الثلاثاء، 31 مايو 2016

عليٌ أول شهيدٍ في مَحرابِ صلاة القرآن [ تأملات وتبتلات ]


في رحاب الشهادة ، في رحاب الألم ، في رحاب ليلة القدر الحزينة ، في رحاب شهر رمضان الذي نعيش فيه فقدان أعظم شخصية بعد رسول الله [ صلّى الله عليه وآله ] ، والتي لامثيل لها ؛ لكونها تجمع كُل الصفات الشخصية للعباقرة والفنانين والأبطال ، إنها شخصية روَحانية أعمق من روحانية البراهمه ، إنها شخصية ذات فروسية تتجاوز فروسية الأغريق ، ذات رشاقة بلاغية أعجزت الأدباء ، ودّقة فكرية تصاغرت عند عتبتها الفلاسفة ، إنه [ عليٌ بن أبي طالب ] صلوات الله عليه ..
كل كتابة بحبر القلب تُضعف القلب ، إلاّ الكتابة عن عليٍّ فهي تُغذيه ، فهو معنى أساسي من مقوّمات الروح ، وتطّلع إبداعي لكُل روح تجاهد في تثبيت أسُسها في تربة التألق ، فهو للمَعنى مَحراب ، وللجهل حِراب ، وبين يديه تتحول الإنسانية إلى مهرجان بعدما كانت تراباً ، كلماتي هذه تختلف عن كل مرة ، إنها تأملات وتبتلات في سيرة علي ( عليه السّلام )
حار الجميع بشخصيته ، فهم يتقاتلون على السُلطة ويذبح بعضهم بعضّاً ، بينما هو يقارنها بشسع نلعه المقطوعة ، نعم ذاك هو المقاتل المُرعب الذي يخاف منه الأعداء، إلاّ أنه يخشى الله في نملة ، ذاك الذي لا يشعر بالسَهم حينما يخرج من فخذه في الصّلاة ، إلاّ أنه يسمع صوت المُحتاج فيتصدّق بخاتمه قربة لوجه الله ..
نعم ذاك هو علي بن أبي طالب الذي حُجب دوره في بناء الحضارة ، منذ إلغاء البسملة من القرآن وأبعادها - على بعض الآراء كونها ليّست آية من القرآن - ؛ لإن عليّ هو الباء في تكوينها ومفتتح عقلانيتها وتعقّلها ..
إلاّ أنها تبقى [ البسملة ] أعظم آية في كتاب الله تعالى على حدِ قول مولانا الإمام الصادق ( عليه السلام ) ، وأنها شرط صحة سلامة القرب من الإنسان مثلما هي شرطٌ في صحة عبادة الإلة ..
عليٌ هو تلك النقطة التي في [ باء ] البَسملة ، والتي توّضح أنه أول من سمع القرآن ، وأول من كتب تفسيراً له ، وأول شهيد في محراب صلاة القرآن ، وقد قضى نحبة في شهر القرآن ، وفي ليلة القرآن ..
حياة علي بن أبي طالب كلها جهاد ، لاتوجد مرحلة كان فيها علي بن أبي طالب عاطلاً أو ساكناً أو مسترحياً ، علي كان جسد الجهاد وروح الجهاد ، فبه تم حفظ الإسلام كشهادة لفظية ، وبه تم حفظ الإسلام كشهادة معنوية وفكرية ومعرفية ، وبه تم حفظ شهادة الإسلام العالميه ، فكان علي هو روح الشهادة وفكر الشهيد ، وكان هو فكر الإمام وروح الإمامة .
أليس الفردوس هو أسمى ما يصل إليه الخيال من الراحة والأسترخاء ، فكيف يتحول ضريحُ علي إلى أسمى من الفردوس ، فهو أسمى من الخيال ، فملايين الناس من كل بلاد الأرض تتجه صوب ضريح علي ، إلى تلك البقعة الصغيرة في بلدٍ صغير ، يطوفون في مدينة يصافخ هواؤها ضريح علي، وتُخيّم شمسها فوق ضريح علي ، لإنه لايخيم فوق ضريحه الظلام ، أيّ رجلٍ هذا الذي ضريحه أسمى من الخيال ، والشمس تقف فوقه كخيمة متواضعة ..
شخص تراب مَضجعة هو [ وادي السلام ] فإيّ سلامٍ هو معناه ، أيّ سلامٍ هو مبلغ رسالته ووصاياه ؟!
إذا كان تراب مرقده مثوى للنفوس ، فإي مرقد للمَعنى ثوى في نفس علي وروحه ؟!
علي هو قرآنٌ في مسيرته ، وهو قرأنٌ في صفاته ، وهو قرأنٌ في تجدّده والتأمل فيه ، عليٌ هو قرآنٌ للقرآن ، والقرآن هو عليٌ لعلي [ القرآن مع علي ، وعليٌ مع القرآن ] وبدون علي تكون رسالة الإسلام ناقصة ، فإذا كان الإسلام هو أسمى رسالة ، ومحمدٌ ( صلّى الله عليه وآله ) أكرمُ نبي ، فإين هو الإنسان المُسلم الذي يُمكن أن نقول هو ثمرة الإسلام المحمّدي ، وما نفعُ الرسالة إذا لم تكن تملك نموذجاً مصدّاقياً لنجاحها بعد رحيل النبي الاكرم ، حينها سيكون الوحي مجرد نظرية بلا تطبيق ، وهنا يبرز دور علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) النموذج الحي لنجاح الرسالة ، والتطبيق العملي لها ، الدّال على قيمتها ، وهذا هو معنى [ اليّوم اكملتُ لكم دينكم ] فبعلي تمت رسالة الإسلام ، لكونه هو المصداق العملي للرسالة ، وهو النموذج الأختباري الميداني لقيمها واهدافها .
فعلي بن أبي طالب هو [ الهويّة ] وهو [ الأصل ] وهو [ الحضور ] فبدون علي يكون القرآن مجموعة حروف مصفوفة في كتاب ، لم يتفق أحدٌ بماذا هو معجزة ، هل بنحوه وبلاغته ، أم في فكره وفلسفته ، أم في غَيبه وطَبيعته ، أم في علمه وتجربته ...الخ ؟!
فهو جزءٌ داخلي من القرآن ، حيث الواقع الحي جزءٌ من حقيقة كل رسالة ، لذا جاء الخبر عن النبي ( صلى الله عليه وآله ) : قوله [ إن القرآن أربعةُ أرباع ، فربعٌ فينا أهل البيت خاصة ، وربعٌ في أعدائنا ، وربعٌ حلالٌ وحرامٌ ، وربعٌ فرائضُ وأحكامٌ ، وإن الله أنزل في علي كرائم القرآن ] .
فبدون علي لايوجد هناك اتفاق على قراءة القرآن ، لا في النحو ولا في القراءة ، وبدون علي لايوجد أتفاق في قراءة القرآن لا في معناه ولا في تفسيره ، فضلاً عن تطبيقه ، وكيف يكون الإتفاق حينما يتم نفي النموذج الاول من التطبيق ، والفهم الأعمق من المعنى ، والأصل الأول من اللغة ، حينها ينفى السماع الأول ، والشارح الأول ، والمدافع الأول ، والشهيد القرآني الاول ، فمن حُذف أوله لم يُفهم وسطه وآخره ، ومن حُذف اوله ضاع مبتدأه بخبره ..وهذا هو الذي يفسّر سهولة دخول الإسرائيليات والاخبار الضعيفة في عملية تفسير القرآن الكريم .
لقد تم قتل القرآن الناطق ، فتم تشويه القرآن الصامت ، لقد تم أغتيال القرآن الإنسان ، فتم تعطيل القرآن الكتاب ، وحينما هُجرت الحقيقة تلقفتنا الخرافات ، وحينما أبُعدت المُحمّديات ، أسَّرَتنا الإسرائيليات .. وهذا هو معنى لامعقولية للنص القرآني بدون علي بن أبي طالب ، وهذا هو معنى توازي فكرة الإمامة بكون القرآن إماماً صامتاً ، وبالتالي فإن نكران الإمامة هو بالفعل هدمٌ للنبوة لإنها مكمّلةٌ لها .
لإن النص القرآني دون علي سوف يكون كتاباً عادياً في البنيّة اللغوية ، وسوف يكون نص بركة ، أو نص فذلكة بلاغية ، او إكراهات فلسفية وفقهية طائفية او بحوث طبيعية ، بمَعنى أن القرآن سيغدوا [ بدون علي ] نصاً فاقداً للدلالة فلا يبقى أي جامع بين الفرق الإسلامية سِوى لفظ لا إله إلا الله [ حسب مايقوله العلامّة الطباطبائي في مقدمة كتابه الميزان ] حيثُ يزداد منطق التكفير وشق جسد الأمة وذهنيتها ..
إلا ان كل تلك الصعوبات والإشكالات تزول لو قَبلِنا بعلي بن أي طالب واولاده هم الإمتداد الطبيعي لدلالة النبوة .
عليٌ هو صوت العدالة لإنسانية كما يقولها [ جرداق ] فكان هذا الفارس المُرعب للفرسان والقائد الأعلى للقادّة لايعرّف نفسه بشيء سوى كونه أبـــاً لليتامي والمساكين ، ولايُبالي بكل نيران الحروب والمُؤامرات ضدّه ، وبينما الناس لاتعترف بالله إلاّ كوسيلة يُوصلها إلى الجنة ويحميها من الجحيم ، فإن علي بن أبي طالب ، يخاف نار الفراق ، نار البُعد بقوله [ هبني يا إلهي صبرتُ على نارك فكيف أصبر على فراقك ] أليس الطفل يتحمل كُل حِرمان إلاّ حَرمان البُعد عن أمّه ، فلا تستطيع مواساته بمَنحه أيّ شي بغيّة أن تذهب الأم إلى السوق في حاجة ضرورية ؟!
فالإم هي مثال الجمال والكمال ، هي في عيون الطفل الصغير الجاهل ، هي الكمال ومصدر كل خير وحبّ ، وعلي هذا الطفل العالم الكبير ، يعرف أين يكون ثدي الجمال والحنان ، الذي يرضع منه العالم والوجود ، فهو كان منشغلاً به ، فيقوم الحاسد في وسط خطبة له (ع) ويقول كم شعرة في رأسك ؟ ! او يقول الآخر كافرٌ ما أفقهه ؟!
ومع كل ذلك لا يغلظ الإمام معه ولايقطع راتبه الشهري من بيت المال ، ويبقى صوته مسموعاً ، فحق المعارضة مكفول عند الإمام علي مالياً وإعلامياً ، بصورة لم تكرر في التأريخ ، حتى في زماننا هذا ، زمن أدّعاء الحداثويه والمعاصرة والتنوير ومابعد التنوير وحقوق الإنسان وغيرها من التسميات الخاليه من التطبيق، فعلي صوت الناس ، فلم يتعامل معهم كإمام معصوم صاحب حق إلهي يجب أن يخضعوا له كخرافٍ عمياء ، على خلاف نظريات البيعة الإستبدادية في الفقه السُني ، ونظريات ولاية الفقية المطلقة في الفقه الشيعي ..
علي كان قمّة في الأخلاق والقيم الإنسانية ، فلم يكون سَياسياً سرّيا يريد تهديّم دولة الخلافة من الداخل ، وبقي يقول للثائرين بعد عثمان إنه بالنسبة لضعفهم في تبني الحق وزير أخف عليهم من أن يكون أميراً ..
ثم نراهُ يُنصت للخوارج في التحكيم ، وبينما مَعاوية يمنع ماء النهر عن جيش الإمام ، فيقوم الإمام بالتحرير ويسمَح لمعاوية وأتباعه بالشرب ، فلو منعهم لتساوى الطرفان في البشاعة [ وحاشاه ] فليست السياسية لدى علي مفصولة عن القيم ، لذا كانت سياسته تجعل من الحياة المشتركة والتعايش بحبّ الآخر ، قيمة أولى في السلوك وفي المعرفة ، وعليّ لايقبل قتل عبد الرحمن بن ملجم رغم علمه بإنه يعمل لأغتياله ، لإن علي يمثل القانون فكيف يقوم بكسَره وتجاوزه [ لايجوز القصاص قبل الجنايه ] ، علي يخبز الأرغفة للإرامل والإيتام وكذلك لعوائل الخوارج الذين غَدروا به ، فكانت الإمهات يدّعِين عليه ، وهنّ لايعلّمَنّ أن الواقف على التنور هو علي بن أبي طالب [ عليه السَّلام ] .
لقد أستطاع الإمام بسلاح إنكار الذات أن يحقق ، ليس رفعة لشخصه فحسب ، وإنما أيضاً أن يوقع في أعدائه أكبر الهزائم ، هزائم باتت عِبرة لكلّ جيل ، فالقمّة الاخلاقية هنا تجعل من المُعادين لها تراباً تطأه أحذية المرتقين إليها .
علي هو العدل ، كفتحٍ متجددٍ ونصرٍ متجذرٍ في الروح ، وهو أملٌ مشبعٌ بالتمردِ ، عليٌ هو أزل الخلاص والإخلاص .
ولهذا لم يستطع التأريخ أن يجعل علي ينام في حضنه فنام هو في حضن علي ، فتساوي التراث الذي ذمّة حيث تراث السلطة ، والتراث الذي مدحه وهو تراث المعارضة ، ذلك أن علياً ناموس الحق ، وجبل القيم لا تهمّه ازبال تركتها الرياح في قعر الوادي ، ولا يصل إليه مدحُ مادحٍ ولايُحيط به فكرُ مفكرٍ ناقدٍ ، [ لايصل إليه الطير وينحدر عنه السيل ] فعلي إذا لم يصف نفسه فلا يُوصف ، وهو حينما يصف نفسه بمقدار سَعة عقولنا لا بمقدار حقيقته هو هو .
وحتى في سعة العقول لاتجد العُقول سِوى الأرتكان بالقلوب في شأن وصَف علي ، فعلي فكرٌ وعاطفة ، ولاطاقة للقلوب ، فيتعاون العقل والقلب معاً ، على ضرب حصار حول اللغة ، فلا يتبقى سوى تبتل المَجـاز في التعبير والبيان ، ولايبقى لدينا سوى صيغة [ أفعل التفضيل ] ، تجيرنا من ضيق العبارة كما فعل أبو نعيم الأصفهاني أحد المتصوفة في كتابه [ حلية الاولياء وطبقات الأصفياء ] حيث يقول : [ الإمام علي بن أبي طالب .. سيَّد القوم ، مُحبٌ المشهود ، ومحبوب المعبود ، باب مدينة العلم والعلوم ، ورأس المخاطبات ، ومستنبط الإرشادات ، راية المهتدين ، ونور المُطيعين ، ووليّ المتقين ، وإمام العادلين ، أقدمهم إجابة وإيماناً ، وأقومهم قضية وإتقـاناً ، وأعظمهم حلماً ، وأوفرهم عِلماً ، قدوة المُهتدين ، وزينة العارفين ، المُنبئ عن حقائق التوحيد ، المشير إلى لوامع علم التفريد ، صاحب القلب العقول ، واللّسان السؤول ، والإذن الواعي ، والعهد الوافي ، فقــأ عيون الفتنة ، ووقي من فنون المَحن ، فدفع الناكثين ، ووضع القاسطين ، ودفع المارقين ، الأخيشن في دين الله ، الممسوس في ذات الله ] .
وأخيراً لايبقى لي إلاّ أن أصف علي ( عليه السلام ) بلغة برهمية ، فعليٌ هو الذي يُفسّره الكلام ولكن لا تتم المعرفة إلاّ بكلامه ، فهو إمام المَعرفة وإمام الكلام ، وإمام الخير والسلام ، فمنه السلام وعليه السلام .
فها هو علي معَنى مُسجى على خشبة مسَرح التأريخ حوله الحسنان ويده تشير بالتوصية بالفقراء وتآخي الناس وتزويع الثروات العامة بالعدل ، بقي حتى آخر رمقٍ فيه ، وهو يوصّي بالمُجتمع وبالجماهير وضرورة الرحمة بقاتله ، لم يقل كلمة واحدة في شأن عائلته وشأن نفسه ، إنما عاش للجمَيع وبقي يعمل للجميع وآخر وصيته هي للكل ، فإجتَمع الكّل حول علي ، وداعاً يا علي بن أبي طالب ، وداعاً أيّها الإنسان ..وعظّم الله لكم الأجر بشهادته المؤلمة .

أسامة العتابي .

الأربعاء، 4 مايو 2016

ثُلاثي الإبداع والتجديد ..
محمد باقر الصدر، محمد تقي الحكيم، محمد حسين فضل الله ..

العنوان الذي رَفعهُ مركز ابن إدريس الحلي للتنمية الفقهية والثقافية وبالتعاون مع المركز الإسلامي الثقافي في العراق ، في مسابقته العلمية الفكرية ، التي أعلن عنها سابقاً ، بالكتابةِ عن ثلاثي الإبداع والتجديد - المحمدون الثلاث - (باقر الصّدر ، تقي الحكيم ، فضل الله) ، حيث تُعتبر أمثال هذه المُسابقات الثقافية التي يعقدها نُخبٍ عُلمائيةٍ مُثقّفة ، تعطي صورة تشَجيعية ، وحافز معنوي ، في التصدي لتحريك الأقلام تجاه علمائنا الكرام ؛ لنشر أفكارهم ومتبنياتهم العلمية ، فالإصلاح أو التجديد أو الإبداع ، مُصطلحات شاع أستخدامها للدلالة أو التعبير عن الإسهامات الفكرية لعلماء ومفكرين ومثقفين ، هدفت في غالبها إلى إبراز خصوصيات الفكر الإسلامي ومدى قدرته على مواكبة الزمن ومحاكاة العصر والحياة ، في ظلّ التطوّرات الكبرى التي شهدها عالم الإنسان ، فجاءت تلك المبادرات العلمية ؛ كيّ تركّز على نتاج علماءنا الأبرار ، ومنجزهم المعرفي ، وكيفية توظيف ذلك المنجز في الواقع المرير الذي تعيشه الأمة الإسلامية في هذه المرحلة ..
وقد تم الاحتفال بتكريمنا ، عن ما كتبناه في هذه المُسابقة المعرفية الكبيرة ، وأختياري المرتبة الثانية فيها ، عن بحثٍ كان بعنوان ( نَحو مَنهجٍ جديد في كـتابة التـاريخ - قراءة في الشروط الموضوعية والمَنهجيّة للتحليل التاريخي - الحكيم وفضل الله إنموذجاً) ، وسوف نشير إلى محاوره لاحقاً ، وكان أختيار الشخصيتين شرطاً من شروط المسابقة ، فأستثنيتُ (باقر الصدر) عن الساحة لإنه وحدة هو مدرسةٌ للإصلاح والإبداع والتجديد فوقع الاختيار على السيّدين (تقي الحكيم ، فضل الله ) .
ويأتي هذا التكريم لما يَحْمَلة مركز ابن ادريس الحليّ من هِمَّهٍ كبيرةٍ ، وحركةٍ دؤوبةٍ ، في تثقيف النخب العلمية على الكتابة والتحليلِ والتأليف . وهذا لا شك ولاريب أنه يصب في مصلحة الأمة لكي تنهض بواقعها ، فكانت مُسابقةً تنمويةً بأمتياز .
وأقدّم شكري وإمتناني وعرفاني ، للأخوة العاملين في المركزين المذكورين ، وخاصةً اللجنة العلمية الموقّرة ، ولجنة تحكيم المُسابقة ، على حسن ظنهم الوافر ، وعطاءهم الزاهر ، وملاحظاتهم المنهجية التي تصب في مصلحة البحث لرفد المسيرة العلمية .
حيث كان السيَّدين (تقي الحكيم ، وفضل الله ) كاتبين مفكريين إسلاميين عالميين من علماء الأمامية في العقود الوسطى والأخيرة من القرن الماضي ، على الصعيدين الحوزوي والأكاديمي ، حيث أثّرت كتاباتهما العلميّة والفكريّة في الواقع المعرفي والثقافي في الوسطين – العراق ولبنان – فكانا من المساهمين وبشكل واضح في رفد الحياة الثقافية بعطاءات ملموسة في مجالات عديدة كالفقه والأصول ، والتفسير واللغة ، والتأريخ والأدب ، والسياسة والإجتماع وغيرها من حقول المعرفة ، وكانا ذا مشاركة واسعة في المناسبات الفكرية المنعقدة في الندوات والمنتديات والتجمعات الثقافية والفكرية الإسلامية وغير الإسلامية . كما لا يخفى على من طالع سيرتهما ، ورأى العناصر القيادية في مسيرة الأمة المتوفرة فيهما ، فكانا من العلماء العاملين لخدمة الأمة من خلال الإصلاح ومن خلال التفاعل مع حركة الأمة ، من أجل التخلّص من عوامل التخلف داخلها ، فقد أحتل مفهوم – الإنسان – حيزاً واضحاً في أهتماماتهم ، وكانا يعوّلان عليه كثيراً في مسيرة الإصلاح والتغيير المجتمعي .
عطاءات هذين العَلَميَن على صعيد إصلاح المناهج الدارسية وتبسيطها وتحديثها ، كان واضحاً ، من أجل إيصال الثقافة الرسالية لهذا الإنسان وأهتمامه بدراسة حقوق الإنسان في الإسلام ، كانا يُريدان من خلال تلك المفاهيم أن يُبيّنان للإنسان ما يعد به الإسلام من قيّم ومبادئ في قِبال المدارس الأخرى التي أهتمت بحقوق الإنسان فضلاً عن أنهما أرادا من خلال ذلك تثقيف الإنسان المسلم بشكل عام والإنسان العربي بوجهٍ خاصة على المطالبة بحقوقه وينبغي ان يسعى لإجلها في سبيل تحقيق العدالة الإجتماعية . إن تلكما التجربتين الرائدتين كانتا ذات دور ريادي في الحركة الإجتماعية ، الذي ينبع من الفهم الإنساني التقدّمي لأهمية الإنسان في المسيرة الإصلاحية ، وما تلك الدعوات البارزة للسيّدين – الحكيم ، وفضل الله – بخصوص الحوار الفكري والعقائدي والإنساني بين المسلمين إلا شاهدةً على ذلك الدور الريادي في الأمة ، وما اشتراكهما في العديد من المؤتمرات التي كانت تعقد للتقريب بين المسلمين ، إلاّ لتحقيق هذا الغرض ، وإشاعة روح الحوار والتفاهم بين المسلمين لما كانوا يعيشون في ظل الاحتراب الطائفي والصراعات الجانبية المذهبية .
ولهذين العلمين وقفة نقدية رائعة تخص المجال التاريخي ، وهو جانب مهم من جوانب شخصيتهما العلمية ، حيث كانت دعوتهما لإعادة كتابة التاريخ بشكل موضوعي ومنهجي رصين بعيداً عن العاطفة والإتهامات والقضايا الثانوية ، ضروري جداً ، فقد أستندا إلى فكرٍ موضوعيٍ نيّر في البحث التاريخي ، فكانا ذوا ميزه قيّمه في المعرفة التاريخية ، حتى اتسمت كتابتهما بآليات عمل معيّنه وسياقات منهجية واحدة في تعاملهما مع المادة التاريخة ، فكانت الرؤية التاريخية واضحةً جداً عند السيّدين – الحكيم وفضل الله – ومدى امتلاكهما آفاقاً فكرية تاريخية رحبة ، في الاستعمال الناجح والمميز في تفسير أحداث التأريخ ، وهذا ما سوف نشيره إليه لاحقاً بمحورٍ خاص عن محاور هذا البحث ..
ولله الحمد على نِعَمة ظاهرها وباطنها .





















يا أبا العراق 
إنك لعلى نهجِ عليّ .




حقٌ أن مثلك لن يستريح، وهيَهاتٌ أن تستريح، وأنت على نهج آبائك وأجدادك ، تُقاسم الفقيرقرص الشعير كـ (علي)، وتَعيش نِكران الذات كـ (فاطمة) ، وتتجرّع مرارة سُمّ الفساد كـ(الحسن) ، ولو استطاعوا لعلّقوا رأسك على رُمح خذلانهم كـ(الحُسين الذبيح) وأنّى لهم ذلك ، وأنّى لهم ذلك ، وأنّى لهم ذلك ، وأنت الشعبُ كله .
ما هادنت ولا سَالمت ولا خَنعت لهم ، وكُنّت الذابّ بالحق وبالحقيقة عن هذا الشَعب الجريح . وكنت السائرَ على نهج جدّك علي بن أبي طالب الذي صَرخ في الدنيا (ما ترك لي الحقّ من صديق ) والقائل ( إنكم تريدونني لأ نفسكم وأنا أريدكم لله ) ..
أعلم أنك لن تستريح، وأنّى لمِثلك الراحة ؟ فروحك التي بين جَنْبَيك عَصيّةٌ على أن تنالها نسمات الدَّعة كما ينالها الفاسدون ، أو أن تُسافر إلى شواطئ الاستجمام، كما يسافرون ، والشعب يَموتْ يوماً بعد يوم ، فدون ذلك ودائع ( الحبيب محمد –ص-) التي تزدحم في مَسامات المسافة، فمَن يحملُها غيرُك ؟ ومن يوصِلها غَيرُك؟ ومن يسأل عنها غيرُك ؟.
هكذا كنت كفيلاً وكافلاً، مُعيلاً وعائلاً لهذا الشعب المَحروم ، تحتشدُ عندك اللحظات وتستطيل بلُطفِ الخَالق البركات ، كي تحمل قارورة الإصلاح ، وقناديل الهُدى ، وبريد النقاء ، وتدخل المنطقة (الحمراء) وأنت طالبٌ للإصلاح .
لا تحزنْ سيديّ ، فقد علّمنا أباك أنّ الرسالات لا تموت بموت رجالاتها ، وأنت اليّوم تُمثّل رسالة الإصلاح في عِراق عليٍ والحُسين ، و أنت من عَلّمنا أن نقابل الشوك بالورد ، والبغض بالحب، والحُقد بالصفح ، فيا لقلبك الواسع الشاسع ، ويا لعنفوانك الطامح الطافح ، ويا لسكونك الراعد العاصف ، ويا لصَمْتَك الصارخ الناطق ، ويا لنطُقك المُقاوم الرافض ، ويا لبَياض شيّبَك الذي ضَاقت به الأرض بما رَحِبت حتّى قُوبِلَ بالعداء ، ويا لنقائك العصي على أصابع الفساد والإنحراف والتشويه فهنيئا لك يا ( أبا العراق ) ، أشَجارك التي استطالت أغصانها في كل أرضٍ من هَذا الوطن الجريح ، حتّى أوصَلتها إلى ( الخضراء ) لكي يستضلّ تحتها المعتصمين الغاضبين الثائرين .
اترك لهم حِجارة التعب، أولئك الذين رضوا الإنزواء خلف متاريس الخرس والصَمت والفُرجه ، والاستماع إلى الصُراخ النشاز فقط ، ويقيناً أنّهم الآن مستاؤون، إذ بمَجيئك ، سَلَبْتَهم البضاعة التي يَحسنون الترويج لها، (ألا وهي النيل من العِراق النقي) ، استرح في خيمتك أيّها الثائر واترك لهم خُلوّهِم إلى شَياطينهم ، فلا تزال كَلماتك التي نطقت بها (قبل الدخول) ترّن في أسماعهم .
إنَّك ظاهرةٌ اسَتطاعت أن تكسر جبَروت حاجز الزمان والمكان ، وتكسر هِوّة الفساد الحكومي، وتخترق تنوّع الأجيال، فامتدّ مشروعك الإصلاحي سَابحاً ومؤثراً شرقاً وغرباً حيث نهل من مَعينهِ الصِغار والكبار ، ودعمه شيوخ العشائر الأوفياء ، وتابَعه المثقفون إسلاميين ومَسيحيين وعلمانيين وكل طوائف وقوميات وإتجاهات هذا الوطن ، وسَيبقى معينك دفّاقاً خالداً متجدّداً .
فسنابُلك الخضرُ دليلٌ على عِظَمِ الحب الذي تحمله لهذا الوطن ، وما الدموع التي تتقاطر من الأحبّه إلاّ دليل وحُجّة على الخلق أجمعين بصحّة نهجك، فأين أنت الآن وأين هم ؟
إنّك في خيمة (النور) وهم في قُصور (الجور) ، فقد آليت أن لا تخرج منها إلاّ وأنت مُصلح ما أفسده ( السياسيون ) .
يا أبــا العِراق ..
جَمعْتنا في ( خَيّمَتك ) لِنَكسرَ ما تبقَّى من صخورٍ مدَّها الطُّغيان ، لتعود إِليكَ نجوانا فأنت العَهد وأَنت حكايةُ التّحرير ، تسامقَ (مَشرُوعِك) لغةً بحجمِ الحُزنِ والحرمان فكُلّ زمانٍ لهُ سيّدُ وكُلّ عظيمٍ لَهُ مَوعدُ..وأنت سيّد العِراق ، يا أبا العِراق .


كاظُميَّتنا التَحْرير .. 





ورد عن الإمام موسى بن جعفرٍ (عليه السَّلام) في بعض وصاياه لشيعته قائلاً : ( يا مَعشر الشيعة لا تَذلُّوا رِقابكُم بترك طاعة سُلطانِكُم، فأن كان عادلاً فاسألوا الله إبقاءه ، وأن كان جائراً ( أي ظالم فاسد ) فاسألوا الله إصْلاحه ، فأن صلاحكم في صَلاح سُلطانكم ، فلا تُصلح الرعية إلاّ بصَلاح الولاة ، ولا تُصلح الولاة إلاّ بإستقامة الرعية ، فإذا أدت الرعية حقّها ، وأدى الوالي حقّه ، عزَّ الحق بيَنهم ، وقامت مناهج الدين واعتدلت مَعالم العدل ، وجرت على إذلالها السُنن ، فَصَل بذلك الزمان ، وطَمَع في بَقاء الدولة ، ويئست مَطامع الأعداء ) آمالي الشيخ الصدوق : ص 418 .

من هذا المُنطلق الثوري الإصلاحي الكبير ، وبمُناسبة قُرب ذكرى شهادة الإمام الصّالح ، الزاهدُ العابد ، المقتول الشهيّد ، مولانا موسى بن جعْفر ( صلوات الله عليه ) ستكون كاظُميّتُنا لهذه السنة هي ساحة التحرير ؛ لنكون مُطبَّقين لوصَايا الإمام في ذكرى شهادته الأليمة ، ولنوظّف وصاياهم في سلوكنا وحياتنا ، إضافةٍ إلى مراسيم الزيارة الأخرى ، فالجمع أكمل من أن تزور وتذهب تُطالب بحقَّك ..

لإننا لا بدَّ أن نعيش مع مفاهيم الإسلام الّتي يطرحها الأئمة(عليهم السلام) في وصاياهم وسلوكياتهم ، والتي -لا شك - أنها تتَّصل بحياتنا بشكلٍ مباشر او غير مباشر ، سوَاء من تحدّيات التي تواجهنا كأفراد، أو تواجهنا كمُجتمع ، أو كدولة ، لأنَّ علاقتنا بأهل البيت(ع) ليست علاقة نبضة قلب يَخفق بحبِّهم، وليست علاقة دمعة تسكب على مأسَاتهم، ولكنَّ قضيَّتهم هي قضيَّة الخطّ الّذي تحمّلوا الصّعوبات وعاشوا التّضحيات من أجل أن يبقى مُستقيماً في حياتهم، وتلك هي قضيَّتهم، في أن يعطوا الإنسان من خلال فكر الإسلام في فكرهم، ومن خلال وصايا الإسلام في وصاياهم، إشارة الانطلاق ليعيش إنسانيَّته، بحيث يغني حياته بتلك الإنسانيّة.
فقد ورد عن الإمام الكاظم (عليه السلام) في قوله لأحد أصحابه: ( أبلغْ خيراً، وقلْ خيراً، ولا تكن إمَّعة"، قيل: وما الإمَّعة؟ قال: "لا تقل أنا مع النّاس، وأنا كواحدٍ من النّاس، إنَّ رسول الله قال: يا أيّها النّاس، إنّما هما نجدان؛ نجد خير ونجدُ شرّ، فلا يكن نجدُ الشرّ أحبّ إليكم من نجد الخير ) هذا الحديث يخاطب النّاس الّذين يواجهون الحياة في كلِّ صراعاتها وفي كلّ إشكالاتها بالطّريقة السّلبيّة، بحيث لا يسعون إلى اتّخاذ المواقف وفقاً لما يصل إليه تفكيرهم، بل إنّهم اتكاليّون، يريدون للآخرين أن يفكِّروا عنهم ، او يتحركوا عنهم ، أو يخرجوا في المُطالبةِ بالحق نيابةً عنهم ، ليتحرّكوا على ضوء ما وَصَلوا إليه في تفكيرهم، فهم لا يُريدون أن يعيشوا مسؤوليّة الفكر، إنما يقولون للآخرين: فكِّروا لنا، ولا يقولون: فكِّروا معنا ، أو تحرّكوا معنا ، أو تظاهروا معنا ، هؤلاء الَّذين إذا سُئِلوا عن الموقف في الدّنيا إزاء أيّة مُشكلة ، قالوا: لا موقف لنا! هؤلاء الَّذين إذا عاشوا ساحة الصِّراع هربوا منها، لأنهم يريدون أن يعيشوا باسترخاء، هؤلاء الحِياديّون الذين إذا انطلقت مَعركة الحقّ والباطل، وقفوا على التّلّ يتفرّجون، وإذا جاءت الغنيمة نزلوا إلى السَّاحة ليأخذوا حصّةً منها... هؤلاء الذين هم مشكلة كلِّ الشّعوب الباحثة عن حُرّيتها، والباحثة عن مواقعها، هؤلاء الّذين قد يطلق عليهم اسم "الأكثريّة الصّامتة"، الّتي يتحوَّل صَمْتها إلى حالة شيطانيّة ينطبق عليهم فيها الحديث: (السّاكت عن الحقّ شيطان أخرس ) . إلاّ أن الثائرين من أجل الحق ستكون كاظميّتهم لهذه السنّة هي الحركة والثورة والإصلاح والخروج من أجل إنهاء كلّ حالات الفساد التي أرتكبتها حكومات العراق ما بعد 2003 ، ليعود العراق إلى صورته الزاهرة الأولى ..

فلتُكن كاظُميّتنا التحرير - إن لم تستجيب الحكومة لمطالب الشعب - .

ومن الله التوفيق ..

شريفة بنت الحسن في المِيزان العلمي . 
بعَيداً عن المُهاترات والصِراعات والخلِافات في الصف الشيعي ..






حينما تُلتبس الرؤى ، وتشتبك الإجتهادات والآراء ، ويدخل من ليس له أختصاص في تحقيق مسألة تأريخية ما ، أو موقفٍ شرعي خاص ، تجد البعض يَعيش العُقد النفسية ، والميولات الحَزبيّة الضيّقة ، وتكون هي الغالبة على عقول أولئك ، فنتحول من حَالات الحوار ، إلى حالات الصراع والفرقة والخلاف وتشابك الخطوب والإتجاهات ، كما أن المسألة التاريخية ، والقضايا الفقهية والشرعية ، عندما تخرج من سَاحةِ العلم والعُلماء ، وتدخل ساحة الجهلِ والجُهلاء ، سوف يقع المُجتمع في حيصٍ وبيص ، فيزدوجون ويتناقضون مع أنفسهم ، ولا يستطيعون فكاكاً من مَوروثهم الذي ألّفوه ، ولا قدرة لهم على تجاوزه والتعالي عليه فيقعون في خانق الحرج والإرتباك ، فنهيب بالنُخب المثقّفة ان تتصدى بقدر إمكانها في بيان خطورة هذا الموقف في المسائل التاريخية التي تترتب عليها آثار سلبية على الواقع الذي تعيشه الإمة الإسلامية ، والشعب العراقي بالخصوص ..

السيَّدة العلوية شريفة بنت الحسن ، التي أشغلت الساحة الدينية مؤخراً في نَسبها ، وفي مشروعية قبرها ؟ فذهب بعضٌ إلى عدم الإثبات مُطلقاً ، وذهب الآخر إلى أثبات وجودها ، وموضع قبرها ، رغم أن المدافعين - مع شديد الأسف - على القول بعدم الأثبات ، أنطلقوا من الدفاع عن الأشخاص القائلين به ، ولم ينطلقوا من التحقيق العلمي والتاريخي في ذلك ، فكإنّما المسألة هي مسألة تقليد من يقول بعدم إثباتها ، والمشهور عِندنا بإن المسائل التأريخية لا تقليد فيها ، فأستطيع أن اُخالف مرجعي في مسألةٍ تاريخية ما تثبت لي بالأدلة العلمية المُعْتمدة ، رُغم عدم ثبوتها عنده . وكذلك نتأسف للمُدافعين عن إثبات وجودها ، حيث أنطلقوا من العاطفة غير المُعقْلنة ، والمَحبّة الشديدة التي تصل إلى حدّ التقديس ، والكرامات الحاصلة للقبر الشريف ، والمَنامات التي تُرى ، والكُشوفات التي تحصل لبعض الناس وغير ذلك ، بل أنطلق البعض في الدفاع عن إثبات وجودهاً ندّاً للذين أنكروها فصرنا نعيش ثنائية الذات والآخر ..

وعلى هذا الإساس ، فإذا أعتبرنا التاريخ مَعارك سياسية ، وخلافات فكرية ، فلن نصل إلى شيء نُريد أن نثبته أو نُنكره ، و لم نرتقي في حَضارتنا إلى مستوى الإعتدال والحوار والنقد البنّاء .

وقفاتٌ عَلميةٌ لقَبرِ السيَّد العَلَوية .

1- إن أقْدَم وثيقة شيعية تاريخية نَسَبية تتعلق في عدد أولاد الإمام المعظَّم السبط الشهيد مولانا الحسن المجتبى (ع) هي ـ بحسب المُختصين ـ وثيقة الشيخ المفيد في الإرشاد، فقد أحصى أسماء أولاد الإمام فبلغت خمسة عشر ولداً؛ الذكور منهم :أحد عشر ذكراً؛ وأربعة منهم إناث ، هُنَّ : ( أم عبد الله/ فاطمة / أم سلمة / رقية ) . اثنتان منهنَّ لم تذكر لهما المَصادر التاريخية اسماً ؛ بل ذُكرتا بالكنية وهما: أم عبد الله وأم سلمة .

2- يَرجع المُحققين السبب في عدم التصريح بإسم (أم عبد الله وأم سلمه) كغيرهما من أسماء بنات بقية الأئمة الأطهار عليهم السلام إلى أمرين هما :
(الأمر الأول) : اندثار الأسماء باندثار النسخ التاريخية المصدرية بفعل البعد الزمني الفاصل بيننا وبين عهود الأئمة ما أدَّى إلى الجهل بأسمائهم الشريفة ..
(الأمر الثاني) : عنصر التقية الشديدة التي عاشها الشيعة في عهود النواصب الظالمين في دولتي بني أمية وبني العباس ، مما أدَّى إلى التغييب القسري لأسماء بعض بنات وأزواج الأئمة الطاهرين حرصاً من الشيعة على ذوات أولئك الطاهرات (عليهن السلام) من أن ينالهنَّ الأذى من قبل الظالمين .
هذان الأمران غاية في الأهمية لإعطاء ضابطة كليّة للشيعة للتحفظ على عدم التسرع في الإنكار والجحود لكلِّ شخصية هاشمية محتملة الثبوت إلى ذرية الأئمة الطاهرين عليهم السلام لا سيَّما بناتهم وأزواجهم الشريفات الصدِّيقات عليهنَّ السلام .

3- إن الأصل العلمي - في المقام - يقتضي القول بأن السيَّدة (شريفة) ليست بنتاً صلبية للإمام الحسن المجتبى (ع) ، وهذا الأصل هو ما يسمى بالقدر المتيقن في الخطاب، وذلك لأن الحكم بكونها بنتاً صلبية له لا يتم إلاّ بدليل أو رواية ظنيّة نطمئن إليها أو معتبرة سنداً أو دلالةً نقطع بها صحة النسبة إلى المعصوم (ع)، وكلاهما مفقود في مورد النسبة للسيدة (شريفة) صاحبة المرقد في الحلة، فلا بدَّ ـ والحال هذه ـ أن نبني على عدم كونها بنتاً صلبية للإمام الحسن (ع) ؛ نعم إن مقتضى قاعدة الاحتياط هو الحكم بعدم طرح كل ما يحتمل نسبته إلى الأئمة الطاهرين ، لاسيما القبور المنسوبة إلى ذراريهم، فينبغي للمؤمن أن لا يزور صاحب المشهد أو القبر الشريف برجاء كونه ابن أو بنت صلبية للإمام ، ومن هذا القبيل المرقد المعروف في الحلة باسم السيَّدة (شريفة) إذ ليس في مصادرنا ما يثبت بأن هناك بنتاً لإمامنا الحسن المجتبى بإسم(شريفة) إلا أنه من المحتمل أن تكون إحدى البنتين المكنتين بأم عبد الله وأم سلمة ، فمقتضى الاحتياط أن لا يتسرع الفقيه في الحكم بالنفي؛ فإنه خلاف التقوى والورع...وإذا دار الأمر بين كونها بنتاً للإمام وبين كونها من ذراريه، فالأصل يقتضي كونها من ذراريه شريطة أن تكون النسبة الهاشمية الحسنية متحققة بشهرة يطمئن بها إلاَّ إذا دل الدليل المعتبر على أنها من بناته الصلبين، فيحكم بكونها بنتاً صلبية له صلوات الله عليه .

4- ينقل بعض كُتاب التاريخ ، وأرباب السير ، بأن الإمام الحسن (ع) لقّب ابنته (رُقية) بـ ( شريفة ) لتميزيها عن السيّدة ( رقية ) بنت الإمام الحُسين (ع) ، وهذا مما جعل البعض يشتبه بإن تلك الموجودة في الحلّة هي السيّدة شريفة التي هي نفسها السيّدة رقية ، وهذا الأمر غير صحيح إطلاقاً ، حيث أن رقيّة بنت الإمام الحسن قد أشارت بعض مصادرنا المعتبرة بإنها قد دُفنت في المدينة عند رجوع السبي من كربلاء . كما ان التمييز المذكور ليس من الإمام الحسن ، إنما وَضَعه بعض الكُتاب كما وضعوا عليٌ الأكبر وعليٌ الأصغر للتمييز ، وإضافة لذلك فأن الخبر غير تام عقلاً ؛ لإن رقية بنت الإمام الحسن أسبق ولادةً من رقية بنت الإمام الحسين فكيف يحصل التمييز قبل ولادة الثانية على القول بإن للإمام الحسين بنتٍ أسمها رقيّة لإنها موضع خلاف ...

5- الشهرة بما هي شهرة عامية من دون أن تكون مستندة إلى دليل علمي لا تكون حجةً شرعية في إثبات النسب الصلبي للمعصوم ، ولو اشتهر بين العوام بأن ضريحاً ما هو لابن المعصوم ، ولم يكن هناك دليل على صحة النسبة إلى المعصوم فلا بأس حينئذٍ في العمل بالاحتياط بزيارة صاحب الضريح برجاء المطلوبية، أي: برجاء كونه ابن المعصوم وليس بالضرورة أن يكون أبناً صلبياً ، فإنه يمكن ان يُلقّب لذراري المعصوم بإسم أنهم أبناءه كما يُلقب السادة بأنهم أبناء رسول الله (ص) ؛ وهذا أبرأ للذمة عند الله تعالى والحجج الطاهرين عليهم السلام ، فيُزار القبر بعنوان أنهُ باب من أبواب الله تعالى ، وأننا نشهد بحُرمة صاحبه ، وأن له عند الله مقاماً ومرتبةً عالية ، بلا أن نذكر أسم صاحبه - إن شككنا بنسبة (الشخص) أو وجود (القبر) - .

6- إن تكرّر الكرامات من صاحب المقام أو الضريح الشريف بما هو مقام أو ضريح؛ ليس دليلاً على القطع بالنسب للمعصوم ، إذ إن صدور الكرامات عند الضرائح المجهولة النسب لا تعني بالضرورة أن صاحب الضريح من ذرية الأئمة الطاهرين ، إذ إنه قد يكون من أوليائهم المقربين، وأعظم شاهد على ما نقول هو ما يصدر من كرامات عند ضريح الولي الصالح حبيب بن مظاهر الأسدي وغيره من أولياء أئمة أهل البيت عليهم السلام، بالرغم من عدم كونهم من ذرية الأئمة الطاهرين عليهم السلام، فصدور الكرامة عند الضرائح المقدسة أعم من أن يكون أصحابها من ذرية الأئمة المطهرين عليهم السلام، نعم أغلب الكرامات تصدر من مقامات لأولاد الأئمة الطاهرين سلام الله عليهم، ولكنه معلوم الحال، وكلامنا في المقامات غير معلومة الحال بالنسب الشريف، فالأصل يقتضي القول بأنها لأوليائهم من شيعتهم الموالين والمتبرئين من أعدائهم أجمعين ، فلا نسرع في الحكم على حرمة الزيارة له - حتى لو كان مشكوك النسب - .

7- المصادر التي لابد الإعتماد عليها في أثبات صدقية النسب أو المرقد هي :
أ‌- الشهرة والسيّرة العملية يداً بيد عن الإجيال السابقة وصولاً إلى زمان صاحب القبر.
ب‌- الشهادات الموثوقة ، كشهادات العلماء ، أو مؤرخي التاريخ ، أو الجغرافيين ، أو الرحّالة ، أو الفقهاء ، او ممن عاصروا صاحب المرقد وعاينه ، أو نُقل عن الثقاة ، أو شهدوا بشهرةٍ ممتدةٍ إلى زمن صاحب الضريح ، أو شهادة ذراري أو أبناء أو أحفاد صاحب المرقد ..
ت‌- الإستناد إلى علماء الآثار والطب ، فأنها تنفع في المقام ، وذلك من خلال الدراسات الميدانية ، وقراءة شواهد القبور ، ومعرفة نوعية الخطوط المكتوبة عليها ، التي يمكن تحديد الفترة الزمنية لها .

8- المصادر التي لا يمكن الأعتماد عليها في أثبات صدقية المقامات أو تصحيح نسبة القبور إلى إصحابها هي :
أ‌- المنامات : فهي لست حجة شرعية في إثبات شي او نفيه .
ب‌- حصول الكرامات : فلا يمكن التعويل عليها في أثبات صحة المرقد ، فإن ما يحصل من شفاء مريض أو عليل أو قضاء حاجة أو غيرها ، كُلها كتعبير عن لطف الله تعالى ببعض عبادة الذين يتوجهون إليه بإخلاص ، وصدق نية ، متوسلين إليه تعالى ببعض أسمائه أو انبيائه أو أولياءه ، او بحرمة صاحب القبر ، وهذا لا يتنافى مع قانون السببيّة كما هو المتحقق عند علمائنا الأبرار في أثبات مشروعية زيارة القبور والدعاء عندها .
ت‌- الكشف والشهود ، وهو ما قد يحصل عند العرفاء او المتصوفة ، أو بعض عامة الناس المؤمنين ، فهذا لايمكن الاعتماد عليه أيضاً ، في كونه حجّة على الآخرين ، نعم قد يكون بيّنه لصاحب الكشف والشهود ، وهي خاصٌ به ، ولا يمكن تعميمها على الآخرين في الأعتقاد بما رآءه ذلك الشخص .

وأخيراً :

علينا أن لا نتسرع في إنكار القبور المُشكوك صحتها ، كما أننا لا يمكن أن نقطع باليقين في أثباتها السندي والتأريخي ، كما أن جريان حكم الأصالة في ذلك مما يمكن الأعتماد به أيضاً ، وعلينا ان نترك كل تلك المُهاترات التي تحصل بين القائلين بإثبات القبر الشريف ، وبين المُنكرين له ؛ لكي نخرج بصورةٍ حوارية نافعة للآخرين , ولله الحمد على نِعَمَه ظاهرها وباطنها .

أسامة العتابي
30 / 4 / 2016 م .. 







وأخيراً ترجّل الشعب عن جَوادهِ ... وهوى الضوءُ الى عَلياءه ... إنه الشعب العراقي الثائر.. إنه بسمة الزمن في زمن النحيب... إنه رقصة الفجر في زمن الغروب.. يا صحوة السيف في زمن الهُروب.. يا يقظة الرمح السَمهريّ فــي زمن السُّبات.. ياشوق ألارض في الزمن الجديب .. يا بهجة العمر ياشَغَفَ القلوب ..
نعم إنهم ...
أرادوه شعباً حبيساً في قُمقمهم... وأردناه أن يبقى يتنفّس الحرّية في الهَواء الطلق ..
أرادوه شعباً مُفصَّلاً على قياس مَصالحهم... وأردناه مفصّلاً على قياس كلّ المستضعفين والمظلومين.
أرادوه شعباً فئوياً ومُحاصصياً ... وأردناه يحتضن الجميع بأسره .
أرادوه شعباً مشلولاً عن حقّه ... وأردناه متحرّكاً يُسافر في كلّ العصوريستلهم الماضي ، ويحتضن الحاضر ، ويستشرف الآتي من الزمن .
أرادوه شعباً مُقيّداً ومُكبَّلاً بكلّ ألوان القيود... وأردناه شعباً مُتحلّلاً من سَلاسَلِهم وينفض عَنهُ كلّ غبار سنينهم العُجاف ...
أرادوه شعباً مُعلّقاً على جدران خَضراءهم ، يُعاني صقيع العُزلة والوحدة ويشكو وجع الصدأ والغبار... وأردناه شعباً فتياً يَخترق الأيام ، ويسابق الزمن ، ويُحطّم كل مشاريعهم الطائفية.
أرادوه شعباً مُحنّطاً... وأردناه ينبض بالحياة ، يمسح دمعة اليتيم ، ويُبَلْسم جِراح المساكين ، ويكفكف أنين الموجوعين... ويرهف السمع إلى صرخة المظلومين...
أرادوه شعباً في خدمة دنياهم يركع أمام سُلطانهم ، ويسجد بين أيديهم ... وأردناه شعباً مستطيلاً ، شاملاً ، شامخاً ، ثائراً ، ينتفض عزّةً وإباءً و كبرياءً .
أرادوه شعباً هجيناً... وأردناه شعباً صَريحاً قُراحاً نقيّاً لا يخاف في الله لومة لائم .
أرادوه جارية تُعرض في سوق النخاسة... وأَمَةٌ في سَرداب الرقّ تُباع بأبخس الأثمان... وأردناه غادةً ، تركل بقدمها تُجَّار الهَيكل ، وسماسرة الكرامة ولصوص الليل والنهار لتكون حرّة.. حرّةً... تخطر كالطيف في ليلة قمرية ناصعة .
أرادوه شعباً مَطروحاً في غَيَابَةِ الْجُبِّ ؛ لتأكله ذئابهم ... وأردناه كَوكباً دُرَّياً مضيئاً كَوَجْه يوسف ...
أرادوه شعباً يَغتال الفرح ، ويفترس الأحلام ، ويغتصب الأماني ، ويقتل الرّغبة والأشوق والحنين... وأردناه شعَباً يُهدهد الأحلام ، ويحتضن الفرح ،ويحمل الأمل ، ويسافر في الشوق والتوق إلى مستقبل جديد ..
أرادوه شعباً أخرس أبكم... ينطقون بإسمه فقط... وأردناه ناطقاً بليغاً ، يطالب بحقّه وينتفض من أجل حقوق الآخرين .
أَرَادُوا ... وأَرَدنا .... فكــانت إرادتنــــا أقــــوى .
أسامة العتابي
1 / 5 / 2016 م
مأساة الأئمة هي مأساة الإسلام ..


عندما نتذكر أئمّة أهل البيت (ع) في مآسيهم، فعلينا أن نتذكر مأساة الإسلام الذي نعيشه ، مأساة الإسلام في الحاضر والماضي ، فنفكّر في عدم تمكين الطّغاة من اضطهاد السَّائرين على خطِّ الإمام الكاظم (ع) وخطّ آبائه وأجداده، لأنَّ بعض الناس ربما يبكون على الإمام الكاظم(ع)، ولكنَّهم يقتلون ألف كاظمٍ وكاظم، ولو في مستوى الواحد في المائة، ويبكون على الإمام الحسين(ع)، ولكنّهم يبايعون ألف يزيدٍ ويزيد.. إلاّ أن قيمة الدّموع هي أن تكون حارّةً تُحْرَق قلوبنا،وتلهب إرادتنا، وتُحرَّك حياتنا، أمّا دموع الخنوع والذلّ، فإنها تماماً كدموع عُمر بن سعد الّتي كانت تنحدر على لحيته المشؤومة عندما سمع نداء زينب(ع)، ولكنّه كان يتطلّع إلى مُلك الرّيّ، وكان يقول: "اشهدوا لي عند الأمير أنّي أوّل من رمى". فكم من أميرٍ نطلب أن يشهد لنا النّاس عنده بأنّا سجنَّا مؤمناً، وقتلنا، واضطهدنا مؤمناً، وشوَّهنا صورة مؤمن وما إلى ذلك؟! وكم لدينا من عمر بن سعد يبكي ولكنَّه يقتل الحسين(ع)؟ وكم لدينا من أمثال هؤلاء الَّذين كانوا يسلبون بنات الإمام الحسين(ع) ودموعهم تنحدر على خدودهم، ليقولوا إنّنا نخاف أن يسلبكنّ أناس آخرون قساة؟ كم لدينا من هذه العقليّات؟ وكم لدينا ممّن سجنوا موسى بن جعفر (ع) وأنكلوا به ، إنَّ الأئمّة(ع) انطلقوا من أجل الإسلام، وعلينا ان ننطلق من أجل الإسلام ، حتى إنّه روي عن عليّ بن الحسين(ع) أنّه قال: (أحبّونا حبَّ الإسلام ) ،أي لا حبَّ الذات ؛ لأنهم يجسِّدون الإسلام فكراً في فكرهم، وقلباً وحركةً في مشاعرهم. فلا بدَّ من أن نتمثل الإمام الكاظم(ع) عندما نعيش ذكرى شهادته الأليمة ، فكان (ع) يمثّل النشاط لإسلامي الحركي بكل أبعاده وتفاصيلية ، فعظّم الله أجوركم وأحسن لكم العزاء بذكرى شهادته الأليمة ..
أروع ما قرأته في تُراث الإمام الكاظم (عليه السَّلام ) هي وصيته لـ هشام بن الحكم في بيان أُسس الثقة بالنفس ، ومعرفة حجمها وطاقتها وأهدافها،عندما قال له : ( يا هشام ، لو كان في يدك جوزة ، وكل الناس قالوا أنها لؤلؤة ، ما كان ينفعك وأنت تعلم أنها جوزة ، ولو كان في يدُك لؤلؤة ، وكل الناس قالوا أنها جوزة ، ما ضرَّك وأنت تعلم أنها لؤلؤة ) . 
فيُشير الإمام (عليه السَّلام ) في وصيّته الرائعة هذه ، إلى أن الإنسان يعرف قدر نفسه، وقدر أهدافه ، وقدر مبادئه ، فلا يهتم لكلام الناس إن أرادوا هزيمته أو تضعيفه او تسقيطه ، فلا تهتم لمن يضخّمك ويُمْدحك ويُكبّرك وأنت تعرف نفسك ؛ لإنهم إذا حمّلوك إلى فوق وتركوك فسوف يكون سُقوطك مَريعاً ، كما لا تهتم لمن يحاول تضعيفك وأنت تعرف هدفك ، فعلينا أن نؤمن بأننا إذا كُنا على حق ، ان نرفض كلَّ الكلمات التي تُحاول أن تصفنا بالباطل .

25 / رجب الأصب / 1437 هـ
في ذكرى شهادة الإمام الكاظم (عليه السلام)