الاثنين، 10 أكتوبر 2016



( الإصلاح أعظمُ شعيرة من شعائر الحُسين )
عاشوراء الــدم ، شَهادةٌ للعصــر ، وبوابــةٌ للنصر .



يقول المُفكّر الأديب الفَقيهُ اللُبْنانيّ عَبْدُ اللهِ العَلَايلِيّ ( إنّ معركة الإمام الحُسين هي معركةِ إرجاع الحقِّ كميزانٍ للأمّةِ وكقضيّةٍ اجتماعية ، وكميزانٍ للحُكمِ كقضيةٍ سياسية ، فالإمام الحُسين لم يدعو الناسَ لنُصرتهِ بأعتبار شخصه أو بأعتبار نسبه ، إنما كان يدعو الآخرين أن يتأمّلوا الحقّ مع من ، ثُمَّ ينصرونه ) المصدر: سُمُوّ المَعنَى في سُمُوّ الذَّات - أَشِعَّة مِن حَيَاة الحُسَيْن – ص 81 .
من هذا المُنطلق يتبيّن لنا أن ثورة الحُسين الإصلاحيّة هي ثورة من أجل القانون والعدل وليست ثورة من أجل المنصب أو الحُكم أو الثروة ، بل هي ثورة للرمز والخلود ، لإنها جعلت للحقِّ قيمةً ذاتية ، فالحُسين بات يُمثَّلُ صوت الناس وصوت الجماهير ، فعندما تتكاتف تلك الجماهير على فعل الخير وصنُع الحُرية ؛ فإن روح الحسين تتحقق في الواقع ، وعاشوراء اليّوم هي قضية رفض لكل أنواع الفساد ، فتضع الإنسان أمام خِيارين : خيارُ أن يرتفع وأن يُضحَّي ، وخيارُ أن يخونَ وأن يظلم وأن يخضع للواقع الفاسد .
اليّوم نحن في عِراقنا الجريح ، بأمسّ الحاجة إلى التضحية ؛ لإن قضية إصلاح المُجتمع تستحق أن يُضحّي لإجلها الفرد والمُجتمع ، مهما كانت مكانة ذلك الفرد وقُدسيّته وموهبته ووضعه الإجتماعي ، وهذا هو خط الإصلاح الحُسيني الذي ضحّى فيه الإمام بنفسه وبعياله وبأولاده الذين كانوا يمثلون صفوة المُجتمع .

اليّوم الكلّ مسؤول على مايحدثُ في العراق ، والوضع يحتاجُ إلى صرخةِ دمٍ ، وليس انتقاداً بارداً فحسب ، كصرخة الدم الحُسيني تلك التي لولاها لكانت كل المُجتمعات اليّوم تقرَّ بشرعية الانظمة الأستبدادية الفاسدة على أختلاف أفكارها .
لقد حدّدَ الإمامُ الحسين – عليه السلام – طبيعةَ ثورتِه بكونِها " طلبَ الإصلاح " وهو طلبٌ متجدّدٌ؛ لكونِ حاجةِ الإنسانيةِ غيرَ متوقّفةٍ عند حاجة، ولكونِ الإصلاحِ جزءاً من طبيعةِ الإبداعِ لفطرةِ المخلوقِ البشري، سواء لدى الفرد، أو لدى الأمة؛ فكانَ الحسينُ مصدرَ الوعيِ الأولِ ضِدَ تخوّفاتِ الشللِ المُستقبليّ لكلِّ أمة تعاني القهرَ والاستلاب ( كما في العراق ) ، وعاشوراءُ تمثّلُ طاقةً من الأملِ المستمرِ في إمكانيةِ إعادةِ بناءِ الإنسانِ وتوجيههِ نحوَ الإبداعِ، وصنعِ الحرية ، إذ أنَّ الحريّةَ لا تورّثُ، ولا تُمنح بل أنها تُصنعُ، وتتكون وأين نحن من حريتنا في العراق هل يُمكننا أن نصنعها أم لا ؟.
وإذا كانت عاشوراءُ ثقافةً في نقدِ الواقع؛ فهي تتعالى في أن تُحبسَ بعنوانِ كونِها مناسبةً بُكائيةً، أو إعادةَ سيرةٍ رثائية، أو تجميدها في طوطميات تجريدات، ذهنيّة، عرفانية، أو فلسفية لا صلةَ لها بواقعِ الإنسانِ وتاريخِه، ومعاناتِه وطموحاتِه وبناءِ الذاتِ الثورية من داخلِ المعنى المتجدد للتقوى والعدالةِ القرآنية ، وهذا المعنى نحتاجه اليّوم في عراقنا الجريح ، فمدرسة الحسين فوق الإنتماء ، وفوق العزاء ، وفوق التَمَذْهبّ ، وفوق القومية ، وفوق الزمان والمكان ..
الحُسين هو وراث خط الإصلاح منذ آدام وحتى محمد (ص) ، وبقي هذا الخط يَرَثهُ المُصلحون والثوّار والمُلهمين بنهج الحُسين (ع) ، وما نُشاهده اليّوم من مشاريع نهضويه إصلاحية في عراقنا الجريح ، يقوم بها سماحة السيَّد القائد مقتدى الصدر (دامت مساعيه) إلاّ شاهداً حيّا لديْمَومة هذا الخط ، من أجل أن يبثَّ تلك الروح الثورية الحُسينية في نفوس الجماهير في أن تُطالبها بحقِّها المَسلوب ، وأن تحمل شعار الإصلاح كعنوان لمَسيرتِها النهضويّه .
وفي ذكرى واقعة الطفَّ ، خطّ لنا راعي الإصلاح عدَّةِ وقفاتٍ إصلاحية ونحن في شهر سيَّد الإصلاح والمُصلحين ، كيّ نُقرّرَ مصيرنا إما أن نكون أو لا نكون ؟ ولنُقرّر الالتحاقَ برَكبِ الصالحينَ، والمُصلحينَ، والعامليَن في سُبُلِ عزّةِ مجتمعِنا وأُمتِنا؛ فقضيةُ الإمام خالدة، وتتطلّبُ – بإستمرار- أصحاباً، وأنصاراً؛ للذَودِ عنها، ورَفعِ شأنِها. فلنكُنْ _جميعاً_ من هؤلاء، الذين يخرجون من سجنِ أناتهم، وينعتقون من رَبقةِ الخوف، وينطلقون في مشروع القبضِ على الحريّةِ، والعزةِ لهم ولأبنائهم ومجتمعهم .  ولعلّ من أهمِّ دروسِ عاشوراء، هي أنّ إنجاز طموحاتِنا رهَنُ إرادتِنا، وعزمِنا مهما كانت الصعوباتُ، والعقبات. لأنّ إرادةَ الإنسانِ فوقَ التحديات, وبها يستطيعُ الإنسانُ أن يتجاوزَ كُلَّ الصعوباتِ، والعراقيل .
ومن تلك الخطوات هي :
أولاً : فكرة إنطلاق مظاهرة شعبية عارمة بعد إنتهاء مراسيم عاشوراء ، وهذه الفكرة تمثل الحرية الحُسينية للجماهير ، فلاحرية بدون أحرار، ولا ديمقراطيةَ بدون ديمقراطيين، وأن كلّ حريةٍ بلا أحرار هي حريةٌ شكليّة، وإّن حجرَ الزاوية في مشروعِ الحرية، هو وجودُ الإنسانُ الحر، الذي يُترجمُ قيمَ الحريةِ ويدافعُ عن مقتضياتِها ومتطلباتِها . لذلك نجد الإمامَ الحسين(ع) يعلنُ: "واللهِ لاأعطيكم بيدي إعطاءَ الذليل، ولا أُقرّ لكم إقرارَ العبيد"، " ألا وأنَّ الدعيَّ ابنَ الدعي قد ركزَ بين اثنتينِ، بين السِلّةِ والذلّة وهيهات منّا الذلة" .  إضافة إلى كونها مظاهرة لجميع أبناء الشعب العراقي - لا صدرية و لا مدنية ولا أيّ عنوان يُرفع بها - لإيصال صوت الإصلاح إلى داعمي الفساد .
ثانياً : فكرة الإستمرار بالمظاهرات الغاضبة ضد مفوضية الإنتخابات ، تُعبّر عن أسُّ عمَلية الإصلاح وجوهرها ؛ لإن هذه الفكرة تَقطع الطريق على الفاسدين ، وتُحجّم دورهم ، ولهذا تحتاج إلى نفوس أبيّه ، تتحمل الصبر كمل تحمّل الحُسين (ع) ، فمن يُحبّ الحسين؛ فليعمل من أجلِ الإصلاح في أمةِ جدّه، كلٌّ بحسبِ طاقتِه وإمكاناتِه وأن نسيرَ في طريقِ الخيرِ ونعملَ في صناعتِه في كلِّ دوائرِ الحياة التي نمرّ بها وخاصةّ حياة العيش السليم في عراقنا الجريح ، كما ويريدُنا أبو عبد الله الحسين (ع) أن ننصرَ المُصلحينَ في الأمة، ولا نتفرّج عليهم، بل نساندهم وندعمهم، وأنْ نقفَ ضدّ كلِّ ظلمٍ يحدثُ في حياةِ الإنسان، وأنْ لا نكونَ متفرجينَ تجاهَ واقعِ مجتمعِنا وأمتِنا، وإنما شركاء في صناعةِ الخير، والمعروف، والإصلاح. وفقَ هذه الخطوط نتمكّن كآحادٍ ومجتمعات في عراقنا الجريح, أن نواصلَ مسيرةِ الإصلاحِ في الأمة؛ لأنّ النواةَ الأولى لأيِّ مشروعٍ إصلاحيٍّ هو وجودُ الإنسانِ المؤمنِ بالإصلاح, والقادرِ على تحمّل كُلفتِه النفسيّة، والعملية ، وهذا متوفر إن شاء الله تعالى . وإذا كانت طاقةُ الفرد، لا تتمكّنُ من تغييرِ الواقع، فلتلتقي بطاقةِ الآخرين، وتتعاون معه من أجلِ بناءِ كتلةٍ في المجتمعِ والأمة تعملُ من أجلِ التغييرِ، والإصلاح .
ثالثاً :فكرة تأجيل المفاوضات مع (( التخالف الوطني ))  ، تُعبّر عن أن أطراف الفساد لا يرضون بشروط الإصلاح وديمومة عجلته ، وهذا يعني إمّا أن تكون معهم في فسادهم ، وإما أن تكون مُعارضاً ومصيرك يكونُ مجهول ، وهذا ما يُذكّرنا بنهضة الحُسين (ع) حينما أرادوا أن يطلبوا البيعة منه ، إلاّ أنه سلام الله عليه لم يُجامل على حساب الحقَّ ورفض كل أنواع الفساد ، وقال ( مثليَّ لا يُباعُ مثله ) .

رابعاً : إذا لم تقُم الحكومة بخطواتٍ جادّة لتعيين وزراء مختصين و مستقلين للوزارات الأمنية فعلى الشعب الإستعداد لإعتصامٍ ثاني مفتوح ، وفكرة الأعتصام هذه هي نوعٌ آخر من انواع الرفض الحُسيني بشكله الحضاري الجديد ..
خامساً : إذا تم إرجاع الوزارات المستقيلة و المُقالة ستكون لنا وقفة اخرى ... وسنبقى سائرين على الإمام الحسين و سنتشرف بإراقة الدم الطاهر على دكة الإصلاح ، وهذه هي الصرخة التي يُطلقها الثائر مقتدى الصدّر من أجل عراقٍ خالٍ من كل انواع الفساد ، حيث ستكون شَهادةٌ للعصــر ، وبوابــةٌ للنصر . والأُمة الحيّةُ هي الأُمّة التي تنتج، وتعملُ وتكافح وتراقبُ، وتُحاسب، فالإمام الحسين (ع) يُريد منّا اليوم أنْ نحتجَّ ونقاومَ كلَّ من يصنعُ الظلمَ والمأساةَ في حياةِ الإنسان, ونتحرّرَ من رَبقةِ أولئكِ النّفرِ الذينَ خَذلوا الحقَّ ونصروا الباطل.
فتعالوا جميعاً – أيَّها العراقيين - لنُعيدَ تجربةَ التاريخَ، ونتمسّك بالحق وننصرَه؛ ففي ذكرى شهادة الإمام الحسين(عليه السّلام) تعالوا نعقدَ العزمَ على رَفعِ رايتِه، وحمايةِ القيمِ، والمبادئِ التي عاشَ من أجلِها وضحّى في سبيلِها في ذكرى تضحياتِ سّيد الشهداء وبطولاته حريٌّ بنا أنْ نُقرّرَ نبذَ خَيارِ التفرّج، وممارسةِ شهودِنا، وحضورِنا على واقعِنا، فكما مارس الإمام الحضور، والشهود بكل صوره وتجلّياتِه؛ فنحنُ ينبغي لنا إذا أردنا الالتزامَ بنهجِ الإمامِ أنْ نمارسَ الشهودَ والحضور ، وأن نُغيّر واقعنا بأيدينا .

أسامة العتابي .