عليٌ أول شهيدٍ في مَحرابِ صلاة القرآن [ تأملات وتبتلات ]
في رحاب الشهادة ، في رحاب الألم ، في رحاب ليلة القدر الحزينة ، في رحاب
شهر رمضان الذي نعيش فيه فقدان أعظم شخصية بعد رسول الله [ صلّى الله عليه
وآله ] ، والتي لامثيل لها ؛ لكونها تجمع كُل الصفات الشخصية للعباقرة
والفنانين والأبطال ، إنها شخصية روَحانية أعمق من روحانية البراهمه ، إنها
شخصية ذات فروسية تتجاوز فروسية الأغريق ، ذات رشاقة بلاغية أعجزت الأدباء
، ودّقة فكرية تصاغرت عند عتبتها الفلاسفة ، إنه [ عليٌ بن أبي طالب ]
صلوات الله عليه ..
كل كتابة بحبر القلب تُضعف القلب ، إلاّ الكتابة
عن عليٍّ فهي تُغذيه ، فهو معنى أساسي من مقوّمات الروح ، وتطّلع إبداعي
لكُل روح تجاهد في تثبيت أسُسها في تربة التألق ، فهو للمَعنى مَحراب ،
وللجهل حِراب ، وبين يديه تتحول الإنسانية إلى مهرجان بعدما كانت تراباً ،
كلماتي هذه تختلف عن كل مرة ، إنها تأملات وتبتلات في سيرة علي ( عليه
السّلام )
حار الجميع بشخصيته ، فهم يتقاتلون على السُلطة ويذبح بعضهم
بعضّاً ، بينما هو يقارنها بشسع نلعه المقطوعة ، نعم ذاك هو المقاتل
المُرعب الذي يخاف منه الأعداء، إلاّ أنه يخشى الله في نملة ، ذاك الذي لا
يشعر بالسَهم حينما يخرج من فخذه في الصّلاة ، إلاّ أنه يسمع صوت المُحتاج
فيتصدّق بخاتمه قربة لوجه الله ..
نعم ذاك هو علي بن أبي طالب الذي
حُجب دوره في بناء الحضارة ، منذ إلغاء البسملة من القرآن وأبعادها - على
بعض الآراء كونها ليّست آية من القرآن - ؛ لإن عليّ هو الباء في تكوينها
ومفتتح عقلانيتها وتعقّلها ..
إلاّ أنها تبقى [ البسملة ] أعظم آية في
كتاب الله تعالى على حدِ قول مولانا الإمام الصادق ( عليه السلام ) ،
وأنها شرط صحة سلامة القرب من الإنسان مثلما هي شرطٌ في صحة عبادة الإلة ..
عليٌ هو تلك النقطة التي في [ باء ] البَسملة ، والتي توّضح أنه أول من
سمع القرآن ، وأول من كتب تفسيراً له ، وأول شهيد في محراب صلاة القرآن ،
وقد قضى نحبة في شهر القرآن ، وفي ليلة القرآن ..
حياة علي بن أبي
طالب كلها جهاد ، لاتوجد مرحلة كان فيها علي بن أبي طالب عاطلاً أو ساكناً
أو مسترحياً ، علي كان جسد الجهاد وروح الجهاد ، فبه تم حفظ الإسلام كشهادة
لفظية ، وبه تم حفظ الإسلام كشهادة معنوية وفكرية ومعرفية ، وبه تم حفظ
شهادة الإسلام العالميه ، فكان علي هو روح الشهادة وفكر الشهيد ، وكان هو
فكر الإمام وروح الإمامة .
أليس الفردوس هو أسمى ما يصل إليه الخيال
من الراحة والأسترخاء ، فكيف يتحول ضريحُ علي إلى أسمى من الفردوس ، فهو
أسمى من الخيال ، فملايين الناس من كل بلاد الأرض تتجه صوب ضريح علي ، إلى
تلك البقعة الصغيرة في بلدٍ صغير ، يطوفون في مدينة يصافخ هواؤها ضريح
علي، وتُخيّم شمسها فوق ضريح علي ، لإنه لايخيم فوق ضريحه الظلام ، أيّ
رجلٍ هذا الذي ضريحه أسمى من الخيال ، والشمس تقف فوقه كخيمة متواضعة ..
شخص تراب مَضجعة هو [ وادي السلام ] فإيّ سلامٍ هو معناه ، أيّ سلامٍ هو مبلغ رسالته ووصاياه ؟!
إذا كان تراب مرقده مثوى للنفوس ، فإي مرقد للمَعنى ثوى في نفس علي وروحه ؟!
علي هو قرآنٌ في مسيرته ، وهو قرأنٌ في صفاته ، وهو قرأنٌ في تجدّده
والتأمل فيه ، عليٌ هو قرآنٌ للقرآن ، والقرآن هو عليٌ لعلي [ القرآن مع
علي ، وعليٌ مع القرآن ] وبدون علي تكون رسالة الإسلام ناقصة ، فإذا كان
الإسلام هو أسمى رسالة ، ومحمدٌ ( صلّى الله عليه وآله ) أكرمُ نبي ، فإين
هو الإنسان المُسلم الذي يُمكن أن نقول هو ثمرة الإسلام المحمّدي ، وما
نفعُ الرسالة إذا لم تكن تملك نموذجاً مصدّاقياً لنجاحها بعد رحيل النبي
الاكرم ، حينها سيكون الوحي مجرد نظرية بلا تطبيق ، وهنا يبرز دور علي بن
أبي طالب ( عليه السلام ) النموذج الحي لنجاح الرسالة ، والتطبيق العملي
لها ، الدّال على قيمتها ، وهذا هو معنى [ اليّوم اكملتُ لكم دينكم ]
فبعلي تمت رسالة الإسلام ، لكونه هو المصداق العملي للرسالة ، وهو النموذج
الأختباري الميداني لقيمها واهدافها .
فعلي بن أبي طالب هو [ الهويّة ]
وهو [ الأصل ] وهو [ الحضور ] فبدون علي يكون القرآن مجموعة حروف مصفوفة
في كتاب ، لم يتفق أحدٌ بماذا هو معجزة ، هل بنحوه وبلاغته ، أم في فكره
وفلسفته ، أم في غَيبه وطَبيعته ، أم في علمه وتجربته ...الخ ؟!
فهو
جزءٌ داخلي من القرآن ، حيث الواقع الحي جزءٌ من حقيقة كل رسالة ، لذا جاء
الخبر عن النبي ( صلى الله عليه وآله ) : قوله [ إن القرآن أربعةُ أرباع ،
فربعٌ فينا أهل البيت خاصة ، وربعٌ في أعدائنا ، وربعٌ حلالٌ وحرامٌ ،
وربعٌ فرائضُ وأحكامٌ ، وإن الله أنزل في علي كرائم القرآن ] .
فبدون
علي لايوجد هناك اتفاق على قراءة القرآن ، لا في النحو ولا في القراءة ،
وبدون علي لايوجد أتفاق في قراءة القرآن لا في معناه ولا في تفسيره ، فضلاً
عن تطبيقه ، وكيف يكون الإتفاق حينما يتم نفي النموذج الاول من التطبيق ،
والفهم الأعمق من المعنى ، والأصل الأول من اللغة ، حينها ينفى السماع
الأول ، والشارح الأول ، والمدافع الأول ، والشهيد القرآني الاول ، فمن
حُذف أوله لم يُفهم وسطه وآخره ، ومن حُذف اوله ضاع مبتدأه بخبره ..وهذا هو
الذي يفسّر سهولة دخول الإسرائيليات والاخبار الضعيفة في عملية تفسير
القرآن الكريم .
لقد تم قتل القرآن الناطق ، فتم تشويه القرآن
الصامت ، لقد تم أغتيال القرآن الإنسان ، فتم تعطيل القرآن الكتاب ، وحينما
هُجرت الحقيقة تلقفتنا الخرافات ، وحينما أبُعدت المُحمّديات ، أسَّرَتنا
الإسرائيليات .. وهذا هو معنى لامعقولية للنص القرآني بدون علي بن أبي طالب
، وهذا هو معنى توازي فكرة الإمامة بكون القرآن إماماً صامتاً ، وبالتالي
فإن نكران الإمامة هو بالفعل هدمٌ للنبوة لإنها مكمّلةٌ لها .
لإن
النص القرآني دون علي سوف يكون كتاباً عادياً في البنيّة اللغوية ، وسوف
يكون نص بركة ، أو نص فذلكة بلاغية ، او إكراهات فلسفية وفقهية طائفية او
بحوث طبيعية ، بمَعنى أن القرآن سيغدوا [ بدون علي ] نصاً فاقداً للدلالة
فلا يبقى أي جامع بين الفرق الإسلامية سِوى لفظ لا إله إلا الله [ حسب
مايقوله العلامّة الطباطبائي في مقدمة كتابه الميزان ] حيثُ يزداد منطق
التكفير وشق جسد الأمة وذهنيتها ..
إلا ان كل تلك الصعوبات والإشكالات تزول لو قَبلِنا بعلي بن أي طالب واولاده هم الإمتداد الطبيعي لدلالة النبوة .
عليٌ هو صوت العدالة لإنسانية كما يقولها [ جرداق ] فكان هذا الفارس
المُرعب للفرسان والقائد الأعلى للقادّة لايعرّف نفسه بشيء سوى كونه
أبـــاً لليتامي والمساكين ، ولايُبالي بكل نيران الحروب والمُؤامرات ضدّه ،
وبينما الناس لاتعترف بالله إلاّ كوسيلة يُوصلها إلى الجنة ويحميها من
الجحيم ، فإن علي بن أبي طالب ، يخاف نار الفراق ، نار البُعد بقوله [
هبني يا إلهي صبرتُ على نارك فكيف أصبر على فراقك ] أليس الطفل يتحمل كُل
حِرمان إلاّ حَرمان البُعد عن أمّه ، فلا تستطيع مواساته بمَنحه أيّ شي
بغيّة أن تذهب الأم إلى السوق في حاجة ضرورية ؟!
فالإم هي مثال الجمال
والكمال ، هي في عيون الطفل الصغير الجاهل ، هي الكمال ومصدر كل خير وحبّ ،
وعلي هذا الطفل العالم الكبير ، يعرف أين يكون ثدي الجمال والحنان ، الذي
يرضع منه العالم والوجود ، فهو كان منشغلاً به ، فيقوم الحاسد في وسط خطبة
له (ع) ويقول كم شعرة في رأسك ؟ ! او يقول الآخر كافرٌ ما أفقهه ؟!
ومع كل ذلك لا يغلظ الإمام معه ولايقطع راتبه الشهري من بيت المال ، ويبقى
صوته مسموعاً ، فحق المعارضة مكفول عند الإمام علي مالياً وإعلامياً ،
بصورة لم تكرر في التأريخ ، حتى في زماننا هذا ، زمن أدّعاء الحداثويه
والمعاصرة والتنوير ومابعد التنوير وحقوق الإنسان وغيرها من التسميات
الخاليه من التطبيق، فعلي صوت الناس ، فلم يتعامل معهم كإمام معصوم صاحب حق
إلهي يجب أن يخضعوا له كخرافٍ عمياء ، على خلاف نظريات البيعة الإستبدادية
في الفقه السُني ، ونظريات ولاية الفقية المطلقة في الفقه الشيعي ..
علي كان قمّة في الأخلاق والقيم الإنسانية ، فلم يكون سَياسياً سرّيا يريد
تهديّم دولة الخلافة من الداخل ، وبقي يقول للثائرين بعد عثمان إنه
بالنسبة لضعفهم في تبني الحق وزير أخف عليهم من أن يكون أميراً ..
ثم
نراهُ يُنصت للخوارج في التحكيم ، وبينما مَعاوية يمنع ماء النهر عن جيش
الإمام ، فيقوم الإمام بالتحرير ويسمَح لمعاوية وأتباعه بالشرب ، فلو منعهم
لتساوى الطرفان في البشاعة [ وحاشاه ] فليست السياسية لدى علي مفصولة عن
القيم ، لذا كانت سياسته تجعل من الحياة المشتركة والتعايش بحبّ الآخر ،
قيمة أولى في السلوك وفي المعرفة ، وعليّ لايقبل قتل عبد الرحمن بن ملجم
رغم علمه بإنه يعمل لأغتياله ، لإن علي يمثل القانون فكيف يقوم بكسَره
وتجاوزه [ لايجوز القصاص قبل الجنايه ] ، علي يخبز الأرغفة للإرامل
والإيتام وكذلك لعوائل الخوارج الذين غَدروا به ، فكانت الإمهات يدّعِين
عليه ، وهنّ لايعلّمَنّ أن الواقف على التنور هو علي بن أبي طالب [ عليه
السَّلام ] .
لقد أستطاع الإمام بسلاح إنكار الذات أن يحقق ، ليس رفعة
لشخصه فحسب ، وإنما أيضاً أن يوقع في أعدائه أكبر الهزائم ، هزائم باتت
عِبرة لكلّ جيل ، فالقمّة الاخلاقية هنا تجعل من المُعادين لها تراباً
تطأه أحذية المرتقين إليها .
علي هو العدل ، كفتحٍ متجددٍ ونصرٍ متجذرٍ في الروح ، وهو أملٌ مشبعٌ بالتمردِ ، عليٌ هو أزل الخلاص والإخلاص .
ولهذا لم يستطع التأريخ أن يجعل علي ينام في حضنه فنام هو في حضن علي ،
فتساوي التراث الذي ذمّة حيث تراث السلطة ، والتراث الذي مدحه وهو تراث
المعارضة ، ذلك أن علياً ناموس الحق ، وجبل القيم لا تهمّه ازبال تركتها
الرياح في قعر الوادي ، ولا يصل إليه مدحُ مادحٍ ولايُحيط به فكرُ مفكرٍ
ناقدٍ ، [ لايصل إليه الطير وينحدر عنه السيل ] فعلي إذا لم يصف نفسه فلا
يُوصف ، وهو حينما يصف نفسه بمقدار سَعة عقولنا لا بمقدار حقيقته هو هو .
وحتى في سعة العقول لاتجد العُقول سِوى الأرتكان بالقلوب في شأن وصَف علي ،
فعلي فكرٌ وعاطفة ، ولاطاقة للقلوب ، فيتعاون العقل والقلب معاً ، على ضرب
حصار حول اللغة ، فلا يتبقى سوى تبتل المَجـاز في التعبير والبيان ،
ولايبقى لدينا سوى صيغة [ أفعل التفضيل ] ، تجيرنا من ضيق العبارة كما فعل
أبو نعيم الأصفهاني أحد المتصوفة في كتابه [ حلية الاولياء وطبقات الأصفياء
] حيث يقول : [ الإمام علي بن أبي طالب .. سيَّد القوم ، مُحبٌ المشهود ،
ومحبوب المعبود ، باب مدينة العلم والعلوم ، ورأس المخاطبات ، ومستنبط
الإرشادات ، راية المهتدين ، ونور المُطيعين ، ووليّ المتقين ، وإمام
العادلين ، أقدمهم إجابة وإيماناً ، وأقومهم قضية وإتقـاناً ، وأعظمهم
حلماً ، وأوفرهم عِلماً ، قدوة المُهتدين ، وزينة العارفين ، المُنبئ عن
حقائق التوحيد ، المشير إلى لوامع علم التفريد ، صاحب القلب العقول ،
واللّسان السؤول ، والإذن الواعي ، والعهد الوافي ، فقــأ عيون الفتنة ،
ووقي من فنون المَحن ، فدفع الناكثين ، ووضع القاسطين ، ودفع المارقين ،
الأخيشن في دين الله ، الممسوس في ذات الله ] .
وأخيراً لايبقى لي إلاّ
أن أصف علي ( عليه السلام ) بلغة برهمية ، فعليٌ هو الذي يُفسّره الكلام
ولكن لا تتم المعرفة إلاّ بكلامه ، فهو إمام المَعرفة وإمام الكلام ، وإمام
الخير والسلام ، فمنه السلام وعليه السلام .
فها هو علي معَنى مُسجى
على خشبة مسَرح التأريخ حوله الحسنان ويده تشير بالتوصية بالفقراء وتآخي
الناس وتزويع الثروات العامة بالعدل ، بقي حتى آخر رمقٍ فيه ، وهو يوصّي
بالمُجتمع وبالجماهير وضرورة الرحمة بقاتله ، لم يقل كلمة واحدة في شأن
عائلته وشأن نفسه ، إنما عاش للجمَيع وبقي يعمل للجميع وآخر وصيته هي للكل ،
فإجتَمع الكّل حول علي ، وداعاً يا علي بن أبي طالب ، وداعاً أيّها
الإنسان ..وعظّم الله لكم الأجر بشهادته المؤلمة .
أسامة العتابي .









