنتحاور من أجل العراق ..
لقد علّمتنا اليّوم ياسيديّ أن لا نعطي عقولنا إجازة إلى سياسيَّ العِراق ليُفكّروا - بعقولهم الفاسده - نيابةً عنّا ، بل نفكّر - نحن - بما نشاء من أجل العراق ..
لقد علّمتنا اليّوم يا سيديّ أنّ أيّة قوّةٍ مَهما كانت كبيرة لن تكون أعظم من قوّة الشعب الذي يُطالب بالإصلاح .
لقد علّمتنا اليّوم ياسيديّ أن نفكّر بحجم العراق ، ولا نفكّر بزاويةٍ منه هُنا أو زاوية منه هُناك ، فالعراق للجميع ..
لقد علّمتنا اليّوم ياسيديّ كيف على الثائر أن يَصْمدَ أمام كلّ الشتائم والاتهامات والتهديدات والقيل والقال ، من أجل العِراق فالغاية (الكُبرى) تذوب أمامها الأنفس والمال والذات .
لقد علّمتنا اليّوم ياسيديّ بأن يجب على العراقي أن يكون جَريئاً في قول الحقّ وأن لا تأخذه في الله لومة لائم .
لقد علّمتنا اليّوم ياسيديّ أن نرفع رؤوسنا أمام العالم كلّه ، بإن العراق قادرٌ على أن يقول كلمته مَهما توانت عليه الظروف الداخلية والخارجية .
لقد علّمتنا اليّوم ياسيديّ أن قوّاتنا الأمنيّة هي سور الوطن فيجب الحِفاظ عنها ودعمها وتقويّتها وعَدم التجاوز عنها لإنهم منّا ونحن منهم ..
أحبّبناكَ ياسيّدي لإنّك أحببت العراق ..
يا مرسوماً فوق شغَاف قلوبنا... زرعتَ في قلوبنا حُبّ الوطن ..
يا قلباً سكَنَتْ فيه كلّ القلوب ففاض هذا القلب على مساحات الزمان والمكان إنسانيّةً وحناناً ومحبّةً للعراق والعراقيين... وشوقاً وَوَجْداً واستغراقاً وذوباناً في الوطن .
يا حبيبنا، ياسيّدنا، يا قائدنا، يا نبض مشاعرنا...
يا انتفاضة الروح تسري في كلّ عرق من عُروقنا..
يا حقّاً مكتوباً على جبين الزمن...
يا أملاً مُشعّاً بكلّ الإشراق لكلّ هؤلاء - الثائرين - لإيجاد مكانٍ لهم تحت شمس الحرّية والكرامة في عراقنا الجريح .
يا مشعلاً لن تنطفىء جَذوتُه في قلوب الثائرين .
إلى منبع رؤاك تتطلّع القلوب العطشى للارتواء من نور السماء بكلمة الحق والإصلاح .
اليّوم غسلتَ قلوبنا بنور الوطن ، وقد أزلت عنّا تعبَ الأيام ، وانت تقود هذه الجماهير .
بواباتُ النصّر فتحتَها أمام أعُيننا ياسيّدي..فشكراً لك .
لقد جلجل صوتُك اليّوم فينا: بإن أرض العراق تهتزُّ من تحت أقدامنا فلا نهنْ ولا نحزنْ وَنحنُ الأَعلَونَ إِن شاء الله .
أيُّها السيّد الثائر . سنبقى نُردّد خطابك - نعم نعم للعراق - لا لغيره .
لنا الفخرُ.. كلُّ الفخر أنّنا أدركنا عصر ( ثورتك الإصلاحية ) ، فاليّوم نُجدّد وقفتنا ، للعِراق الجريح لكيّ نَضمد جِراحاته ، أمام (المنطقة الحمراء) التي جرحتهُ وقتلتهُ هذه السنين الُعجاف، اليّوم نقف لا لإجل إسقاطها وتهديدها وتدميرها - كما فهمها العقل الساذج - بل لإجل إصلاحها وتقويمها وإخراج الفاسد منها، فصوت الشعب لم يكن - تهديداً - ليومٍ ما مادام للحق مُطالباً .
دُمت للعراق يا (مقتدى الصّدر) ناصراً ومعيناً .
أخوك الصغير
أسامة العتابي
محمود البستاني الكائن الميتافيزيقي - العميق -
وتجربته الروحية مــع الحــاج عبدالزهرة الكرعاوي ..




مقالة كُنْتُ قد كَتبْتُ جزءً منها عن شخصيّة الدكتور محمود البستاني من ادباء و شعراء العراقیین المعاصر في خمسينيات وستينيات هذا القرن ، والذي إمتاز بجنبة أخلاقية روحية تربوية بإمتياز ، إلاّ إنني توقّفتُ عن إكمالها منذ فترة لعدم حصولي على مصادر تتكلم عن سَيرته الروحية والأخلاقية أكثر مما قرأته عن سَيرته في المجالات الأخرى ، لحين أن طالعتُ ما كَتبهُ الإستاذ القدير والمفكّر الإسلامي العراقي المُعاصر الدكتور (عبد الجبار الرفاعي) عن رحلته مع هذا الرجل الأستثنائي في مسيرته الروحية والفكرية ، فرغم إشتهاره بحقول المعرفة الأخرى كعلم النفس والإجتماع والتربية والعلوم الإنسانية الحديثة والدراسات القرآنية القديمة والمعاصرة وكذلك كتابته للشعر والأدب ، ومُطالعاته لنصوص الحداثة ومتغيرات الفكر الإسلامي الجديد والتي كتب عنها الكثير ، إلاّ أن سيرته الروحية الأخلاقية المتميّزة لم أجد أحدٍ خاض في غمارها ، رغم أنه كان لا يكفّ عن ذكر شيخه ومُلهمه الروحي والتربوي ، الذي كان مُتيّماً به وهو الحاج عبدالزهرة الكرعاوي ، وسوف أعرض لكم بعض تلك الجوانب التي عرضها لنا الدكتور الرفاعي لمعاصرته القريبه له ، وأجعلها في عشرة فقرات :
الفقرة - 1 -
البستاني؛ مفسّر، أديب، شاعر، ناقد، ناسك، زاهد، متهجّد، ورع، مدمن قيام الليل وصيام النهار. تعرفت عليه في مرحلة مبكرة من حياتي عبر كتاباته في دوريات "النجف" و"الكلمة".. وغيرهما. وتوثقت علاقتي به في حوزة قم، وتواصلت صداقتنا أكثر من ربع قرن. كنت أحرص على حضور مجلسه الأسبوعي ليلة الثلاثاء في بيته. وهو مجلس يقتصر حضورُه على عدد محدود من أصدقائه. عادة ما يفتتحه هو رحمه الله بعرض نصوص روايات أخلاقية؛ من أحاديث النبي "ص" وأهل بيته "ع"، تفوح بعبق مواعظ ووصايا تربوية ومؤشرات معنوية. يطلب من الحضور شرح مضمونها.
الفقرة -2-
البستاني ، غالبا ما كنتُ أجده صائماً، حين أزوره أو يزورني نهاراً، فأدعوه الى الإفطار، ونحتفل معه في منزلنا وقت الإفطار بمناخات روحية عبقة. تلوّنها صلواته وأدعيته وإشراق وجهه أثناء تسبيحاته وأوراده وأذكاره. خاصة أن زوجتي "أم محمد" - لحظة تعدّ له الإفطار – تكللها البهجة والانشراح، وهي تتلمس البركات، وتشعر بالسكينة والطمأنينة، ويملأ السلامُ روحَها، كما حدثتني هي بذلك أكثر من مرة. وكلما غاب عن بيتنا فترة، هي من كان يستحثني على الدوام على تكرار دعواته للإفطار. كل عائلتنا - أنا وهي والأبناء - تتهلل وجوهنا بالبشر، حين يحلّ علينا ضيفاً. نشعر بالغبطة لوجوده في منزلنا، وكأن أرواحنا تتطهر بطهارته، وأنفسنا تتزكى بتزكيته، فهو بالرغم من صمته، إلاّ ان عبادته وأذكاره، وما يبعثه من مناخات معنوية عذبة، كل ذلك يسقي حياتنا الروحية، ويكرس إيماننا، ويثري ذواتنا بمزيد من التدفق والإشراق المعنوي.
الفقرة -3-
البستاني بسيط كالهواء، طري كالماء، دافئ، عفوي، جذاب. ومع أنه كان معلماً أخلاقياً، وقدوة تربوية في الحياة الروحية، لكنه لم يتهكم أو يزدري من لا يتطابق مع رؤيته وطريقة تفكيره. كان يدرك أنه ليس بالضرورة أن يتعطل عقلنا في حضرة معلم الأخلاق، أو يتوقف تفكيرنا في مقام ملهم الروح، ذلك أن مسارات القلب والروح غير مسالك العقل ودروبه. إن هذا الخلط بين المسالك والمسارات المختلفة أفضى بالمتصوفة الى تعطيل عقولهم، وجمود تفكيرهم، والركون الى مشايخهم في كل شأن دنيوي، بل اتخذ بعضهم من شيوخ الطرق الصوفية أوثاناً.
الفقرة -4-
كان البستاني زاهداً بالمال، وبكل متاع الدنيا الذي يهرول إليه معظم الناس، ولم يحرص على طلب الجاه والألقاب؛ مع انه ولد وعاش في بيئة غارقة بالعناوين والألقاب.لم يكن متصوفاً؛ بمعنى تصوف الدراويش الطرقي، ولا التصوف المعرفي الفلسفي، ولم يعبأ بالعرفان النظري.
الفقرة -5-
صمته أكثر من كلامه، إشاراته تسبق عباراته، يتجنب كل كلمة أو عبارة حادة أو خشنة في حديثه. لم أسمع من كلماته أو أرى من إشاراته ما يشي بعنف رمزي مضمر. طالما خضنا نقاشات في الظواهر الطبيعية، والاجتماعية، والثقافية، والاقتصادية، والصحية، والمناخية، والجغرافية، والتاريخية المختلفة.. وغيرها، التي يعللها هو؛ بما هو ميتافيزيقي، وما هو خارج العالم الطبيعي المحسوس، ويشدّد على اختزال كل ذلك ونسبته الى الغيب، والى الله تعالى مباشرة. ورغم ايماني، وعدم تنكري لعالم الغيب. إلاّ أني أسعى دائماً؛ لاستكشاف وتشريح أسباب تلك الظواهر وعللها وبواعثها، وظروفها، وعناصرها ومكوناتها، وبنيتها العميقة، وكل ما هو طبيعي من الأسباب.
الفقرة -6-
البستاني كائن ميتافيزيقي، يعانق الملكوت في بصيرته. يخشع حينما يتحدث عن ملهم تجربته الروحية الحاج عبدالزهرة الكرعاوي، وسطوته العميقة على مريديه، وبراعته في التسامي بأرواحهم الى قمة مدارج السالكين. فقد رأيت عبدالزهرة الكرعاوي للمرة الأولى سنة 1978 عندما كنتُ طالبا في الحوزة العلمية في النجف، في دكانه الملاصق للصحن الشريف للإمام علي بن أبي طالب "ع"، من جهة جامع الطوسي، وعادة ما كنت أشاهد السيد الشهيد محمد الصدر، والشيخ الشهيد غالي الأسدي، وغيرهما، يجلسون على دكة حانوته. أثار ذلك انتباهي؛ فسألت الشيخ غالي الأسدي: ماذا تفعل أنت والسيد محمد الصدر عند هذا الرجل، الذي يبيع الترب والسبح، وكراسات الزيارات والأدعية والأذكار؟ فقال: إنه شيخنا وأستاذنا، ومنبع إلهام أرواحنا، يهبنا ما نفتقر اليه في دراستنا وتدريسنا للفقه والأصول والمعارف الإسلامية، إنه يمتلك خبرات روحية، وتجارب دينية، ومعارف سلوكية مهمة، تلقّاها من خبراء في هذا المجال، وتنامت بمرور الزمن، عبر التذوق والمكاشفات والارتياض والأذكار والتنسك والوجد ، كما نقلها لي الدكتور البستاني بعد ذلك .
الفقرة -7-
محمود البستاني لا يكفّ عن ذكر شيخه وملهمه الروحي، كان متيّماً بالحاج عبدالزهرة، يصرّ على أنه تلقى منه ما لم يحصل عليه من الدراسة الجامعية والمطالعة. ولفرط انغماره بالارتياض الروحي، وذوبانه في العبادات والطقوس، تجاهل بالتدريج ماضيه الأدبي، كشاعر مطبوع، وأديب محترف، وناقد أدبي، واسم متميز في الحداثة الأدبية الستينية في العراق، الى الحد الذي كان لا يحبذ قراءة الشعر، أو استعادة أي شيء يشير الى ذاكرته الشعرية، أو الاهتمام بما أبدعه في الشعر، بل تناسى ما نشره وكتبه من قصائد.
الفقرة -8-
بصمة بيانه المكثّف تطبع على الحقول كافة التي كتب فيها ، ففي تفسيره وغيره ترتسم النصوص بلغة غنية، غزيرة، مضيئة، حين تقرأُها كأنك تلتقي بأطياف قصيدة نثر، أو شذرات المتصوفة الكبار، كالنفري، والحلاج، وابن عربي. حتى آخر حياته؛كان لا يزهد بمطالعة النصوص الإبداعية الأدبية، والإنتاج الفكري الجديد، فقد كان يستعير مني ما يجده من مطبوعات ودوريات جديدة، ويطالعها عاجلا. مع انه ابتعد كثيراً عن الشعر والأدب في الربع الأخير من حياته، وكان لا يستسيغ استماع الشعر أو إنشاده.لم يتوقف محمود البستاني عند اتخاذ قرار بطلاق الشعر، بل انه تبنى موقفاً مناهضاً للشعر .
الفقر -9-
محمود الروح والقلب والسيرة، كان معلماً للأخلاق بصمته، وملهماً للروح بوصاله مع الحق، وزاهداً في كل ما يتهافت عليه الكثير من الناس، وبعض من يزعمون انهم موقعون نيابة عن رب العالمين. ولم يسقط في ما سقط فيه غيره من معارك رخيصة على متاع رخيص، ولم يفتش عن مصفقين يمنحونه ألقاباً كاذبة، أو مهرجين يُقلدونه أوسمة زائفة، مثلما يفعل سواه في ديارنا.
الفقرة -10-
ما أشدّ حاجتنا اليوم الى شخصيات روحية أخلاقية؛ تُكرّس تجربتها الروحية وجودنا، ويثري دعاؤها كينونتنا، ونتسامى معها الى حب الله والانسان والعالم، في مجتمعاتنا التي تختنق بدخان الحرائق، وتضجّ بصخب الدم المسفوح. تعلمت منه شيئاً من؛ حكمة الصمت وصمت الحكمة، والهدوء والسكينة والطمأنينة، والثقة بالله، والاستغناء بالله عن كل ما سواه، والزهد بمتاع الدنيا وبريق بروتوكولاتها ومزاعمها الزائفة، وعدم الحسرة على ما فاتني، والكف عن اللهاث وراء ثرثرة المتملقين المدّاحين، والابتعاد عن النزاع المزمن على الألقاب والعناوين..
إنها عشرة فقرات يرسمها لنا أحد مريدي ومرافقيه الدكتور محمود البستاني ، مما يجعلنا أكثر أرتباطاً بهذه المدرسة العرفانية الروحية التي أخرجت لنا الكثير ممن نفقدهم اليّوم ، وبأمس الحاجة إلى تجاربهم الروحيّة أمثال حبيبنا الشهيد الصّدر وغيره ..
فرحم الله (المُربّي) و(المُريد) ، وحفظ الله (القريب) .
أسامة العتابي
ما هو مشروع مقتدى الصَّدر (الإصلاحي) ؟ 



من المُستحيل أن يقدّم لنا شخص مشروعه الإصلاحي ويُريد منّا أن نُشاركه في إنْجَاحه وتطويره ، ما لم نَعي ونَعرِف - أولاً - على ماذا يبتني هذا المشروع ؟ .
والجواب في جملة واحدة ولها تفاصيلها : مشروع مقتدى الصّدر هو المُقاومة من أجل الحق وهذه المقاومة هي نوعٌ من أنواع التكافل العام ضدّ شكل أو مَجموعة أشكال من الإستبداد والقهر والفساد والإفساد ، وهي ليست شيئاً وراء إرادة الشعب والجماهير في بناء الدولة على أساس العدل ..
وتتكون محاور تلك المُقاومة على ما يلي :

1- من أساسيات هذه المقاومة هي (الأمة) وقد ولّى السّيّد مقتدى الصّدر أهتمامه الكبير بمسألة الجماهير ؛ كشرط أساسي في نجاح مشروعه ، لإنها ضرورة من ضرورات توفير النصر في أي معركة ومقاومةٍ كانت ؛ بإعتبار أن حركة الأمة كلها شرط أساسي لإنجاح أي تنمية وأي مَعركة شاملة ضد الفساد والمفسدين ، لأن حركتها هو تعبير عن نموها ونمو إرادتها وإنطلاق مواهبها الداخلية ، وحيث لا تنمو الأمة لا يمكن أن تمارس عملية التنمية والتغيير والإصلاح ، وهذا ما أعتمد عليه المشروع الإصلاحي (الصّدري) .

2- أن هذه المُقاومة تعني عدم السكوت على الراهن الفاسد أو الدفاع عن الدولة (المَبْنيّة على الطائفية والمُحاصصة والتوافقية ) ،كما أنها ليست هي حركة ومقاومة ضد الدولة بما هي دولة ، ولا هدماً للقانون بما هو فكرة ونظرية ، إنما مقاومة من أجل (الواقع الحكومي الفاسد) أي أستهداف ( الدولة التطبيقية ) لا ( الدولة النظرية ) ، أي من طبّق القانون بشكله الفاسد هو من سَيُسْتَهدف في هذه المقاومة وليس القانون والدولة . وهذا فرقٌ كبير بين المقاومة والتخريب ، لإن المشروع الإصلاحي (الصدري) مبنيٌ على النقد والمحاسبة لا على التدمير والخراب ..

3- تنصّ هذه المقاومة على المطالبة بشمولية (القانون العادل) للجميع وليس بجعل الدستور مخصّص (طائفياً) أو (قومياً) أو (مناطقياً) أو (حزبياً) . وهذه المطالبة هي حق من حقوق حياة الأمة لإجل أن تعيش لا أن تموت .

4- إن هذه المُقاومة مرتبطة بالضعفاء والفقراء من هذا الوطن الجريح ، وليس لها أي أرتباط بتجّار الأموال الفاسدة وزعماء الحكومة البائسة ؛ لإنها مقاومة مرتبطة بحقوق الإنسان العراقي ، والمُطالبة بحقوق المشاركة في الحياة والوطن ، وليس بإقامة تمايزات مذهبية وقومية ، أومطالبة بمخصّصات منفعية ذاتية ، أو مناصب أو واردات او عطايا أو امتيازات ، فليست المقاومة هنا من أجل الترقية ، إنما هي المُطالبة بأن يقول الجميع (كلا) وأن يرفض الجميع ويحتجّ الجميع ويتظاهر ويعتصم الجميع من أجل أن يعيش في وطن سَرقه (الفاسدون) و (المارقون ) و(الناكثون) فالمقاومة (الصدرية) هنا لا تطرح نفسها بأنها الولي والوكيل على المجتمع ، بخلاف الأحزاب والتيّارات والحركات والمنظّمات الأخرى في العراق ، إنما هي مشروع إصلاحي للعراق .

5- إن هذه المقاومة حملت (لا) الرفض التي نطق بها الجميع (السُني) (الشيعي) (الكُردي) (المسيحي) (اليزيدي)(الصابئي) (العلِماني) (الليبرالي) (الشيوعي) (المدني) وكل طوائف وقوميات وأديان وأفكار وإتجاهات هذا الوطن الجريح ، لإنها (لا) باقر الصّدر التي نطقها ضد النظام العفلقي الظالم ، وأنها (لا) صادق الصّدر التي خرجت من جدران الكوفة لتُنير بها دروب الثائرين ، واليوم (لا) مقتدى الصّدر التي اعتمدت على الفقراء والمستضعفين والمهمّشين كقاعدة لحركته الإصلاحية ، فـ(لا) الصّدرية خرجت من الحزبية والفئوية ، ورفضت التنازل عن المبدأ لصالح منفعة أو تأمين شخصي على حياته . فكانت (لا) الصدرية رفضاُ جماهيرياً يتردّد صداه الجماعي بصخب في كل محافظات الوطن وبكل تنوّعاته العقائدية والقومية .ومن هنا كان (مشروع الصدر الإصلاحي) قد نزع سواد المصالح الحزبية والشخصيّة والفئوية ، وأرتدى بياض الضمير حيث الدفاع عن الوطن والناس والحياة هو أقدس المقدّسات الوطنية وأول الواجبات الدينية .

6- لم تكن هذه المقاومة ضد مشروع الدولة وضد حريات الأفراد والمجتمع ، إنما كانت ضد الفساد الحكومي ، ضد التمييز الطائفي ، ضد انتهاك ثروة البلد ، ضد سيادة خطاب الدجل والتزوير بإسم الدين والمذهب والوطن ، ضد سياسة التهميش والإقصاء والتغييب للنخب المثقفة المختصّة الواعية . إنها مقاومة إنهيار المجتمع العراقي ، وتدهور القيم فيه حيث العنجهية والتكبّر والرشاوى والحيل التي سادت على العقل الحكومي العراقي بدلاً من العدل والإحسان والتواضع والمهنية . لهذا كانت مقاومة مشروع الصدر الإصلاحي هي نقد وتقييم وتقويم وإصلاح ، وليس هدم أو خراب .

7- إن هذه المقاومة حملت أيديولوجية خاصّة بالعراقيين ، تُمكّنهم من صُنع مفهوم وطني للمقاومة ، وتحشيد خلاياها وسواعدها لإنقاذ الأرض والإنسان من هذه الأحزاب القديمة المتعفنة التي أخذت عفنها ينتقل إلى الجسد العراقي . بلا فرق بينهم ( كلهم شلع ) . حيث بات العراقي اليّوم ضائعاً في أرضه ، غريباً بين اهله ، مطارداً في وطنه ، لا يوجد لقمة عيش يشبع فيها أو شربة ماء يرتوي إليها . بسبب أسماء تربّعت على الكرسي من دون عمل وإنما مكتفية بالإدعاء ، تسلّطت على الرقاب على حين غرة ، لا يردعها رادع من الأرض ، تحتكر خيرات العراق ، وتُسفك بسببها الدماء .فكانت هذه المقاومة هي الأمل للعراقيين .

8 - إن هذه المقاومة تستطيع تجديد الدماء في العراق بعد أن تتخلّص من الدم الفاسد الذي انهكه وأتعبه ، وأن تصنع وسطية عراقية بامتياز ، مستفيدة من الجامع المشترك ، الذي هو اليّوم متمثّل بطموح الجماهير بأن تتغير كل هذه الوجوه مرة واحدة ، وأن يتم فتح صفحة جديدة خالية من كل هذه الشخابيط السوداء المخزية ، والحمراء الباهضة ؛ صفحة جديدة تكون السياسة فيها مرتبطة بقيم الضمير ، والمؤسسات ملزمة بأخلاق الإنسانية وضوابط العمل ، تاركين فوضى صِراعات المَصالح والمتزعمين ، هاجرين ظلمة الفساد والجشع الأسطوري الذي بات مُتحكماً في كل مفاصل الحياة العراقية .

9- لقد آن الآوان لجعل ( مشروع الصدر الإصلاحي ) هو مقاومة لإحياء فكري تثقيفي يُعيد الروح والأمل ، ويصنع الطموح في شرائح الشباب المؤمن بالعقل والحرية والنقد ، المتمسّك بشجاعة الأعتراف بالخطأ وإعادة تجديد المسيرة على درب الإصلاح وتفعيل المقاومة على أساس الحق : (حق بناء الإنسان) و(حق المشاركة في بناء الوطن) ، لتكون الجماهير هي القائدة في بناء الوطن وإعادة الروح العراقية .

10 - إن هذه المقاومة هي منظومة فكرية متكاملة لم يكن ( التيّار الصّدري) زعيمها ، بقدر ماهو جزء من الجماهير يشارك في بناء الوطن ، ولم يفكّر بأن يركب موجهة التغيير من أجل السلطة ، فليس مقاومتة حيلة للكسب المادي والحكومي إنما هو جزء من طريق طويل لكي يكون الإنسان العراقي إنساناً ، فالمقاومة التي حملها مشروع الصدر الإصلاحي ليست (إنغلاقاً) إنما هي عنصر منفتح بسعة مساحة الحياة ، لإن المقاومة شجاعة ، ولا شجاعة بدون الأعتراف بالمشاركة والإنتصار ، فليست هي أنكفاءً على جهة التيّار فقط بل هي تعبير عن حقوق الشعب والأمة ، وهي شكل من أشكال العطاء .

هذا هو معنى الإنتصار التي تَحْمَلة تلك (المقاومة) وهذا ما يُريد منا السيّد مقتدى الصدر (اعزه الله) في مشروعه الإصلاحي هذت الذي خطّه بالحِبر والدم وسيبقى حيّاً مدوياً صخباً في ضمير الجماهير ، وهذا النوع من المقاومة هي منتصرة (دوماً) لإنها قائمة على أساس الحق (كمبدأ وضمير) وعلى القاعدة الجماهيرية الصالحة والواعية ، وعلى القيادة النبيهة المضحيّة والكفوءة القادرة على تحمّل المسؤولية ؛ لإن المقاومةِ هي عملٌ وليست ألفاظ ، وهي ما تُجسّده (الآن) خطوات سماحة السيَّد القائد مقتدى الصّدر (دامت توفيقاته) .

أسامة العتابي
14 / 3 / 2016 م
4 /ج2/ 1437 هـ

الخميس، 3 مارس 2016

إلى عُشاق الفلسفة والعرفان النظري
الصَّدر الشهيد في وقفتــه الجريئـــة - رسالة خاصّة -

إن المعلومات التي نُوردها في هذا المنشور ذات رؤية خاصّة ومقيّدة لمن تعمّق بدراسة الفلسفة والعرفان النظري ، فأعتذر جداً في البداية لبقيّة الأخوة المُشاركين معنا في إستعمال بعض المُصطلحات التي قد لاتُفهم إلاّ بعد مراجعة أهل الأختصاص ، ولهذا يكون منشوري بمثابة رسالة معرفية فكريّة لإهل الفنّ والدراسة والبحث والتحقيق في هذا المجال ، لبيان بعض وقفات السيَّد محمد الصَّدر في منجزه المعرفي .
هُناك وقفة وملاحظة جريئة طَرحها السيّد محمّد الصدر في كتابه البداء ، في نقده لمسألة الكشف والشهود ، وكون الطريقة الأشراقية للمعرفة تنتج الصحة دائماً ، وهو ما أعتمد عليه السيّد الطباطبائي في مَنجزه المعرفي كلياً ، بل يكاد يكون ذلك هو أحد ثوابت المدار العرفاني كله ، إلاّ ان السيّد محمّد الصدر هنا يلج ملحوظة في غاية الأهمية ، ولها نتائج خطيرة في البنيّة المعَرفية للتجربة العرفانية النظرية ولا مجال للبحث عنها في هذا المختصر ، إلاّ أنه يكفي أن نشير إلى نفس ملحوظة السيّد محمّد الصّدر ، تلك الملحوظة التي لو أخذت بنظر الأعتبار وسُلّط الضوء عليها لتهدّ البناء التحتي لكتاب السيّد حيدر الآملي المعروف ب [ نقد النقود ] ، في محاولته لطرح صيغة جديدة لبرهان الصّديقين في الوجود ، والتأمل في هذا النص أيضاً نجد أن هذه الملاحظة التي طرحها الشهيد الصّدر تفكّك المقولة النسقية في قسمة العلم إلى علم حضوري مضاد للخطأ ، وعلم حصولي يلتقي معه ، وهو التقسيم الذي ذكره صدر المتألهين الشيرازي وكرّره بعد كل من سار على طريقته وفكرته المعرفية .
الملاحظة هي : يقول السيّد محمّد الصّدر : ( إن هذه الدرجة من الموجودات ، مهما تكن عالية ومستحقة للسيطرة الشاملة في حدود صلاحياتها ، إلّا أنها مع ذلك تتصف بالنقصان والحدّ ، بالنسبة إلى ماهو أعلى منها من الموجودات ، فقد تسيّطر عليها قوة الوهم أو قوة الشهوة ، كما يعبر بعضهم ، فينطبع فيها نتيجة لذلك معنى معين يشابه في وضعه سائر المعاني التي تكون مسؤولة عن توزيعها في العالم . وبمقدار ما يستطيع العقل البشري الأتصال بتلك الموجودات العليا ، فإنه سيأخذ منها الأوامر والمفاهيم المنطبعة فيها ، فقد يكون من ذلك ما حصل فيها من قوة الوهم أو الشهوة ، مع العلم أن هذا الموجود الأدنى لا يلتفت إلى ذلك ويتخيله إنطباعاً حقانياً كسائر ما يردها من المصادر العليا ، وعندئذ لم يبق أمامنا إلّا هذه الفكرة ، من حيث إن الفكرة الحقّة التي تؤخذ من النفوس العليا ستأخذ طريقها للتنفيذ ، في حين أن الفكرة الوهمية سوف لن توجد في الخارج .. فإن العقل البشري ، في طور تكامله ، يصل لا محالة إلى درجة من التجرّد الروحي ، بحيث يكون مناسباً مع الأتصال بالنفوس الملكوتيه ، ويكون من نتائج هذا الأتصال معرفة ما تحتوي عليه من الحقائق والأوامر ، قد يعجز العقل البشري في طور معين من التكامل ، عن التمييز بين ما كان منطبعاً في تلك النفوس بالإلهام من القوى التي هي أعلى منها وبين ما يكون منطبعاً فيها نتيجة للوهم وغيره ) .
الصدر ، محمد : كلمة في البداء ، إصدارت هيئة تراث السيد الشهيد الصّدر النجف الأشرف ، مطبوعات دار الضياء – العراق النجف ص : 28
أسامة العتابي
هل تعرف ماهو مَنهجك ؟!
الإنسان بلا منهج غير قادر على الخروج من أختبارات التمحيص الإلهي ، بنجاح . ولا يمكن للإنسان أن يكون في معسكر المؤمنين والمخلصين في أيّ دور تاريخي بدون وعي حقيقي بقضيّة المنهج ، وهذا يعني أن قضية العدل ، وقضية الدولة الصالحة ، وقضية المجتمع التقدّمي ، وقضية الإخلاص الإسلامي والتبعية للإمام المهدي كُلها مبتنيّة على حجر أساس هو المنهج ، وبدون ذلك يكون الإنسان غرضاً لتلاعب الجهل، وشهوات النفس ، ومصالح الأعداء ، سواء بطريقة مباشرة أو بطرق ملتويّة تتخذ من لافتات الدين وشعارات المحبّة للقرآن والنبي والأئمة ، دعايات برّاقه تستر نيّاتها الهدّامة ، وفي بيان ضرورة التعرّف على المنهج أنقل لكم نصّ معرفي رصين وقيّم لشهيدنا الصّدر في موسوعته المهدويّه حيث يقول : ( فإنه من المؤسف حقاً و من المحرّم دينياً ، ان يكون المهدي حقيقياً ثم لا يستطيع الفرد التعرّف عليه. أو أن يكون المُدّعي كاذباً ثم لا يستطيع الفرد معرفة كذبه، وإنما ينحرف باتجاهه و ينجرف بتياره. فلا بد أن يكون للفرد محك عقائدي و ميزان تاريخي في التعرف على رفض من يرفض و قبول من يقبل ) موسوعة الإمام مهدي «ع»، ج3، ص: 8 .
وهذا النصّ يوضح لنا بأنه لا معنى لتديّن الإنسان لا يعرف حقيقة الشي من كذبه ، أو يعرف أين حدود القضايا المُدخلة في الدين ، وأين تلك القضايا المُخرجة عنه ؟! فكم تكبّل جسد الحقيقة بأسماء الباطل ، وكم تزيّن جوهر الباطل بأثواب الحق ..
أسامة العتابي
وهل الدين إلا الحب
نحن مع عيد الحب في حبه وليس في ممارسته فالحب حالة نفسية غير اختيارية لا يمكن إنكارها و لايمكن لنا أن نسلبها عن الآخرين في ممارستها فالحب الإنساني الذي يجعل الإنسان يتعاطف مع الإنسان الآخر بالدرجة التي يشعر بالرابطة التي تربطه به في دائرة إنسانيته، كما ربط الرسول الأكرم (ص) الإيمان بمسألة الحب فقال: "لا يؤمن أحدكم حتى يحبّ لأخيه ما يحبّ لنفسه ويكره له ما يكره لها"، ما يجعلنا نستوحي ـ من هذا الحديث ـ أن الإسلام يؤكد على قضية الحب الذي يجعلك تحس بإحساس الآخر كما لو كان إحساسك الذي تشعر به، بحيث يجعل الحب بهذا المستوى مظهراً للإيمان، فلا تكون مؤمناً إذا كانت نظرتك للإنسان الآخر نظرة جامدة لا مبالية ولا تعيش الاهتمام بأموره، لأن المسألة هي مسألة إنسانيه لا يمكن رفضها وعلى الإنسان أن يعيش الحب للإنسان الآخر في المسألة الإنسانية، كما ورد في الحديث عن الإمام جعفر الصادق(ع) وقد سأله بعض الناس عن الحب، فقال: "وهل الدين إلا الحب". فإننا لا نستطيع أن نشرّع أيّ تشريع أولي ضد هذه الحالة بوفق هذه العاطفة، لأن الله لا يكلّف الإنسان بما لا يطيق أو بغير المعقول، إلا أن الإسلام يريد أن يعقّل العاطفة، فيدفع الإنسان إلى أن يركّز عاطفته بطريقة عقلائية، بحيث يفكّر في عمق الأشياء بدلاً من أن يبقى متحركاً على السطح، وهذا ما يحاول الإسلام أن يربي عليه الشاب والفتاة، في ممارسة الحب بينهما ، فالحب هو عاطفة إنسانية تجذبك إلى الإنسان الآخر من خلال صفة جمالية أو فكرية أو عملية أو غيرها. فإن علينا أن نفرّق بين العاطفة التي تتحرك في خط الإثارة وبين العاطفة التي تتحرك في خط الانفتاح على الإنسان الآخر من أجل علاقة طبيعية تقوم على أساس احترام الإنسان الآخر لا فقط ﻹشباع الغرائز النفسية . فتحية لكل المحبين الذين يمارسون الحب بعقلانية، كما أن الحب لا يخصص بيوم أو بمناسبة ما دام كونه وفاءآ وأحترام لمن يحبه والتي يقتضي منها الاستمرار والتأكيد في كل زمان ومكان ولا تخصص بمناسبة لو بيوم..


أسامة العتابي 
هل مات الصّدر في نفوسنا - وقفة نقدية في ذكرى الشهادة -


لكي نستفاد من ذكرى الرحيل ، لابد أن نُحي الذكرى بالنقد والتوجيه ، هل أحْيَيَنا محمّد الصّدر في نفوسنا قبل ان نُحييّه في نفوس الآخرين ؟ هل يمكن أن نغسل صورة محمد الصّدر ، ذلك الرجل الأخلاقي المُعطاء ، مما لُطخ به من أسماء وعناوين وأحوال ونفوس مريضة ، شوّهت صورته تجاه الآخرين ، من خلال سلوكنا وأفكارنا ومعتقداتنا . هل مات محمّد الصّدر في نفوسنا بعدما رحل عنّا جسداً ، وفكره ومنهجه وتراثه لازال ينطق بالحق ويزهو بالرفعة ؟
محمد الصّدر ، هو رجل اللقاءات الكبيرة بين المُفكّر والمَرجع ، بين الأهتمام بالنُخبة والانخراط بمشاكل العوام ، أنه رجل التعدّدية المتنوعة في الفنون والعلوم ، مُطلّع على علوم التراث بعمق ، وعلى الحديثة منها بشكل واسع ، أنه يمتلك ناصية الحديث بطريقة سهلة وباللغة الفصيحة واللهجة العامّيّة ، لديه اهتمام لايكلّ ولايملّ في قضايا الأخلاق ، بأعتبار ان الإخلاص الروحي هو الذي ترتبط به كل المعضلات السياسية والطائفية والتعليمية والإدارية الفردية والجماعية ، جرأته بأن يكون فقهياً أدبياً ، كاتب شعر قديم وحداثوي ، وأن تكون له شخصية غير متشابه مع الآخرين ، بشكل صريح ، ويعتزّ بحرية أختلافه مع الآخرين . كل هذا الأتساع الفكري والمعرفي ، كيف يمكن ربط صورة محمد الصّدر بالتحزبّات وتوثين القيادات التي تتستر بها عصابات السرقة والنهب والأعتداء على الأرض والعِرض في عراقنا الجريح ، ما أحلى أن نُعيد إلى كنف الصّدر الشهيد ، وإلى بَيْته ، وإلى تراثه ، وإلى مَكْتَبه ، وإلى مُنْجَزه ، وإلى جُمْعَته ، وإلى حركته ومَنهجه وكل ما يرتبط به ، لكي نحُييه في نفوسنا من جديد .
علينا ان نُعيد إلى ذات محمّد الصدر، ونتركها تتكلم عن نفسها ، فهو يقدّم قراءته بنفسه ، ونحن علينا أن نسير على نهجه ، لا أن يُقرأ محمد الصّدر بقراءات تختلف عن منهجه بالأعتماد على صبية لا يعرفون حلّ أبسط عبارة في رسالته الفقهية ، وبعضهم لا يعي من الرجل سوى صورة ضبابيّة مُختزلة في بضع خطب جُمعة أُلقيت في زمان ومكان وحادث تاريخي له ظروفه ، أو يتحول إلى أستخدام صنمي يستثمره أناس لا علاقة لهم بالتقوى والدين والإنسان كي يصنعوا أستثمارهم في المناصب والأموال عبر صناعة التحارب بين المؤمنين بآلية المُغالاة والأنغلاق والتعصّب للأسماء ، في حين أن السيّد محمد هو الذي نقد الصنمية ويقول : ولستُ أنا هدفاً بأيّ شكل من الأشكال ، وإلاّ فسأصبح صنماً يدعي الناس أنني أقربهم إلى الله زلفى .
الدرس الفارسيّ بتقريره - العربيّ - 
ظاهرة علمية نادرة في أروقة الحوزة العلميّة .





كتاب البيع ، هو عبارة عن تقريرات لدروس آية الله العظمى السيّد روح الله الموسوي الخميني (قدس سره)، والتي قام بضبطها وتنقيحها آية الله العظمى السيّد الشهيّد محمّد الصدر (قدس سره)، والتي تُعدّ من خيرة ما كُتب في تقرير وتحرير دروس وبحوث السيّد الخميني (قدس سره) من جهة الاستيعاب والشمول. وتعتبر في طليعة الكتب التي دَوّنت مسائل هذا العلم على مستوى عالٍ من الدّقة والرصانة . هذا الكتاب الذي بين أيديكم ؛ يُعتبر ثمرة من تلكم الشجرة الطيّبة المباركة، والذي ويرجع تاريخ كتابة هذه البحوث بأجزائها الإحدى عشر إلى يوم الأحد المصادف 4/ 8/ 1385 هـ. وانتهاءً بيوم الأحد 3/ 11/ 1392 هـ. في عاصمة الإسلام الأصيل مدينة أمير المؤمنين (ع)، حيث كان السيّد يلقيها في أيّام إقامته التي قضاها في النجف الأشرف .
والتقريرات هي تلك الدروس التي يُلقيها الأستاذ ويكتبها التلميذ بفَهمه وعُمق وعَيه ، وقد أشار الشهيّد الصّدر إلى هذه التقريرات في لقاء الحنّانه بقوله : " حينما جاء السيّد الخميني إلى العراق بعد إخراجه من إيران في حينها ، على أيّة حالٍ أعلنوا في الحوزة أنه سوف يبدأ درس المكاسب من كتاب البيّع وليس المكاسب المحرّمة ، أيّ القسم الثاني من المكاسب ، وأنا حضرت عنده ، وكان يدرّس في مسجد التُرك الذي يُسمى بمسجد الشيخ الأنصاري في سوق الحويش - محلّ الشاهد - وأنه كان يتكلّم بالفارسيّة طبعاً ، ولم يتكلم عربي إطلاقاً ، بالرغم من أن بعض مؤلفاته عربيّه ، وهو يعرف العربيّه ويفهم العربيّة ، وحسب فهمي أنه يستطيع أن يدرّس وأن يتكلم بالعربية ولكنه لم ولن يتكلّم !! لماذا ؟ الله العالم .... فكان يدرّس بالفارسية وأنا أكتب خلال الدرس باللغة العربيّة ، وموجودةٌ كتابتي الآن ، وعندي جميع تقريراته من جملة المكاسب وبقيت إلى آخره ، لحين قطع الدرس وذهب إلى فرنسا " .
حيث تُعتبر هذه الظاهرة ، حالة فريدة في تَلْمَذة الطالب الحوزوي على يد من يخالفه في اللغة لإختلاف المعاني من لفظٍ إلى لفظ ، وهذا تأكيدٌ وتركيزٌ على توسّع ثقافة الطالب الحوزوي في معرفة اللغات التي يمكن من خلالها قراءة ثقافة الآخرين وأفكارهم ونظرياتهم .
وهنا يفجّر لنا السيّد محمّد الصّدر حالة نادره في السياق الحوزوي ،فهو يعطي مجالاً فكرياً عميقاً على نسق المؤسسة الدينية في مواكب الآراء والتوجّهات والأفكار التي ينقلها الآخرون في لغاتهم .
ولله الحمّد ، وبجهود الأخوة في هيئة تراث الشهيد الصّدر مع تعاون مؤسسة المنتظر لإحياء تراث آل الصّدر ، قد تم إنجاز هذا التقرير بأحد عشر جزءاً كما هو المقسّم من قبل الشهيد الصّدر - رضوان الله عليه - في مخطوطاته ، والله ولي التوفيق .

أسامة العتابي
يبقى التّيّار الصّدري جَماهيريّ الأصْل .



إن مسألة رجوع التّيّار الصّدري إلى جماهيريتهِ بعد ترك آيديولوجية التحزّب ليست مسألة جديدة ومُعاصرة كما يتصوّرها بعض من كَتَبَ عن المواقف الأخيرة بخصوص تظاهرات جمعة الإصلاح ؛ لإن أصل هذا الخط هو مَبنيٌ على فكرة الجماهيرية ، وما الحزبيّة إلاّ امرٌ عارضٌ عليه وليس شيء ذاتي ، فالحركة الصّدرية هي حركة شعبية جماهيريه ثورية منذ التأسيس ، وعلى يد الشهيد الصّدر تمّ إلغاء النظرية الحزبيّه والأهتمام بعوام الناس وفقراءهم ، فمن المَعَيب لمن يقرأ تاريخ حركةٍ ما أن يَصفها بشيء خارج عن ذاتها وجوهرها ، فالتيّار الصّدري ليس فكراً وافداً ، أو أنه حركة جماهيرية جديدة ولدت بالطَفرة ؟ أو أنها أعادت إلى أصلها ، فمتى تركت الأصل حتى تعود إليه ؟ !!.
نعم نعترف بأن هناك أخطاء في العمل السياسي ، إلاّ أن هذه الأخطاء لم تحوّل التيّار الصّدري إلى حزب وإنْ سَمّاه الحِراك السياسي ( حِزباً ) ، فلا زال التيّار الصّدري ، تيّاراً شعبياً نابع من مدرسةٍ فكرية ومعرفية تجديدة وإصلاحية ، وليس فقط كونه حركة سياسيه كاريزمية عاطفية ، أو أنه تحوّل إلى تجمعات نفعيّة كما بالنسبة لبقيّة الأحزاب ، حيث إنها باتت موارد أرتزاق مالي بالنسبة للمتزعمين ، وبالتالي يتمّ إلغاء ميزة الكفاح الشعبي العام عنها . فلا زال التيّار الصّدري مَعتمداً في جماهيريته على الشرائح الفقيرة والمستضعفة والنُخب المهمّشه ؛ لإنه حالة من الوعي الذاتي الجماهيري ، ينطلقُ من الشعب ذاته ويعود إليه .
فكان ذلك الخط ولازال هو صوت الجماهير وطريق تحقيق كفاحها ، ورغم دخوله العمل السياسي ، إلاّ أنه يبقى مشعلاً ومرتكزاً يعطي الأمل بإمكانيّة تجديد العمل وإعادة الإصلاح وتحقيق الأمل .
رسالة نقديّة لبعض الكتابات الأخيرة .
أسامة العتابي
الأخلاق التطبيقية فـي الفقـه العـــراقيّ 
البيوتيقا عند المُفكَّر مُحمّد صادق الصّدر - قراءة وتقييم -





قراءة من نوع ثاني ، يقدّمها الأخ الحبيب والدكتور العزيز رحيم الساعدي ، للمُنجز المعرفي والفكري للسيّد الشهيّد محمّد الصّدر ، وتُعتبر هذه التجربة مميّزة من ناحية أختيار العنوان والمَضمون ، ومواكبةً للعصر والتجديد ، لإن الإنقطاع عن المعاصرة وثقافة العلوم الجديدة يجعل الدين محشوراً في مقص التجريد والإنحسار ، فهو إما فكر تجريدي لا واقعي طائر في عرفانيات غيّبيه ، وإما حبيس فتاوى ومصطلحات ومفاهيم موروثة عن الشافعي والطوسي وابن سينا وابن عربي وغيرهم ، وفي كلا الحاليين يكون التشريع الفقهيّ القرآني قاصراً عن مخاطبة الناس ، وهذا يعني عدم عالمية التشريع الإسلامي ، بحيث يكون بعيداً عن الواقع فقهاً ورؤية مما يجعله تابعاً لا متبوعاً . 
فالقراءة التي يقّدمها لنا الدكتور الساعدي في منجز الشهيّد الصّدر ، تُعتبر أول قراءة تجديدة معاصرة في تطبيقها على الأفكار المُعاصرة - بحسب تتبعي - بأعتبار أن الدين لدى السيّد محمّد الصدر قائم على أسس جَهادية وحركة فكرية معرفية ذات منهج معيّن يتطلع لقراءة الماضي والإستعداد للمستقبل بوعي الحاضر . ووعي النصّ الديني من خلال الإطلاع على علوم الطبيعة والتثّقف بمناهج علوم الإنسانيّات ، وبهذا يكون هذا الطرح مخالفة لكل تلك القراءات التي قرأت تراث الشهيد الصّدر .
الأخلاق التطبيّقية : عُرفت بإنّها مجموعة من القواعد الاخلاقية العملية التى تسعى لتنظيم الممارسة داخل مختلف ميادين العلم والتكنولوجيا وما يرتبط بها من انشطة اجتماعية واقتصادية ومهنية كما تحاول ان تحلّ المشاكل الاخلاقية التى تطرحها تلك الميادين اعتمادا على مايتم التوصل الية بواسطة التداول والتوافق وعلى المعالجة الاخلاقية للحالات الخاصة والمعقدة او المستعصية ..وتُعرف الآن بـ (البيوتيقا) و هى الدراسة الفلسفية للجدل الاخلاقى الذى اوجده التقدّم الكبير الذى احرزته العلوم البيولوجية والطبية وماترتب عليها من اشكاليات ومسائل اخلاقية لا تتعلق فقط بمجالات علوم الحياة والتكنولوجيات الحديثة فى علم الطب بل ايضا تتعلق بمجالات عديدة اخرى مثل : السياسة والقانون والدين الى جانب الفلسفة . وما افرزتة ( البيوتيقا ) من قضايا متعددة بدءاً باطفال الانابيب ، ووصولا الى وضع الخريطة الجينية للانسان ، ومروراً بالارحام المستاجرة ، والبنوك الحيوية ، والموت الرحيم، وزرع الاعضاء ، والتحكم فى الدماغ البشرى والاستنساخ ..... الخ ، تطرح " إشكاليات أخلاقية " تثير اليوم الكثير من الجدل الفلسفى والقانونى والدينى ( الفقهي ) .كما يؤدى الفكر البيوتيقى الى ترسيخ قيم الديموقراطية والحوار ، والتسامح ، والتضامن ، وحقوق الانسان خلال القرن الواحد والعشرين ، وذلك من خلال مناقشة القضايا ذات البعد الفلسفى والقانون والدينى .
وظفّ الدكتور الساعدي هذا المفهوم على المنجز الفقهي الذيّ قدّمه الشهيد الصّدر ، وأهميته تكمن بالإضافة الى ابتكاراته الافتراضية واستدلاله الفقهي وانه مشتقٌ من القران، يمثل باباً واسعا من تنظيرات الفكر البيواتيقي .وأن كتاب فقه الموضوعات الحديثة بالاضافة الى فقه الفضاء وما وراءالفقه يمثل ما بعد الحداثة الفقهية إذا ما أخذنا بالاعتبار ان مفهوم الأخلاق التطبيقية يمثل ما يمكننا وصفه بـ (فقه الفلسفة) فهو ينحو نحو مناقشة الجزئيات التي لها تماس وتداخل بحياة الأفراد سيما البدني منها .
أستطاع الدكتور الساعدي من خلال ما كتبه ، من ربط الفقه في منظور الشهيّد الصّدر (القانون الديني) بالأخلاق بإعتبار أن التعاليم الفقهية شرّعت لإيجاد النظام العادل على الفرد والمجتمع والعدل هو جزء من الأخلاق لان القضية الرئيسية الكبرى هي إدراك حسن العدل وقبح الظلم، فان كتابه ما وراء الفقه يشترك بموضوعات عديدة منها الفيزياء الفلكية وعلم النفس والاقتصاد والسياسة والاجتماع وكل هذه تلتقي بالتفسير والفقه والنحو ...الخ وهو يشير الى موسوعية مهمة لا تعتمد على القانون والفقه فحسب ..
والنماذج التي أشار إلأيها الدكتور في منجز الشهيد الصّدر كثيرة جداً ، منها :
- الفقه في جوانبه البيولوجية المتشعبة .
- التنظيرات المُهمّة المتعلقة بفقه الفضاء والذي يشكل سابقة في الفقه الحديث وهو مؤلف يتصل بجانب مهم من الأخلاق التطبيقية وهو (البيئة) والمتداخل مع غيره من العلوم ويتحدث عن احتمالات العيش هناك والتعامل مع الأموال والقوانين وفق تغير البيئة والجاذبية والزواج من المخلوقات الفضائية وطرق التكافل الاجتماعي واكل المواد السامة بعد تحويلها والعقوبات للقتل أو القتل الخطأ والتعامل الأمم الأخرى ..
- تتوزع المعرفة في ما وراء الفقه وحقوق الإنسان وفقه المجتمع حتى انه كتب في القانون الإسلامي من زاوية المنهج والأسس .
وكل هذا يعطي الانطباع الهام لريادة هذا الرجل للأخلاق التطبيقية وللفكر البيواتيقي في العراق والعالم الإسلامي بالحديث في فقه الموضوعات الحديثة وللتطبيق الفعلي الواقعي للأخلاق التطبيقية، لا مجرد التنظير (مع عدم مناقشته المصطلح ) .
- كذلك أخلاقيات الطب والأحياء مثلا أو كما يوصف بالبيوإتيقية، تعمل على توظيف وتحليل وتفسير ومقارنة وتأويل وافتراض العديد من الأسئلة المتعلقة بذات الجانب فالجينات الوراثية والقتل الرحيم وأبحاث الخلايا الجذعية وتأجير الأرحام والحيامن والهندسة الوراثية والاستنساخ البشري وغيرها من الأفكار تعد المادة الأساسية في الأخلاق التطبيقية في المجال البيوتيقي، وهكذا يمكن القياس على الجوانب الأخرى في القانون والبيئة والتكنولوجيا والأعلام والاقتصاد وسواه .
وقد طرح لنا الدكتور الساعدي نماذج كثير من الاخلاق التطبيقيّة ( البيوتيقا ) في التراث التجديدي والمعاصر لشهيدنا الصّدر ، نترك القارئ العزيز في معرفتها بالخوض في تلك الجولة الفكرية الرائعة ، في مقالة بعنوان ( الأخلاق التطبيقية فـي الفقـه العـــراقيّ
البيوتيقا عند المُفكَّر مُحمّد صادق الصّدر ) من خلال هذا الرابط .
ومن خلال ذلك يتبيّن لنا ، بإن الإنسان ( الفقيه ) ليس منعزلاً عن الحياة ، اكتفاءً بمفاهيم أخروية ، كما تقول بعض مدارس فهم الدين ، وهو ليس جزءاً تابعاً للواقع كما تقول مدارس الغرب ، بل الدين عند ( الفقيه ) هو نافذة ثقب جدار الطبيعة والتشيؤ لها ، وبدون ذلك يكون الإنسان مجموعة من ردّات الفعل السكيولوجية أو السيوسيولوجية أو الفيزيائية او الكيمائية ، فكان الفقه العراقي المتمثّل بالمفكّر السيّد محمّد الصّدر مصداقاً جليّاً لـ (فقه الفلسفة) الذي ينحو نحو مناقشة الجزئيات التي لها تماس وتداخل بحياة الأفراد سيما البدني منها أيضاً .
فتحيّة إجلال وأحترام للدكتور رحيم الساعدي لهذه الجولة البيوتيقية في عرض بعض منجزات محمّد الصدر في مجال الأخلاق التطبيقيّة .


أسامة العتابي