الأحد، 10 ديسمبر 2017

لقد قَضينا الجِهَادَ الأصغرَ وبَقي َعلينا الجِهَادُ الأكبرُ .











أولاً: إنّه جهاد النفس في مواجهة الأعداء والظَالمين إنّه جهاد النفس في مواجهة الفســاد والمفسدين، إنه جهاد النفس في الوقوف مع الإصلاح والمُصلحين ، إنّه جُهاد النفس في مواجهة المُسبّبين لدخول داعش إلى العراق والعمل على محاسبتهم ، إنه جهاد النفس في تقويم السلوك الديني والإجتماعي والسياسي ، إنّه جهاد النفس في عدم هجران أيتام الشهداء وعوائلهم ، إنّه جهاد تخليد ذكراهم، فهل نحن قادرون على ذلك؟

ثانياً: إن تحرير الأرض لا يكفي للقضاء على داعش وُجوداً وفكراً بل يجب أن نُحرّر العقول أيضاً من الفكر المنحرف وأن نزيل ما خلّفته داعش في المناطق المُحرّرة كافة من عادات دخيلة (دينية واجتماعية وسلوكية ) ما أنزل الله بها من سلطان، كي لا تؤثر في أجيالنا . فالتغيير ليس فقط في تحرير المناطق ، بل في تحرير النفوس والسلوك والتصرفات الأجتماعية التي رافقت مرحلة داعش ، فالسلاح قد يكون مُهمّاً في تغيير الواقع لكنه لا يحسم المعركة في بعض الأحيان.

ثالثاً: الفكر الداعشي لازال يعيش بيننا ، إن لم نتدارك الأمر بدراسة وافية للمرحلة الماضية وتحدّيات المرحلة المقبلة ؟؟ وإلاّ لم يُثمر إنتصارنا ، ولم نعيش بسلام.‏ فقد سقطت داعش اليّوم وانتهت عسكرياً في عراقنا الجريح ، ولكن علينا أن لا ننسى، أن داعش ليست أفراد وجماعات جهادية متطرّفة فقط بل هي كُتب دينية ومدارس فقهية وتاريخ ديني يَنتج نفسه كلَّ مرةٍ ، علينا نقده وتَعريته وتبرئة الإسلام منه ، فهذا هو الجهاد الأكبر الذي بقي علينا فهل نحن قادرون له؟.

رابعاً: (العُنف المَغلّف) هو الثقافة المُتجذّرة في التراث والتاريخ والمرحلة التي مرّت على عراقنا الجريح ، فلو قضينا عليها عَسكرياً وميدانياً ، إلاّ أننا نحتاج إلى قدرة كبيرة لإعادة النظر في أصولها؛ لخَلخلتها وتفكيكها ونقدها بشجاعة وبدون مُمالاة أو مُجاملة لأيّة سُلطة كيفما كانت دينية أو سياسية . فالإسلام يعيش اليوم في أزمة حقيقية، والخروج من هذه الأزمة لا يُمكن أن يحدث بمُجرّد ترديد مقولات جاهزة من قبيل بأنَّه دين يُمثّل ثقافة التسامح، فمثل هذه المَقولات لا تخفي بين طياتها نفاق من يدفعون بها، وإنّما هي مَقولات عُنصرية تُريد أن تضع أصحاب هذا الدين فوق الجميع ، ولا يُمكن تصوّر أيّ مَخرج من ثقافة العُنف السائدة حاليـاً بدون أن تكون لدينا جرءة في نقد التُراث ، ونقد السلوك الذي كان أثراً له ، وما عاشه العراق خلال هذه المرحلة كان نموذجاً لتلك الجَدلية السائدة في مجتمعاتنا.

خامساً: لو لم يَجِد اﻹرهابيُّ والداعشيُّ مُطَبِّلاً له ؛ ما رَقَص بيننا وبين جُراحاتنا !فالمشكلة هي ليست في الإسلام بل في القراءة له ، فعندما تكون القراءة مَعكوسة يكون الإسلام ظاهرة من ظواهر العنف، ولهذا كانت مَرحلة الجهاد الأكبر هي أكبرُ وأعظمُ وأفضلُ وأخطر من المرحلة التي قضيناها بالجهاد الأصغر .

سادساً: يجب أن تكون لدينا - في العراق - مراكز للدراسات والبحوث الاستراتيجيَّة ، تعمل ليلاً ونهاراً في تسليط الضوء على المرحلة التي عاشها العراق وما يتطلب أن يكون عليه في المرحلة المقبلة ، فكما حرّرنا الأرض بكاملها من براثن العقل الداعشي ، نحتاج إلى جُهد فكري ومعرفي يُعضد ذلك النصر ، والقضاء على داعش فكرياً وسياسيا أيضاً ، فالمشكلة ليست في كيفية تحقيق الحَملة العسكرية والإعداد لها - وها هي قد نجحت عندنا - بل في البيئة الفكرية والسياسية التي ساعدت على وجود ظاهرة "داعش" داخل العراق. وغير صحيح إطلاقاً أنّ وجود "داعش" سببه فقط مُمارسات مذهبية أو تدخّل من دول مجاورة، إذ كيف نفسّر وجود "داعش" في ليبيا مثلاً حيث لا انقسامات طائفية أو مذهبية، ولا دولة مجاورة ساعدت على وجودها؟!، وكيف نفسّر وجود أتباع لهذه الجماعة الإرهابية في أوروبا وأميركا وأفريقيا مثلاً؟!. إنّ "داعش" الآن، ومعها وقبلها "القاعدة"، استطاعتا استقطاب قطاعاتٍ واسعة من شباب العرب والمسلمين بسبب غياب فعالية الفكر الديني السليم الناقد لتلك الظاهره ، الذي يُحرّم أصلاً ما تقوم به هذه الجماعات من أساليب قتلٍ بشعة، ومن جرائم إنسانية بحقّ الأبرياء من كلّ الطوائف والمذاهب والجنسيات، بل كل من يختلف معها، حتّى من داخل الوطن أو الدين نفسه. فلو لم يكن هناك فراغٌ فكري للمفهوم الصحيح للدين وللمواطنة، المترافق مع تصدّع الدولة المركزية في البلدان التي استولت فيها "داعش" على بقع جغرافية، لما أمكن استقطاب هذا الحجم من أتباع هذه الجماعات.

سابعاً: لتكُن أقلامنا رِصَاصات ، تحَملُ الفِكر السَليم وتُعرّي الفكر المُنحَرف ، لتُحارب - كما حارب مَجاهدينا الأبطال في ساحات القتال - فرصاصات القلم أقوى من السلاح ، كما يُعبرون . وللثقافة دورٌ بالغُ الأهميّة في حركة المجتمع ، وطريقة سلوكه ، ومن خلال الظواهر الأجتماعية ، يتم معرفة ثقافة المجتمع المنتجة لتلك الضواهر . فالثقافة ليست صنعة نتعلمها ، ولاخزيناً مَعرفياً لملئ المجالس بالأحاديث والحوارات ، وإثبات الذات من خلال المناقشات والجدل المرير ، بل الثقافة وعي للواقع ، وتشخيص للحلول ، وطموح في الإصلاح فلا بُد أن يكون لنا حشداً ثقافياً - كما كان لدينا حشداً شعبياً - يُغير واقعنا المأزوم .

ثامناً: نحتاج إلى أقلام واعية في كتابة موسوعة تُسلّط الضوء على تلك المرحلة التي عاشها العراق بكافة تفاصيلها ، واليوم هولاء الكُتَّاب كفيلون ومعَنيون - وغيرهم أيضا - ممن يَمتلك الوعي والمَعرفة والثقافة وكتابة التاريخ ، أن يشارك جيشنا الباسل بنصره الكبير وهو يُسطَّر لنا أروع معاني الفناء في الوطن ، في كتابة موسوعة حضارية عن مصير العراق في تلك المرحلة، وما حلَّ به من دمارٍ وخرابٍ في ظلِّ دولة الكُفر والإرهاب ، وأن تكون دراسة مقارنة بين ماضَيه وحاضره ومستقبله؛ لأن التاريخ لابّد أن يُخلِّدَه أصحَابه ، واليوم نحن بأمس الحاجة إلى التوثيق التاريخي في العراق لما حلّ به من مَأساة قد أحرقت لنا الحرث والنسل ، كيّ نعطي رسالة إلى الأجيال القادمة عن مَصير العراق خلال هذه الحقبة ، وكيف تلاعبت به أيدي المَكرِ والخيانة والفساد ؟! وكيف بِيعْت الموصل الحبيبة نتيجة لحُكم الفاسدين فيها ؟! وماذا حلّ بأهلها خلال فترة حكم داعش ؟! لابد أن تكون هناك جولات ميدانية وقراءة واقعية لما بعد التحرير كيّ نكتب عن هذه المرحلة ، فهي من أصعب المراحل التي مرّت على العراق بعد عام 2003 م ، وشهداءنا الأبرار يستحقون منّا هذا التخليد .


والحمد الله ربّ العالمين.
أسامة العتابي


الأحد، 10 سبتمبر 2017

 ﻇﻮﺍﻫﺮ ﻏﺮﻳﺒﺔ ﺫﺍﺕ ﺑُﻌﺪ ﺗﺮﺑﻮﻱ 
[ﻓﻲ ﺧﻄﺎﺏ ﺻﻼﺓ ﺍﻟﺠﻤﻌﺔ ﻟﻠﺴﻴّﺪ ﺍﻟﺸﻬﻴّﺪ ﺍﻟﺼّﺪﺭ ]
بقلم : أسامة العتابي
ﻓﻲ ﺫﻛﺮﻯ ﺇﻗﺎﻣﺔ ﺻﻼﺓ ﺍﻟﺠُﻤﻌﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﻌﺮﺍﻕ ﺑﺈﻣﺎﻣﺔ ﺳﻤﺎﺣﺔ ﺍﻟﻤﺮﺟﻊ ﺍﻟﺸﻬﻴّﺪ ﺍﻟﺴﻴّﺪ ﻣﺤﻤّﺪ ﺍﻟﺼّﺪﺭ " ﺭﺿﻮﺍﻥ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ " ﻳُﻤﻜﻦ ﺃﻥ ﺃﺳﺘﻌﺮﺽ ﻓﻲ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺬﻛﺮﻯ ﺳﺘﺔ ﻇﻮﺍﻫﺮ ﻏﺮﻳﺒﺔ ﺣﺎﻭﻟﺖ ﺇﺳﺘﺨﺮﺍﺟﻬﺎ ﻣﻦ ﺧﻼﻝ ﺍﻟﺘﺄﻣﻞ ﻓﻲ ﺧﻄﺐ ﺍﻟﺸﻬﻴّﺪ ﺍﻟﺼّﺪّﺭ ﻭﺳﻤﺎﻋﻬﺎ ﺑﺸﻜﻞ ﻣﻔﺼّﻞ ، ﻣﻊ ﺇﻣﻜﺎﻧﻴﺔ ﺍﻟﺤﻔﺮ ﺍﻟﻔﻜﺮﻱ ﻓﻲ ﺛﻨﺎﻳﺎﻫﺎ ﻹﺳﺘﺨﺮﺍﺝ ﺍﻟﻐﺎﻳﺔ ﻭﺍﻟﻔﺎﺋﺪﺓ ﻣﻨﻬﺎ ‏( ﻭﻫﻮ ﻣﺎ ﻳُﺴﻤّﻰ ﺍﻟﻴّﻮﻡ ﺑﺎﻟﻤﻨﻬﺞ ﺍﻷﺭﻛﻴﻮﻟﻮﺟﻲ ‏) .
ﻭﻫﺬﻩ ﺍﻟﻈﻮﺍﻫﺮ ﻭﺑﺸﻜﻞٍ ﻣﺨﺘﺼﺮ ﺗﺼﻠﺢ ﻹﻥ ﺗﻜﻮﻥ ﺑﺬﻭﺭﺍً ﻟﻤﺸﺎﺭﻳﻊ ﺩﺭﺍﺳﺎﺕ ﺃﻭﺳﻊ – ﻭﺧﺎﺻﺔ ﺍﻟﺪﺭﺍﺳﺎﺕ ﺍﻷﻧﺜﺮﻭﺑﻮﻟﻮﺟﻴﺔ ﺍﻟﻤﻌﺎﺻﺮﺓ - ، ﻓﻬﻲ ﺗﻔﺘﺢ ﺍﻟﺒﺎﺏ ﺃﻣﺎﻡ ﺍﻟﺒﺎﺣﺜﻴﻦ ﻟﻴﻨﻬﻠﻮﺍ ﻣﻦ ﻣﻌﻴﻦ ﺳﻴّﺪ ﺍﻟﺠﻤﻌﺔ ﻭﺃﺳﺎﻟﻴﺐ ﺍﻟﺨﻄﺎﺏ ﻟﺪﻳﻪ ، ﻭﻫﻲ :
ﺃﻭﻻً : ﻇﺎﻫﺮﺓ ﺍﻟﺼﻴﻐﺔ ﺍﻟﺘﺼﺎﻋﺪﻳَّﺔ ، ﻭﻧﻌﻨﻲ ﺑﻬﺎ ﺃﻧّﻚ ﻋﻨﺪﻣﺎ ﺗﻘﺮﺃ ﺍﻟﺨﻄﺐ ﺍﻟﻌﺸﺮﺓ ﺍﻟﺜﺎﻧﻴﺔ ﻣﺜﻼً ﺗﺠﺪﻫﺎ ﺃﻋﻠﻰ ﻣﺴﺘﻮﻯ ﻣﻦ ﺍﻟﻌﺸﺮﺓ ﺍﻷﻭﻟﻰ ، ﻭﺍﻟﻌﺸﺮﺓ ﺍﻟﺜﺎﻟﺜﺔ ﺃﻋﻠﻰ ﻣﺴﺘﻮﻯ ﻭﺗﺮﻛﻴﺰ ﻣﻦ ﺍﻟﻌﺸﺮﺓ ﺍﻟﺜﺎﻧﻴﺔ ﻭﻫﻜﺬﺍ ﺩﻭﺍﻟﻴﻚ ، ﻓﻤﺜﻼً ﺗﺠﺪ ﺍﻟﺨِﻄﺐ ﺍﻟﻌﺸﺮﺓ ﺍﻷﻭﻟﻰ ﺫﺍﺕ ﻣﻀﻤﻮﻥ ﻭﺍﺿﺢ ﻭﺑﺴﻴﻂ ، ﻭﺃﻏﻠﺒﻬﺎ ﻛﺎﻧﺖ ﺧِﻄﺐ ﻭﻋﻈﻴﺔ ، ﻭﻏﻴﺮ ﻣُﺘﻀﻤﻨﺔٍ ﺟﻮﺍﻧﺐ ﺳﻴﺎﺳﻴﺔ ﻭﻟﻮ ﺑﺎﻟﻜﻨﺎﻳﺔ ﺃﻭ ﺍﻹﺷﺎﺭﺓ ، ﻛﻤﺎ ﺃﻧﻬﺎ ﻻ ﺗﺤﺘﺎﺝ ﺇﻟﻰ ﺃﻳّﺔٍ ﻣﺆﻭﻧﺔٍ ﻭﺗﺄﻣﻞٍ ﻟِﻔﻬﻤﻬﺎ ﻭﻫﻀﻤﻬﺎ ﺑﻞ ﻫﻲ ﻭﺍﺿﺤﺔٌ ﻟﻠﺠﻤﻴﻊ ؛ ﻭﺑﺴﺒﺐ ﻭﺿﻮﺣﻬﺎ ﺃﺷﻜﻞ ﺍﻟﺒﻌﺾ ﻋﻠﻰ ﺑﺴﺎﻃﺘﻬﺎ ﻭﺃﻥ ﺍﻟﺴﻴّﺪ ﻣﺤﻤﺪ ﺍﻟﺼّﺪّﺭ ﻟﻢ ﻳُﺤﻀَّﺮ ﺧِﻄﺒﺘﻪ ﺟﻴّﺪﺍً ﻓﻜﺎﻧﺖ ﻣﻘﻮﻻﺗﻪ ‏( ﺃﻧﺎ ﺃﻗﻮﻝ ﺑﻤﻘﺪﺍﺭ ﻣﺎ ﺃﺟﺪ ﻓﻴﻪ ﺍﻟﻤﺼﻠﺤﺔ ‏) ﻭ ‏( ﻻ ﺗﺘﻮﻗّﻌﻮﺍ ﺃﻥ ﺃﻗﻮﻝ ﺷﻴﺌﺎً ﺃﻛﺜﺮ ﻣﻤﺎ ﻓﻴﻪ ﺍﻟﻤﺼﻠﺤﺔ ‏) ﻭ ‏( ﺃﻧﺎ ﻟﺴﺖُ ﻣﻐﻔﻼً ﺇﻟﻰ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺪﺭﺟﺔ ‏) ﻛﻠﻬﺎ ﺭﺩﻭﺩ ﻋﻠﻰ ﺇﺷﻜﺎﻟﻴﺔ ﺑﺴﺎﻃﺔ ﺍﻟﺨﻄﺐ ﻭﻭﺿﻮﺣﻬﺎ ، ﺑﻞ ﺃﻧﻚ ﺳﺘﺠﺪ ﻇﺎﻫﺮﺓ ﺍﻟﺘﺼﻌﻴﺪ ﺗﻨﻤﻮ ﺷﻲﺀ ﻓﺸﻲﺀ ﺑﻴﻦ ﻛﻞ ﺧﻤﺴﺔ ﺧِﻄﺐ ﺃﻭ ﺳﺘﺔ .
ﻭﻫﺬﻩ ﺍﻟﻈﺎﻫﺮﺓ ﻳُﻤﻜﻦ ﺗﻔﺴﻴﺮﻫﺎ ﺑﺄﻣﺮﻳﻦ :
-1 ﺃﻥ ﺍﻟﺴﻴّﺪ ﺍﻟﺼّﺪّﺭ ﺃﺭﺍﺩ ﺃﻥ ﻳﺮﺗﻘﻲ ﺑﻮﻋﻲ ﺍﻟﻤﺠﺘﻤﻊ ﻓﻲ ﻓﺘﺮﺓ ﻭﺟﻴﺰﺓ ، ﺑﻌﻴﺪﺍً ﻋﻦ ﻟﻐﺔ ﺍﻟﻤُﺼﻄﻠﺤﺎﺕ ﺍﻟﺤﻮﺯﻭﻳﺔ ﻭﺍﻟﻜﻨﺎﻳﺎﺕ ﻭﺍﻹﺷﺎﺭﺍﺕ ﻭﺍﻟﻐﻤﻮﺽ ﻭﺍﻟﺘﻌﻘﻴﺪ .
-2 ﺃﻥ ﺍﻟﺴﻴّﺪ ﺍﻟﺼّﺪّﺭ ﻭﺻﻞ ﺇﻟﻰ ﻗﻨﺎﻋﺔ ﻣﻔﺎﺩﻫﺎ ﺃﻥ ﺍﻟﻤُﺠﺘﻤﻊ ﺑﻠﻎ ﻣﺮﺣﻠﺔ ﺟﻴّﺪﺓ ﻣﻦ ﺍﻟﻮﻋﻲ ، ﺑﺤﻴﺚ ﺃﻧﻪ ﺇﺫﺍ ﻟﻢ ﻳﻔﻬﻢ ﺷﻴﺌﺎً ، ﺃﻭ ﺇﺫﺍ ﺧُﻔﻲ ﻋﻠﻴﻪ ﺷﻲﺀ ، ﻳُﺒﺎﺩﺭ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺴﺆﺍﻝ ، ﻭﻫﻮ ﻣﺎ ﺣﺼﻞ ﻓﻌﻼً ، ﻓﻘﺪ ﺻﻨﻌﺖ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺨﻄﺐ ﻣﺪّﺍً ﺭﺳﺎﻟﻴﺎً ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻤﺠﺘﻤﻊ ﻭﺍﻟﺤﻮﺯﺓ ، ﻭﻭﻋﻴﺎً ﺟﻤﺎﻫﻴﺮﻳﺎً ﻗﻞّ ﻧﻈﻴﺮﻩ ، ﺣﺘﻰ ﺃﺻﺒﺤﺖ ﻇﺎﻫﺮﺓ ‏( ﺷِﻜْﺎﻝ ﺍﻟﺴﻴّﺪ ﺍﻟﻴِﻮﻡ ﺑﺎﻟﺨِﻄﺒﻪ ‏) ﻣﻦ ﺍﻟﻈﻮﺍﻫﺮ ﺍﻹﺟﺘﻤﺎﻋﻴﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﻧﺮﺍﻫﺎ ﻓﻲ ﻛﻞ ﻳﻮﻡ ﺟﻤﻌﺔ ﻳﺨﻄﺐ ﻓﻴﻪ ﺷﻬﻴﺪﻧﺎ ﺍﻟﻐﺎﻟﻲ ، ﺃﻭ ﻇﺎﻫﺮﺓ ‏( ﺷِﻴﻜْﻮﻝ ﺍﻟﺴﻴّﺪ ﺑﻬﺎﻱ ﺍﻟﺸﻐﻠﻪ ‏) ﻋﻨﺪﻣﺎ ﻳﺒﺎﺩﺭ ﺃﺣﺪ ﺇﻟﻰ ﻋﻤﻞٍ ﻣﺎ ﺃﻭ ﻗﻮﻝٍ ﻣﺎ ، ﺑﺤﻴﺚ ﺃﺻﺒﺢ ﺍﻟﺒﻌﺾ ﻳﺴﺘﻨﺴﺦ ﺍﻟﺨﻄﺐ ﻭﻳﻮﺯّﻋﻬﺎ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻤﺆﻣﻨﻴﻦ ﻭﻛﺬﻟﻚ ﺍﻟﻜُﺘﻴﺒِّﺎﺕ ﺍﻟﺼﻐﻴﺮﺓ ﻭﺍﻟﻤَﺠﻠّﺎﺕ ﻭﺍﻹﺳﺘﻔﺘﺎﺀﺍﺕ ﻛﻠﻬﺎ ﻛﺎﻧﺖ ﺗﺘﺪﺍﻭﻝ ﺑﺎﻟﺴﺮّ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻤﺆﻣﻨﻴﻦ ، ﺣﺘﻰ ﺃﺧﺬ ﺍﻟﻤﺠﺘﻤﻊ ﻳﺮﺗﻘﻲ ﻣﺮﻗﺎﺓ ﻣﺮﻗﺎﺓ ، ﺇﻟﻰ ﺃﻥ ﺃﺻﺒﺢ ﺍﻟﺴﻮﺍﺩ ﺍﻷﻋﻈﻢ ﻗﺎﺑﻼً ﻟﻠﺨﻄﺎﺏ ﺍﻟﻌﺎﻟﻲ ﺍﻟﺘﺼﻌﻴﺪﻱ ، ﺣﻴﻨﻬﺎ ﺍﺗﺠﻪ ﻓﻲ ﺍﻟﻌﺸﺮﺓ ﺍﻟﺜﺎﻧﻴﺔ ﻣﻦ ﺍﻟﺨﻄﺐ ﺇﻟﻰ ﺗﺼﻌﻴﺪ ﺍﻟﺨﻄﺎﺏ ﺷﻲﺀٍ ﻓﺸﻲﺀ ، ﻭﻭﺻﻞ ﺇﻟﻰ ﺫﺭﻭﺗﻪ ﻓﻲ ﺍﻟﻌﺸﺮﺓ ﺍﻟﺜﺎﻟﺜﺔ ، ﺣﻴﻨﻤﺎ ﺑﺮﺯﺕ ﻇﺎﻫﺮﺓ ﺗﺮﺩﻳﺪ ﺍﻟﺸﻌﺎﺭﺍﺕ – ﺍﻟﺘﻲ ﺳﻮﻑ ﻧﺘﻜﻠّﻢ ﻋﻨﻬﺎ - ﺿﺪ ﺍﻟﺒﺎﻃﻞ ﻭﺍﻟﺸﻴﻄﺎﻥ ﻭﺃﻣﺮﻳﻜﺎ ﻭﺃﺳﺮﺍﺋﻴﻞ ﻭﺍﻹﺳﺘﻌﻤﺎﺭ ﻭﻛﻞ ﺃﻭﺟﻪ ﺍﻟﻈﻠﻢ ﻓﻲ ﺍﻷﺭﺽ ﺍﻟﻤﻌﻤﻮﺭﺓ . ﻭﻫﻮ ﻧﻮﻉ ﻣﻦ ﺃﻧﻮﻉ ﺍﻟﺘﺼﻌﻴﺪ ﺍﻟﺨﻄﺎﺑﻲ ﺍﻟﺬﻱ ﺗﻤﻴّﺰ ﺑﻪ ﺍﻟﺸﻬﻴﺪ ﺍﻟﺼﺪﺭ ﻓﻲ ﺗﺮﺑﻴﺔ ﺍﻟﻤﺠﺘﻤﻊ .
ﺛﺎﻧﻴﺎً : ﻇﺎﻫﺮﺓ ﺗﻼﻭﺓ ﺍﻵﻳﺎﺕ ﺑﺪﺍﻳﺔ ﺍﻟﺨﻄﺐ : ﻓﻔﻲ ﻛﺜﻴﺮ ﻣﻦ ﺧﻄﺐ ﺍﻟﺸﻬﻴﺪ ﺍﻟﺼّﺪّﺭ ﻛﺎﻥ ﻳﻔﺘﺤﻬﺎ – ﺑﻌﺪ ﺍﻟﺪﻋﺎﺀ – ﺑﺘﻼﻭﺓِ ﺟﻤﻠﺔٍ ﻣﻦ ﺍﻵﻳﺎﺕ ﺍﻟﻜﺮﻳﻤﺔ ، ﻭﺧﺎﺻّﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﺨِﻄﺐ ﺍﻷﺧﻴﺮﺓ ، ﺣﻴﺚ ﺃﺻﺒﺢ ﻓﻲ ﻛِﻼ ﺍﻟﺨﻄﺒﺘﻴﻦ ﻳﺬﻛﺮ ﺁﻳﺔً ﻓﻴﻬﺎ ، ﻭﻗﺪ ﻳﺘﺼﻮَّﺭ ﺍﻟﺒﻌﺾ ﺃﻥ ﺍﻟﺴﻴّﺪ ﺍﻟﺸﻬﻴّﺪ ﻳﻘﺮﺃ ﺍﻵﻳﺎﺕ ﻭﻳَﻤﻀﻲ ﺇﻟﻰ ﻣﻮﺿﻮﻉ ﺍﻟﺨِﻄﺒﺔ ﻣﻦ ﺩﻭﻥ ﻣُﻨﺎﺳﺒﺔ ﺑﻴﻦ ﺍﻵﻳﺎﺕ ﻭﺍﻟﻤﻮﺿﻮﻉ ، ﻭﻟﻜﻦ ﺑﻘﻠﻴﻞٍ ﻣﻦ ﺍﻟﺘﺄﻣّﻞ ﻳﺠﺪ ﺍﻟﺒﺎﺣﺚ ﺃﻥ ﻛُﻞَّ ﺁﻳﺔٍ ﺟﺎﺀﺕ ﻣﻨﺎﺳﺒﺔ ﻟﻤﻮﺿﻮﻉ ﺍﻟﺨﻄﺒﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﻳﻄﺮﺣﺎ ، ﻛﻤﺎ ﻫﻲ ﺍﻵﻳﺎﺕ ﺍﻟﺘﻲ ﻗﺮﺃﻫﺎ ﻓﻲ ﺍﻟﺨﻄﺒﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﻜﻠّﻢ ﺑﻬﺎ ﻋﻦ ﻣﻘﺘﻞ ﺍﻟﺸﻴﺦ ﺍﻟﻐﺮﻭﻱ ﻭﺍﻟﺸﻴﺦ ﺍﻟﺒﺮﻭﺟﺮﺩﻱ ، ﻭﻛﻤﺎ ﻗﺮﺃ ﺁﻳﺎﺕ " ﺇﻧﺎ ﻓﺘﺤﻨﺎ ﻟﻚ ﻓﺘﺤﺎً ﻣﺒﻴﻨﺎً " ﻓﻲ ﺫﻛﺮﻯ ﺻﻼﺓ ﺍﻟﺠﻤﻌﺔ ، ﻣﻦ ﺣﻴﺚ ﺃﻧﻬﺎ ﺗُﻌﺪ ﻣﻦ ﺍﻟﻔﺘﺢ ﺍﻟﻤُﺒﻴﻦ ، ﻭﻏﻴﺮﻫﺎ ﻣﻦ ﺍﻵﻳﺎﺕ ﺍﻟﺘﻲ ﻳﺼﻌﺐ ﻋﻠﻴﻨﺎ ﻋَﺮﺿﻬﺎ ﻓﻲ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻤﺨﺘﺼﺮ ، ﻓﺮﺍﺟﻊ ﻭﺗﺄﻣﻞ ﻛﻲ ﺗﺠﺪ ﺍﻟﻤﻄﻠﻮﺏ .
ﺛﺎﻟﺜﺎً : ﻇﺎﻫﺮﺓ ﺍﻟﺘﺮﻛﻴﺰ ﻋﻠﻰ ﺃﺩﻋﻴﺔ ﺍﻷﺋﻤﺔ " ﻋﻠﻴﻬﻢ ﺍﻟﺴﻼﻡ " : ﻭﻫﻲ ﻣﻴﺰﺓ ﻟﻢ ﺗُﻌﺮﻑ ﻓﻲ ﺗﺎﺭﻳﺦ ﺻﻠﻮﺍﺕ ﺍﻟﺠﻤﻌﺔ ، ﺑﻞ ﻭﻓﻲ ﺗﺎﺭﻳﺦ ﺍﻟﺘﺸﻴّﻊ ، ﻓﻠﻢ ﻳُﻌﺮﻑ ﺃﻥ ﺇﻣﺎﻡ ﺍﻟﺠﻤﻌﺔ ﻳﻔﺘﺢ ﺍﻟﺨﻄﺒﺘﻴﻦ ﺑﻨﺺٍ ﻃﻮﻳﻞ ﻧﺴﺒﻴﺎً ﻣﻦ ﻧﺼﻮﺹ ﺃﺩﻋﻴﺔ ﺃﻫﻞ ﺍﻟﺒﻴﺖ ‏( ﻋﻠﻴﻬﻢ ﺍﻟﺴﻼﻡ ‏) ، ﻛﺎﻟﻤُﻨﺎﺟﺎﺓ ﺍﻟﺨﻤﺴﺔ ﻋﺸﺮ ﻟﻺﻣﺎﻡ ﺯﻳﻦ ﺍﻟﻌﺎﺑﺪﻳﻦ ، ﺃﻭ ﺩُﻋﺎﺀ ﺍﻟﺠﻤﻌﺔ ، ﺃﻭ ﺩﻋﺎﺀ ﺍﻟﺼﺒﺎﺡ ، ﺃﻭ ﻣﻘﺎﻃﻊ ﻣﻦ ﺩُﻋﺎﺀ ﺍﻟﺠﻮﺷﻦ ﻭﻫﻜﺬﺍ ، ﻭﻫﺬﻩ ﺗُﻌﺪّ ﻣﻦ ﺍﻟﻈﻮﺍﻫﺮ ﺍﻟﻐﺮﻳﺒﺔ ، ﺣﺘﻰ ﺃﺻﺒﺤﺖ ﻣَﺜﺎﺭﺍً ﻟﻺﺷﻜﺎﻝ ﻋﻠﻰ ﺷﻬﻴﺪﻧﺎ ﺍﻟﻐﺎﻟﻲ ، ﺣﻴﻨﻤﺎ ﻧﻘﻞ ﻫﻮ ﻓﻲ ﺃﺣﺪ ﺧﻄﺒﻪ ﻗﺎﺋﻼً : " ﺇﻥ ﻛﺜﻴﺮﺍً ﻣﻨﻜﻢ ﻳﻘﻮﻟﻮﻥ ﻣﺘﻰ ﻳﻨﺘﻬﻲ ﺳﻴّﺪ ﻣﺤﻤﺪ ﺍﻟﺼﺪّﺭ ﻣﻦ ﺍﻟﺪﻋﺎﺀ ﺣﺘﻰ ﻧﺼﻐﻲ ﺑﺂﺫﺍﻧﻨﺎ ﺇﻟﻰ ﻣﻘﺎﺻﺪﻩ ؟ ﻭﻣﺎ ﻳﺮﻳﺪ ﺃﻥ ﻳﻘﻮﻝ ؟ ، ﺃﻧﺎ ﺃﻗﻮﻝ : ﻻ ، ﺍﻧﺘﻢ ﺃﺻﻐﻮﺍ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺪﻋﺎﺀ ﺃﻛﺜﺮ ﻣﻤﺎ ﺗﺼﻐﻮﻥ ﺇﻟﻰ ﻛﻼﻣﻲ ، ﺣﺒﻴﺒﻲ ، ﻛﻼﻡ ﺍﻟﻤﻌﺼﻮﻣﻴﻦ ﺃﺣﺴﻦ ﺃﻡ ﻛﻼﻡ ﺍﻟﺴﻴّﺪ ﻣﺤﻤّﺪ ﺍﻟﺼّﺪّﺭ ﺃﺣﺴﻦ ؟ ﺗﻌﻠّﻢ ﺍﻟﻤﻌﺼﻮﻣﻴﻦ ﺃﺣﺴﻦ ﺃﻡ ﺗﻌﻠّﻢ ﻣﺤﻤﺪ ﺍﻟﺼّﺪﺭ ؟ ....... ﺇﻟﺦ " .
ﻭﻫﺬﺍ ﻭﺍﺿﺤﺎً ﻓﻲ ﺇﻋﻄﺎﺀ ﺃﻫﻤﻴﺔ ﻛﺒﻴﺮﺓ ﺗﺠﺎﻩ ﻛﻼﻡ ﺍﻟﻤﻌﺼﻮﻣﻴﻦ ، ﻭﺃﻧﻪ ﻳﺮﻯ ﻟﻸﺩﻋﻴﺔ ﻣَﺪﻋﺎﺓ ﻟﻠﺘﺮﺑﻴﺔ ﻭﺍﻟﺘﻌﻠﻴﻢ ﻭﺍﻟﻮﻋﻲ ﻭﺍﻹﻳﻤﺎﻥ ﻟﻠﻔﺮﺩ ﻭﺍﻟﻤﺠﺘﻤﻊ .
ﺭﺍﺑﻌﺎً : ﻇﺎﻫﺮﺓ ﺍﻷﻣﺜﺎﻝ ﺍﻟﺸﻌﺒﻴّﺔ ﻭﺍﻟﻜِﻠﻤﺎﺕ ﺍﻟﺪﺍﺭﺟﺔ ، ﻭﻫﻲ ﺗُﻌﺪّ ﻇﺎﻫﺮﺓ ﻏﺮﻳﺒﺔ ﺃﻳﻀﺎً ﻓﻲ ﺧﻄﺐ ﺍﻟﺸﻬﻴّﺪ ﺍﻟﺼﺪﺭ، ﺇﻻّ ﺃﻧﻬﺎ ﻻ ﺗﺨﻠﻮﺍ ﻣﻦ ﻓﺎﺋﺪﺓ ﻭﻭﻋﻲ ، ﺑﻞ ﻭﺗﺮﺑﻴﺔ ﻟﻠﻔﺮﺩ ﻭﺍﻟﻤﺠﺘﻤﻊ ، ﻭﺧﺎﺻّﺔ ﺃﻥ ﺍﻷﻣﺜﺎﻝ ﺗُﻀﺮﺏ ﻋﺎﺩﺓً ﻟﻠﻨﺎﺱ ﻟﻌﻠّﻬﻢ ﻳﺘﻔﻜّﺮﻭﻥ ﺃﻭ ﻟﻌﻠّﻬﻢ ﻳﺘﺬﻛّﺮﻭﻥ ﺑﺘﻌﺒﻴﺮ ﺍﻟﻘﺮﺁﻥ ﺍﻟﻜﺮﻳﻢ . ﻭﺗﻮﻇﻴﻒ ﺍﻷﻣﺜﺎﻝ ﻟﻐﺎﻳﺔ ﻣُﻌﻴَّﻨﺔ ﺗُﻌﺪ ﻭﺳﻴﻠﺔ ﻣﻦ ﻭﺳﺎﺋﻞ ﺗﺤﻘﻴﻖ ﺍﻷﻫﺪﺍﻑ ﻭﺗﺮﺑﻴﺔ ﺍﻟﻔﺮﺩ ، ﻓﻀﻼً ﻋﻦ ﻧﻘﺪ ﺍﻟﺴﻠﻮﻙ ﺍﻟﺴﻲﺀ ﻭﺇﺭﺷﺎﺩﻩ ، ﻛﻤﺎ ﻧﺠﺪﻫﺎ ﻓﻲ ﻗﻮﻟﻪ ‏( ﻳﻔﻮﺗﻚ ﻣﻦ ﺍﻟﺠﺬّﺍﺏ ﺻﺪﺝٍ ﺟﺜﻴﺮ ‏) ﺃﻭ ﻗﻮﻟﻪ ﻋﻠﻰ ﻗﻮﻡ ﻣﻮﺳﻰ ﻓﻲ ﻋﺪﻡ ﺗﻠﺒﻴﺔ ﺩﻋﻮﺗﻪ ‏( ﻳﺴﺘﺎﻫﻠﻮﻥ ﺍﺳﻠﻴﻤﺔ ﺍﻃﻤﻬﻢ ‏) ﻭ ﻗﻮﻟﻪ ‏( ﻋﻴﻨﻚ ﻋﻴﻨﻚ ‏) ﻭ‏( ﺗﺮﻳﺪ ﺍﺻﻴﺮ ﺑﺮﺍﺳﻲ ﻣﺘﺸﺮّﻉ ‏) ﻭ ‏( ﻛﻼﻭﺍﺕ ﺷﺮﻋﻴﺔ ‏) ﻭ ‏( ﺑﺰﺭ ﺟﻜﻠﻴﺖ ‏) ﻭ ‏( ﺇﻛﻞ ﻛﺮﻛﺮﻱ ‏) ﻭ ‏( ﻣﺎ ﺍﻣﻠﻄﺦ ﺷﻮﺍﺭﺑﻲ ﻣﻦ ﺩﻡ ﺍﻷﺭﻧﺐ ‏) ﻭ ‏( ﺷﻴّﻢ ﺍﻟﻤﻌﻴﺪﻱ ﻭﺇﺧﺬ ﻋﺒﺎﺗﻪ ‏) ﻭ ‏( ﺗﺮﻯ ﺍﻟﺪﻧﻴﺎ ﻫﻮﺍﻱ ﻫﻮﺳﻪ ‏) ﻭﻏﻴﺮﻫﺎ ﻣﻦ ﺍﻷﻣﺜﺎﻝ ﺍﻟﺸﻌﺒﻴﺔ ، ﻣﺎ ﺇﺫﺍ ﻗﺮﺃﺗﻬﺎ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﻮﺿﻊ ﺍﻟﺬﻱ ﻗﺎﻟﻬﺎ ﻓﻴﻪ ﺍﻟﺸﻬﻴﺪ ﺍﻟﺼﺪﺭ ﻓﺈﻧّﻚ ﺳﺘﺸﻌﺮ ﺑﻠﺬّﺓ ﺍﻟﺘﻌﺒﻴﺮ ، ﻭﺣﻜﻤﺔ ﺍﻹﺧﺘﻴﺎﺭ ، ﻭﺟﻮﺩﺓ ﺍﻹﻧﺘﻘﺎﺀ ، ﻣﻦ ﺃﺟﻞ ﺃﻥ ﻳﻨﻔﻊ ﻃﺮﻳﻖ ﺍﻟﻬﺪﺍﻳﺔ ﻭﺍﻟﺘﻔﻜّﺮ ﻭﺍﻟﺘﺪﺑُّﺮ .
ﻛﻤﺎ ﺃﻥ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻈﺎﻫﺮﺓ ﺗﺪّﻝ ﺩﻻﻟﺔ ﻭﺍﺿﺤﺔ ﻋﻠﻰ ﺃﻥ ﺍﻟﻤُﺘﻜﻠِّﻢ ﻳﻌﻴﺶ ﻓﻲ ﻗﻠﺐ ﺍﻟﻤﺠﺘﻤﻊ ، ﻭﻳﻔﻬﻢ ﺍﻟﻠّﻐﺔ ﻭﺍﻟﻤﺴﺘﻮﻯ ﺍﻟﺬﻱ ﻳُﻔﻜّﺮ ﺑﻪ ﺍﻟﻤﺠﺘﻤﻊ ، ﻭﻫﺬﻩ ﺍﻟﻤﺴﺄﻟﺔ ﻻ ﻳﻌﺮﻓﻬﺎ ﺇﻻّ ﻣﻦ ﻣﺎﺭﺱ ﺍﻟﺨﻄﺎﺑﺔ ، ﺃﻭ ﻗﺮﺃ ﺃﺳﺎﻟﻴﺒﻬﺎ .
ﺧﺎﻣﺴﺎً : ﻇﺎﻫﺮﺓ ﺗﺮﺩﻳﺪ ﺍﻟﺸﻌﺎﺭﺍﺕ : ﺣﻴﺚ ﺗُﻌﺪ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻈﺎﻫﺮﺓ ﻣﻦ ﺍﻟﻈﻮﺍﻫﺮ ﺍﻟﺘﻲ ﻟﻢ ﻳَﻌﻬﺪ ﺗﺎﺭﻳﺦ ﺍﻹﺳﻼﻡ ﻓﻴﻬﺎ ، ﺇﻻ ﺍﻟﻨُﺰﺭ ﺍﻟﻘﻠﻴﻞ ﻓﻲ ﻏﻴﺮ ﺻﻼﺓ ﺍﻟﺠﻤﻌﺔ ، ﻓﻠﻢ ﻧﺴﻤﻊ ﺃﻭ ﻧﺸﺎﻫﺪ ﺗﺮﺩﻳﺪ ﺍﻟﺸﻌﺎﺭﺍﺕ ﻓﻲ ﺻﻠﻮﺍﺕ ﺍﻟﺠﻤﻌﺔ ، ﻭﻫﻲ ﻣﺸﺎﻫﺪ ﺗُﻌﺒَّﺮ ﻋﻦ ﺍﻟﺘﻼﺣﻢ ﺑﻴﻦ ﺍﻷﻣﺔ ﻭﻗﺎﺋﺪﻫﺎ ، ﺣﻴﺚ ﺃﻧﻬﺎ ﺗﻘﻮﻝ ﻣﺎ ﻳﻘﻮﻟﻪ ، ﻭﺗﺮﻓﺾ ﻣﺎ ﻳﺮﻓﻀﻪ ، ﻭﺗﻮﺍﻟﻲ ﻣﻦ ﻳﻮﺍﻟﻲ ، ﻛﻤﺎ ﺃﻥ ﻫﺬﻩ ﻇﺎﻫﺮﺓ ﺍﻧﻄﻠﻘﺖ ﻓﻲ ﺯﻣﻦ ﺍﻟﺴﻜﻮﺕ ﻭﺍﻟﺘﻘﻬﻘﺮ ؛ ﻓﻜﺎﻧﺖ ﺑﻤﺜﺎﺑﺔ ﺍﻟﻤُﻌﺎﻭﻝ ﺍﻟﺘﻲ ﻛَﺴﺮﺕ ﻛﻞ ﺣﻮﺍﺟﺰ ﺍﻟﺨﻮﻑ ، ﻭﺍﻗﺘﻠﻌﺖ ﺍﻟﺨﻮﻑ ﻭﺍﻹﺣﺒﺎﻁ ﺇﻟﻰ ﺣﻴﺚ ﻻ ﺭﺟﻌﺔ ، ﻓﻲ ﺯﻣﻦٍ ﻛﺎﻥ ﺍﻟﺸﻌﺎﺭ ﻻ ﻳﺠﻮﺯ ﺇﻻّ ﻟﻠﻈﺎﻟﻢ ﺻﺪﺍﻡ ﺣﺴﻴﻦ ﻭﺣﺰﺑﻪ ﺍﻟﻐﺎﺷﻢ ، ﻓﺠﺎﺀﺕ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﺸﻌﺎﺭﺍﺕ ﻟﺮﺩّ ﻛﻞ ﺷﻌﺎﺭ ﻳُﺮﻓﻊ ﺑﻼ ﻭﻋﻲ ﻭﺑﻼ ﺇﺩﺭﺍﻙ ﻭﺑﻼ ﻣﺴﺆﻭﻟﻴﺔ ، ﻓﺘﺤﻮّﻝ ﺷﻌﺎﺭ ‏( ﻧﻌﻢ ﻧﻌﻢ ﻟﻠﻘﺎﺋﺪ ﺻﺪﺍﻡ ﺣﺴﻴﻦ ‏) ﺇﻟﻰ ﺷﻌﺎﺭ ‏( ﻧﻌﻢ ﻧﻌﻢ ﻳﺎﺭﺏ ‏) ‏( ﻧﻌﻢ ﻧﻌﻢ ﻟﻺﺳﻼﻡ ‏) ‏( ﻧﻌﻢ ﻧﻌﻢ ﻟﻠﻤﺬﻫﺐ ‏) ‏( ﻧﻌﻢ ﻧﻌﻢ ﻟﻠﺠﻤﻌﺔ ‏) ‏( ﻧﻌﻢ ﻧﻌﻢ ﻟﻠﺤﻮﺯﺓ ‏) ، ﻛﻤﺎ ﺗﺤﻮّﻝ ﺷﻌﺎﺭ ‏( ﺃﻣﺔ ﻋﺮﺑﻴﺔ ﻭﺍﺣﺪﺓ ﺫﺍﺕ ﺭﺳﺎﻟﺔ ﺧﺎﻟﺪﺓ ‏) ﺇﻟﻰ ﺷﻌﺎﺭ ‏( ﻫﺬﻱ ﻫﺬﻱ ﺣﻮﺯﺗﻨﺎ ‏) ‏( ﻫﻲ ﻫﻲ ﻗﺎﺋﺪﻧﺎ ‏) ‏( ﻫﻲ ﻫﻲ ﺃﻣﻠﻨﺎ ‏) ، ﻓﻀﻼً ﻋﻦ ﺷﻌﺎﺭﺍﺕ ﺍﻟﺮﻓﺾ ‏( ﺑﻜﻠّﺎ ‏) ﻟﻠﺒﺎﻃﻞ ﻭﻷﻣﺮﻳﻜﺎ ﻭﻹﺳﺮﺍﺋﻴﻞ ﻭﻟﻺﺳﺘﻌﻤﺎﺭ ﻭﻟﻠﺸﻴﻄﺎﻥ ، ﺑﻞ ﻭﺻﻠﺖ ﻇﺎﻫﺮﺓ ﺍﻟﺸﻌﺎﺭﺍﺕ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻤُﻄﺎﻟﺒﺔ ﺍﻟﺠﻤﺎﻫﻴﺮﻳﺔ ﺑﺎﻟﺤﻖّ ﻛﻤﺎ ﻃﺎﻟﺐ ﺑﺈﻃﻼﻕ ﺳﺮﺍﺡ ﺍﻟﻤُﻌﺘﻘﻠﻴﻦ ، ﺃﻭ ﺇﻋﺎﺩﺓ ﺻﻼﺓ ﺍﻟﺠﻤﻌﺔ ، ﺃﻭ ﺍﻟﻤُﻄﺎﻟﺒﺔ ﺑﺘﺤﺴﻴﻦ ﺍﻟﻜﻬﺮﺑﺎﺀ ، ﻓﻲ ﻗﻮﻟﻪ ‏( ﻧﺮﻳﺪ ﻧﺮﻳﺪ ﻧﺮﻳﺪ ‏) ‏( ﻓﻮﺭﺍً ﻓﻮﺭﺍً ﻓﻮﺭﺍً ‏) ‏( ﻳﺎ ﺍﻟﻠﻪ ﻳﺎ ﺍﻟﻠﻪ ﻳﺎ ﺍﻟﻠﻪ ‏) ، ﻛﻤﺎ ﺃﻥ ﺷﻌﺎﺭ ‏( ﻧُﺮﻳﺪ ﻧُﺮﻳﺪ ﻧُﺮﻳﺪ ‏) ﻛﺎﻥ ﻟﻪ ﻣﻌﻨﻰً ﻇﺎﻫﺮ ﻭﻣﻌﻨﻰً ﻏﻴﺮ ﺍﻟﻈﺎﻫﺮ، ﺍﻟﻤَﻌﻨﻰ ﺍﻟﻈﺎﻫﺮ ﻗﺪ ﺗﻢ ﺫﻛﺮﻩ ﻭﻫﻲ " ﺍﻟﻤﻄﺎﻟﺒﺔ " ، ﻭﺍﻟﻤﻌﻨﻰ ﻏﻴﺮ ﺍﻟﻈﺎﻫﺮ ﺃﻥ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺸﻌﺎﺭ ﻛﺎﻥ ﻋﺒﺎﺭﺓ ﻋﻦ ﺷﻔﺮﺓ ﺧﺎﺻﺔ ﺑﻴﻨﻪ ﻭﺑﻴﻦ ﺍﻟﺸﻴﺦ ﻋﻠﻲ ﺍﻟﻨﻌﻤﺎﻧﻲ ﻭﻛﻴﻠﻪ ﻓﻲ ﻟﺒﻨﺎﻥ ، ﺑﺤﻴﺚ ﺇﺫﺍ ﺃﻃﻠﻘﻪ ﻓﻲ ﺻﻠﻮﺍﺕ ﺍﻟﺠﻤﻌﺔ ﻳﻌﻨﻲ ﺃﻧﻪ ﻓﻲ ﺧﻄﺮ ، ﻓﻼ ﺑﺪ ﻣﻦ ﺍﻟﺘﺤﺮُّﻙ ﻭﻓﻌﻞ ﺃﻱَّ ﺷﻲﺀ ﻳﻤﻨﻊ ﺍﻟﺨﻄﺮ ﻋﻦ ﺍﻟﺸﻬﻴﺪ ﺍﻟﺼﺪﺭ ﻭﻋﻦ ﺑﻌﺾ ﺍﻟﻘﺮﻳﺒﻴﻦ ﻣﻨﻪ ، ﻣﻦ ﺧﻼﻝ ﻭﺳﺎﺋﻞ ﺍﻟﻀﻐﻂ ﺍﻹﻋﻼﻣﻴﺔ ﺍﻭ ﻭﺳﺎﺋﻞ ﺍﻟﻨﺸﺮ ﻭﺍﻟﺼﺤﺎﻓﺔ ، ﻛﻤﺎ ﻳﻨﻘﻠﻬﺎ ﺍﻟﺸﻴﺦ ﻋﻠﻲ ﺍﻟﻨﻌﻤﺎﻧﻲ ﻧﻔﺴﻪ .
ﺳﺎﺩﺳﺎً : ﻇﺎﻫﺮﺓ ﺍﻟﻠﻄﻢ ﻭﺍﻟﺸﻌﺎﺭﺍﺕ ﺍﻟﺪﻳﻨﻴﺔ ، ﻭﻫﻲ ﺗُﻌﺪّ ﺃﻛﺜﺮ ﺧﻄﻮﺭﺓ ﻓﻲ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﺤﻘﺒﺔ ، ﻭﺃﻧﻬﺎ ﻣﻦ ﻣﻈﺎﻫﺮ ﺭﺑﻂ ﺍﻟﻤُﺠﺘﻤﻊ ﺑﺬﻛﺮﻳﺎﺕ ﺃﻫﻞ ﺍﻟﺒﻴﺖ ‏( ﻋﻠﻴﻬﻢ ﺍﻟﺴﻼﻡ ‏) ﺍﻟﺘﻲ ﻛﺎﻧﺖ ﻣﻤﻨﻮﻋﺔ ﻓﻲ ﺯﻣﻦ ﺍﻟﻬﺪّﺍﻡ ، ﺣﻴﺚ ﺯﺭﻋﺖ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻈﺎﻫﺮﺓ ﺭﻭﺡ ﺍﻟﺘﺤﺪّﻱ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺆﻣﻨﻴﻦ ﺗﺠﺎﻩ ﺍﻟﺴﻠﻄﺔ ﺍﻟﻐﺎﺷﻤﺔ ، ﻭﺑﺪﺃ ﺍﻟﺒﻌﺾ ﻓﻲ ﻣﻤﺎﺭﺳﺘﻬﺎ ﺑﻌﻤﻞ ﻣﺠﺎﻟﺲ ﺣﺴﻴﻨﻴﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﻌﻠﻦ ﺑﻌﺪﻣﺎ ﻛﺎﻧﺖ ﻓﻲ ﺍﻟﺴﺮّ ﻭﺍﻟﻤﻨﻊ ، ﻓﻘﺮﺃ ﺷﻬﻴﺪﻧﺎ ﺍﻟﻐﺎﻟﻲ ﻗﺼﻴﺪﺓ ﻟﻄﻤﻴﺔ ﻓﻲ ﺷﻬﺎﺩﺓ ﺃﻣﻴﺮ ﺍﻟﻤﺆﻣﻨﻴﻦ ‏( ﻋﻠﻴﻪ ﺍﻟﺴﻼﻡ ‏) ﻭﻛﺬﻟﻚ ﻓﻲ ﺷﻬﺎﺩﺓ ﺍﻹﻣﺎﻡ ﺍﻟﺤﺴﻴﻦ ‏( ﻋﻠﻴﻪ ﺍﻟﺴﻼﻡ ‏) ، ﺑﻞ ﻭﺻﻞ ﺍﻷﻣﺮ ﺇﻟﻰ ﺭﻓﻊ ﻧﺪﺍﺀ ﺍﻟﺘﻠﺒﻴﺔ ﺑـ ‏( ﻟﺒﻴﻚ ﻟﺒﻴﻚ ﻳﺎ ﺭﺑﻲ ‏) ﺃﻭ ‏( ﻟﺒﻴﻚ ﻟﺒﻴﻚ ﻳﺎﺭﺳﻮﻝ ﺍﻟﻠﻪ ‏) ﺃﻭ ‏( ﻟﺒﻴﻚ ﻟﺒﻴﻚ ﻳﺎﻋﻠﻲ ‏) ﺃﻭ ‏( ﻟﺒﻴﻚ ﻟﺒﻴﻚ ﻳﺎﻣﻬﺪﻱ ‏) ﺇﺫ ﺗُﻌﺘﺒﺮ ﺍﻟﺘﻠﺒﻴﺔ ﻫﻲ " ﺍﻹﻗﺎﻣﺔ ﻭﺍﻟﻄﺎﻋﺔ " ﻭ " ﺍﻟﻤﺪﺍﻭﻣﺔ ﻭﺍﻟﻤﻮﺍﻇﺒﺔ ﻋﻠﻴﻬﺎ " ﻭﻋﺪﻡ ﺍﻟﻤﻔﺎﺭﻗﺔ ﻟﻬﺎ ﺑﺈﻱّ ﺣﺎﻝٍ ﻣﻦ ﺍﻷﺣﻮﺍﻝ ، ﺑﺪﻝ ﻣﻤﺎ ﻛﺎﻧﺖ ﻋﻠﻴﻪ ﺍﻟﺘﻠﺒﻴﺔ ﻟﻠﻬﺪّﺍﻡ ﻭﺣﺰﺑﻪ ﻓﻲ ﺷﻌﺎﺭﻫﻢ ‏( ﻟﺒﻴﻚ ﻟﺒﻴﻚ ﻳﺎﺑﻮ ﺣﻠﻪ ‏) .
ﻫﺬﺍ ﻣﺎ ﺃﺳﺘﻄﻌﺖ ﻛﺘﺎﺑﺘﻪ ﻣﻦ ﻇﻮﺍﻫﺮ ﻏﺮﻳﺒﺔ ﻓﻲ ﺻﻼﺓ ﺍﻟﺠﻤﻌﺔ ﻭﻫﻲ ﻛﺜﻴﺮﺓ ﺟﺪﺍً ﺇﻻّ ﺇﻧﻨﻲ ﺃﺣﺎﻭﻝ ﻫﻨﺎ ﻓﺘﺢ ﺍﻟﺒﺎﺏ ﺃﻣﺎﻡ ﺍﻟﺪﺍﺭﺳﻴﻦ ﻭﺍﻟﺒﺎﺣﺜﻴﻦ ﻓﻲ ﺍﻟﺘﺄﻣﻞ ﺑﻬﺎ ﻭﺩﺭﺍﺳﺘﻬﺎ ﺩﺭﺍﺳﺔ ﻣﻴﺪﺍﻧﻴﺔ ﺗﻮﻋﻮﻳﺔ ﺗُﻌﺒّﺮ ﻋﻦ ﻣﺪﻯ ﺇﻣﻜﺎﻧﻴﺔ ﺍﻟﺨِﻄﺎﺑﺔ – ﺑﺄﺳﺎﻟﻴﺒﻬﺎ ﺍﻟﻤﺨﺘﻠﻔﺔ - ﻓﻲ ﺗﻐﻴﻴﺮ ﺍﻟﻔﺮﺩ ﻭﺍﻟﻤﺠﺘﻤﻊ .
ﻟﻬﺬﺍ ﻛﺎﻥ ﺍﻟﺴّﻴّﺪ ﺍﻟﺸﻬﻴّﺪ ﺍﻟﺼّﺪّﺭ ﺍﻟﺜﺎﻧﻲ ﻗﺪ ﺷﻜّﻞ ﻇﺎﻫﺮﺓ ﻓﺮﻳﺪﺓ ﻭﻋﻼﻣﺔ ﻓﺎﺭﻗﺔ ﺳﻮﺍﺀ ﻓﻲ ﺍﻟﻌﻤﻞ ﺍﻟﺠﻤﺎﻫﻴﺮﻱ ﺃﻭ ﺍﻟﻌﻤﻞ ﺍﻟﺤﻮﺯﻭﻱ ﻓﻲ ﺍﻟﻘﺮﻥ ﺍﻟﻌﺸﺮﻳﻦ ، ﻭﺃﻥ ﺍﻵﻟﻴﺎﺕ ﺍﻟﻤﻴﺪﺍﻧﻴﺔ ﻭﺍﻟﻤﺮﺍﺣﻞ ﺍﻟﺤﺮﻛﻴﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺍﺗّﺒﻌﻬﺎ ﻣﺜّﻠﺖ ﺑﺤﻖ ﺇﺑﺪﺍﻋﺎﺕ ﻣﺘﻤﻴّﺰﺓ ﺗﺆﺷﺮ ﻋﺒﻘﺮﻳﺔ ﺧﺎﺻﺔ ﺗُﺴﺠّﻞ ﻟﺴﻤﺎﺣﺘﻪ ﺑﺈﻣﺘﻴﺎﺯ، ﻭﺷﻜّﻠﺖ ﻓﺮﺍﺩﺗﻪ ﻓﻲ ﺍﻟﻘﻴﺎﺩﺓ ﻧﻬﺠﺎً ﺟﺪﻳﺪﺍً ﻻ ﻣﺜﻴﻞ ﻟﻪ ﻓﻲ ﺗﺎﺭﻳﺦ ﺍﻟﺤﻮﺯﺓ ﺍﻟﺪﻳﻨﻴﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﻨﺠﻒ ﺍﻷﺷﺮﻑ .
ﻛﻤﺎ ﻟﻢ ﻳﺴﺒﻖ ﺃﻥ ﺗﺠﺎﻭﺑﺖ ﺍﻟﺠﻤﺎﻫﻴﺮ ﻷﺣﺪ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﺮﺍﺟﻊ ﻣﺜﻠﻤﺎ ﺗﺠﺎﻭﺑﺖ ﻣﻊ ﺍﻟﺴّﻴﺪ ﺍﻟﺼّﺪّﺭ ﺑﻤﺜﻞ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﺴﺮﻋﺔ ﻭﺫﻟﻚ ﺍﻟﺤﺸﺪ ﺍﻟﻤﻠﻴﻮﻧﻲ ﺍﻟﻬﺎﺋﻞ، ﻭﻫﺬﻩ ﻧﻘﻄﺔ ﺗﺴﺘﺤﻖ ﺍﻟﺘﺄﻣﻞ ﻭﺍﻟﺪﺭﺍﺳﺔ . ﻛﻤﺎ ﻭﻳﺆﻛﺪ ﺍﻟﺰﻣﻦ ﻭﺩﺭﻭﺱ ﺍﻟﺘﺎﺭﻳﺦ ﺻﺤﺔ ﻗﺎﻧﻮﻥ " ﺗﻼﺯﻡ ﺍﻷﺟﻴﺎﻝ " ﺍﻟﺬﻱ ﺫﻛﺮﻩ ﺍﻟﺼﺪﺭ ﻓﻲ ﻣﻮﺳﻮﻋﺘﻪ ﺍﻟﻤﻬﺪﻭﻳﺔ، ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻘﺎﻧﻮﻥ ﻳﻨﻄﺒﻖ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻔﺮﺩ ﻛﻤﺎ ﻳﻨﻄﺒﻖ ﻋﻠﻰ ﺍﻷﻣﺔ، ﻭﻫﺬﺍ ﺃﺣﺪ ﺃﻭﺟﻪ ﺍﻟﻠﻄﻒ ﺍﻹﻟﻬﻲ ﺑﻌﺒﺎﺩﻩ، ﻓﻌﻨﺪﻣﺎ ﻳُﻐﻴّﺐ ﻧﺠﻢٌ ﻣﻦ ﺳﻤﺎﺀ ﺍﻟﻤﺮﺟﻌﻴﺔ ﻳﻈﻬﺮ ﻧﺠﻢٌ ﺁﺧﺮ ﻋﺎﺟﻼً ﺃﻡ ﺁﺟﻼ ﻟﻴﺴﺘﻠﻢ ﺍﻟﻘﻴﺎﺩﺓ ﻭﻳﻀّﻄﻠﻊ ﺑﺄﻋﺒﺎﺀ ﺍﻟﺪﻭﺭ ﺍﻟﺮﺳﺎﻟﻲ ﺍﻟﺘﺎﺭﻳﺨﻲ ﻛﻤﺎ ﺣﺪﺙ ﺫﻟﻚ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﺼّﺪﺭّ ﺍﻷﻭﻝ ﻭﺍﻟﺼّﺪﺭ ﺍﻟﺜﺎﻧﻲ .
ﻭﺃﻥ ﺗﺄﺛﻴﺮ ﻭﺇﻣﺘﺪﺍﺩ ﻣﺮﺟﻌﻴﺔ ﺍﻟﺴّﻴّﺪ ﺍﻟﺼّﺪّﺭ ﺳﻮﺍﺀ ﻓﻲ ﺍﻟﺴﺎﺣﺔ ﺍﻟﻌﺮﺍﻗﻴﺔ ﻭﺍﻟﻌﺎﻟﻤﻴﺔ، ﻻﺯﺍﻟﺖ ﺃﺻﺪﺍﺅﻫﺎ ﺗﺘﺮﺩﺩ ﺣﺘﻰ ﺍﻵﻥ ﻭﺍﻟﻰ ﺯﻣﻦ ﻗﺎﺩﻡ ﻻ ﻳﻌﻠﻤﻪ ﺇﻻّ ﺍﻟﻠﻪ ﺳﺒﺤﺎﻧﻪ ﻭﺗﻌﺎﻟﻰ .

ﻭﺍﻟﺤﻤﺪ ﺍﻟﻠﻪ ﺭﺏّ ﺍﻟﻌﺎﻟﻤﻴﻦ

الأربعاء، 2 نوفمبر 2016

نقد الاستشراق بين الدّيني والسياسي
قراءة نقدية مختصرة في الحركة الاستشراقية
بين
إدوارد سعيد ومحمّد الصدّر

بقلم : أسامة العتابي



يُعدّ موضوع الاستشراق بصورةٍ عامةٍ ، وما كتبه المستشرقون عن تراثنا العربي والإسلامي ومدراس تفكيرهم واتجاهاتهم بالنسبةِ إلى العديد من المواضيع التُراثية خاصة، ومن المواضيع الهامّة لدراسة التاريخ، لأنه يبرز جوانب عدّة، منها سلبيٌ، يتمثل بتلك الدراسات المُتعصّبة والحاقدة ذات الأهداف المناوئة لكُلِّ جُزءٍ من أجزاء تراثنا العربي الإسلامي وتجريده من كل فاعليةٍ وإبداع.
لا شك أن إعادة قراءة الحركة الاستشراقية في ضوءِ مفهوم «حِوار الثقافات» تَحْتلّ أهمية قصوى؛ ليس فقط لجهةِ تجاوز النظرة السلبية لهذه الحركة؛ وإنما أيضاً لجهةِ تفعيل خِطابها وجَعْلَه «خِطاباً تفاعلياً بين الذات والآخر». ولا شك أيضاً أن مسار الحركة الاستشراقية - بكُلِّ تعرجاتها - يندرج ضمن مفهومٍ أوسع يقف اليومَ بديلاً عن، وفي الضدّ من، الأطروحات والرؤى التي يُروَّجها «العقائديون الجُدُد» من أصحاب «يوتوبيا الهَيمنة»، والتي لا تنفكّ عن ترويج أفكار مثل: «صراع الحضارات»، و«نهاية التاريخ»، و«موت الفلسفة».... وغيرها .
صحيحٌ أن هذه الحركةَ لم تَخَلْ مُطلقاً من التحيّزات الآيديولوجية، والتدخلات السياسية، وخدمة الأجندات الاستعمارية، لكن في المقابل من ذلك ثمّةَ جُهودٍ استشراقية جبارة أسهمت في بعثِ وإحياء تُراثنا العربي الإسلامي، مثلما أسهمت في مسار نهضتنا الحديثة والمعاصرة، وإن لم يَحَلْ ذلك دون تعرّضها للمدح والثناء حيناً، والنقد والهجوم أحياناً أخرى.
وفي كلِّ الأحوال؛ سلك الفريقان (المادح والقادح) مَضايق التعميم والأحكام المُسبقة وردود الفعل العاطفية. وآية ذلك؛ أن أغلب المُنتقدين للاستشراق من منظور ديني لم يقرأوا بأنفسهم من إنتاج المؤسسة الاستشراقية الهائل إلا الفتات، فضلاً عن أنهم لم يُعطوا الأداة لذلك! ومن ثمَّ؛ أصبح تعبير «افتراءات أو أكاذيب المستشرقين» من أكثر التعبيرات وروداً على الألسن، وفي بعض الأحيان كان هناك وعي بالبُعد السياسي والديني معاً لموضوع الاستشراق، لكنه ظلّ يندرج تحت البُعد الديني، ويتخذ شكل عنصر من عناصره. ولهذا يمكن القول إن ثمة اتجاهين رئيسين قد حكما مسار عملية «نقد الاستشراق» في الثقافة العربية الإسلامية طوال القرن العشرين: الإتجاه الأول ينطلق في نقده لمنظومةِ الاستشراق من منظورٍ دينيٍّ مَحض، أمَّا الإتجاه الثاني فينقدها انطلاقاً من منظورٍ سياسيٍّ حضاريٍّ ، وبين الإتجاهين نسبةُ عمومٍ وخصوصٍ مطلق .
ولئن كان أصحاب الاتجاه الأول الأغزر كتابة والأكثر تشدُّداً في نقد الاستشراق ومحاكمته ووسم جميع ما كتبه المستشرق بـ «سموم الاستشراق والمستشرقين في العلوم الإسلامية»، وهو للتذكرة عنوان كتاب لأنور الجُندي (2002م) الذي خلّف موسوعات ضخمة في هذا الموضوع مليئة بالأوهام! ولا تنطبق عليها صفة العلمية؛ فإن أصحاب الاتجاه الثاني حصروا نقدهم للحركة الاستشراقية في زوايا السياسة، ودروب الكولونيالية، وربط شخوص المستشرقين ونتاجهم بأطماع ومخططات القوى الاستعمارية الإمبريالية. ففي النصف الثاني من القرن العشرين، وبدءاً من مطالع الستينات، نضجت على نحوٍ جليٍّ شُروط مناظرة علمية مع الاستشراق من قِبل نخبة من الباحثين والمفكّرين العرب مختلفة عن ذيّ قبل. ففيما سادت لغة السِّجال الأيديولوجي في قراءة أعمال المستشرقين لدى جمهرة من الكُتّاب العرب، كان أكثرهم منتسباً إلى تيارات الأصالة (كعمر فرّوخ، ومحمد البهيّ، وأنور الجندي...)، وغمرت مساحة من الزمن امتدت حتى منتصف القرن العشرين، أتت مُساهمة جيلٍ فكريٍّ عربيٍّ جديد في نقد الاستشراق تُعيد تصويب النظر إلى الموضوع، وتفرض قواعد جديدة للحوار تلتزم مقتضيات الدّرس الأكاديميّ وتقاليده (كأنور عبد الملك، وعبد الله العروي، وإدوارد سعيد، ومحمد أركون، وفؤاد زكريا، وحسن حنفي، ومحمد عابد الجابري، ورضوان السيد...).
على أن تجذُّر الاتجاه الأول في الثقافة العربية الحديثة والمعاصرة، طوال القرن العشرين، سمح له بأن يكتسب أتباعاً وأشياعاً وأن يتضخّم على حساب الموضوعية العلمية والتاريخية؛ بل وعلى حساب الاتجاه الثاني الذي لم يتبلور بصورة بيّنة ويأخذ حقه من الاهتمام إلاّ مع انتشار كتابات إدوارد سعيد بصفة خاصة. فمن جهة أولى، جرى تحوّل كبير في الفكر الإسلامي تجاه مسألة الاستشراق الغربيّ منذ عصر النهضة، فبعد أن اتسم روّادها الأوائل، أمثال الأستاذ الإمام محمد عبده والشيخ مصطفى عبد الرازق، بسيادة النظرة المُنفتحة على العالم؛ بحُكم انشغالهم بجدلية «التقدّم والتخلّف»، استبدلت الإحيائية الإسلامية إشكالية التقدم بالانشغال بمفهوم «الهويّة الإسلاميّة»، وأصبحت نظرتها ملئية بالتشكّك تجاه الإتجاهات الاستشراقية، ثم زاد التيّار التكفيريّ القطبيّ الطين بلّة بإستبدال الإشكاليتين بإشكالية أخرى هي «الحاكمية»، بحيث أصبح الاستشراق، وجميع مظاهر الثقافة الغربية، موضوعاً في قفص الاتهام!
ومن جهة أخرى، اتسمت النخبة المُمثّلة للاتجاه الثاني عن سابقتها بأنها متشبّعة بالثقافة الحديثة، ومطّلعة بشكل واسع على اتجاهاتها وتياراتها، بل وتخرّج أغلبها في جامعات الغرب، وتدربت على مناهجه التي استخدمها في دراسة تاريخ الإسلام الفكريّ والحضاريّ. ويلاحظ فؤاد زكريا، في سياق مقارنته بين الاتجاهين، أن أصحاب الاتجاه الأول متشبّعون بالثقافة الإسلامية، مُلّمون بعلومها التقليدية، على حين أنهم ليسوا على إطلاع واسع بنتاج المستشرقين محل انتقاداتهم من منظور دينيٍّ. أما أصحاب الاتجاه الآخر – إلاّ في ما ندر- فعلى العكس تماماً لديهم إطلاع واسع على نتاج المستشرقين لكن قلّة منهم فقط هم الذين جمعوا في جعبتهم ما بين التعليم الدينيِّ التقليديِّ من جهة والتعليم الغربيِّ الحداثيِّ من جهة أخرى. وفي ما يُتقن هؤلاء المدونةَ الاستشراقيةَ: تياراتٍ ولغاتٍ ومناهجٍ، يجهل أصحاب الاتجاه الأول التطوّرات التي لحقت بحركة الاستشراق؛ فضلاً عن الإلمام بمناهجه العلمية ولغاته.
وفي وقفتي التحليلية هذه أعطي مثالين لذلك الإتجاه الذي جمع بين الأمرين في نقد الحركة الإستشراقية :
المثال الأول : هو موقف المفكّر العراقي السيّد الشهيّد الصدّر من آراء المستشرقين الظالمة ، وهي رؤية نقدية تاريخية ( ثقافية ) .
المثال الثاني : تميّزت به رؤى وكتابات المفكّر الفلسطيني الراحل إدوارد سعيد بصورة خاصة وهي رؤية نقدية مميّزة .

·       الموقف النقدي لإدوارد سعيد .
أما بخصوص الإتجاه الثاني ففي هذا السياق، يمكن القول بأن كتاب إدوارد سعيد "الاستشراق" الصادر عام 1978، والمترجم إلى العديد من اللغات العالمية، يبرز بوصفه أحد المُنتجات الفكرية العالمية بالغة الأهمية، والتي تصدّت بالبحث والتحليل لشرح وتفسير المواقف المختلفة للغرب تجاه الشرق بعامة، والثقافة العربية والإسلامية بخاصة . ويعكس استشراق إدوارد سعيد، وهو أستاذ للأدب الإنجليزي المقارن، ذلك التلاقي والتلاحم بشكل كبير وواضح، بين تخصّصات وحقول معرفية مختلفة ومتباينة، مما يجعل استشراقه في النهاية عَصيٌّ على التنميط والتأطير، ويمنحه حدوداً واسعة للتعامل معه كنصِّ مفتوحٍ ممتلئٍ ومتّخمٍ بأشكال سردية وتحليلية وتاريخية متعدّدة .
والفكرة المحورية لكتاب "الاستشراق" تستند إلى فهم وتحليل وتفكيك هذه البنية الممثّلة عن الشرق من قبل الغرب. وفي سبيل التمكن من هذه البنية، وتفكيكها، فإن إدوارد سعيد يتناول العديد من أصحاب التخصّصات والأنشطة التي تدخل تحت مظلّة هذا النشاط الواسع والعريض مثل الشعراء، والروائيين، والفلاسفة، والمُنظّرين السياسيين، والإقتصاديين، والإداريين الإستعماريين الذين يبنون أعمالهم وأنشطتهم على هذا التمييز المسبق بين ما هو شرقي وما هو غربي. ويرى سعيد بوجود ثلاثة معاني للاستشراق، المعنى الأكاديمي، والمعنى الخيالي، والمعنى الخاص بهيّمنة الغرب على الشرق، أيّ بالاستشراق بوصفه معرفة ملازمة للقوّة الغربية وهيمنتها الإستعمارية. وفي هذا السياق يعتمد سعيد على كتابيّ فوكو (أركيولوجيا المعرفة)، والنظام والعقاب، في تأسيس تحليل للخطاب الاستشراقي، وفهم أبعاده الإستعمارية المرتبطة بالقوة الماديّة وأشكالها الرمزية الإستعمارية. فالهدف الرئيسي عند سعيد هنا هو تحليل الاستشراق كخطاب، بحيث يمكن من خلال هذا التحليل معرفة الكيفية التي استطاعت من خلالها الثقافة الغربية أن تنتج وتستهلك وتؤبّد وتقمع وتشكل وتمثل الشرق سياسياً، وسوسيولوجيا، وعسكرياً، وأيديولوجيا، وعلمياً، وتخيلياً، في فترة ما بعد التنوير.

·       الموقف النقدي للشهيد الصدّر.
لقد اندفع عددٌ غير قليل من المستشرقين الأوائل والمتأخرين سواء كانوا مؤرخين أم كُتّاباً بدوافعٍ دينيةٍ وسياسيةٍ وعنصرية إلى التخصّص والكتابة والبحث في مواضيع معينة دون غيرها من التراث الحضاري، كالتخصّص في الكتابة عن المبادئ الإسلامية أو الفقه الإسلامي أو الفرق الإسلامية أو المسائل الدينية والدعوة الإسلامية وحياة الرسول (ص) وأهل بيته (ع) أو القرآن الكريم فقد شغلت هذه المواضيع، اهتمامات المستشرقين في كلِّ من فرنسا وألمانيا وبريطانيا وأمريكا، ولا سيما منذ نهاية القرن الثامن عشر الميلادي فصاعداً لما لها من علاقة سياسية وثيقة بحركة التوسع والاستعمار الأوربي .[1]

وبهذا الصدد يقول الشهيد الصدّر في بعض موارد منجزه المعرفي : ( إن جملة منهم عملاء من حيث يعلمون أو لا يعلمون للدول التي ينتمون إليها، أو للحضارة التي يعيشون فيها، فالمُستشرق إما مأجور حقيقة أو عنصر شرف في قائمة الدسّ والتلفيق، إذ يشعر بضرورة الإنتصار لدولته أو مصالح دنيوية أو قوميه أو لأيّ شعار من الشعارات المُعادية للإسلام. على أن الأجر المَبذول للتبشير الاستعماري المسيحي، ليس بالقليل ولا الضئيل). [2]
ونستشف مما تقدّم أن الشهيد الصدّر يشير إلى أن أن تناولهم موضوعات الدين الإسلامي الذي حلّ محلّ النصرانية في أغلب بلدان المشرق، ووقف في طريق امتدادها وامتداد دولها في تلك البلدان، بل إنه ظلّ على مدى التاريخ المقارع والمنافس الرئيسي لها بين الشعوب، واستطاع الإسلام أن يغزوها في عقر دارها، كما حصل في أوربا الغربية مستولياً على أسبانيا إلى حدود فرنسا . [3]
وبهذا يقول الشهيد الصدّر في موردٍ آخر : ( إن الزاوية المسيحية التي تفترض سلفاً، ومن دون إعطاء أي فرصة للمناقشة، إن الدين الإسلامي باطل، وان محمد بن عبد الله (ص) ليس نبي وأن القرآن الكريم ليس كتاباً فضلًا عن الصحابة وأئمتنا (ع))[4] وهنا يؤكد المفكّر العراقي الشهيد الصدّر ، أن دراسة المستشرقين للإسلام قامت بوحي من الكنيسة الغربية الكاثوليكية، للإنتقاص من الإسلام، وإهدار قيمه‏ حُرصاً على مذهب الكَثْلكة من جانب، وتعويضاً عن الخسائر الصَليبية من جانب آخر ، فبدؤوا التشكيك في القرآن الكريم ونفوا إعجازه في أسلوبه البلاغي وإخباراته الغيبية وحقائقه العلمية، وهو إسقاط الدليل الذي يثبت سَماوية وخلوده بخلود جوانب إعجازه من جهة، وإسقاط دعوى نبوة محمد (ص) وإرساله من قبل الله تعالى للعالمين من جهة أخرى وبذلك يفقد القرآن الكريم والنبي (ص) قُدسيتهما لدى المسلمين، تلك القدسية القائمة على أساس أن القرآن الكريم كلام الله أوحاه لنبيه محمّد (ص)، وعندها يصبح شأن القرآن الكريم لديهم شأن أيّ كتاب بشري يطاله التغيير والتعديل أو الإهمال، وما محمد إلاَّ رجل متميز بذكاء وقدرة اجتماعية استطاع من خلالها أن يهيمن على قومه ويقنعهم بأساليبه النفسية . [5]
ولما كان الثقل الثاني من الدين الإسلامي بعد القرآن الحكيم هم أهل بيت النبوة ومعدن الرسالة، الذين كان الرسول محمد (ص) هو نورهم المُقوّم، كان ثاني ما اهتم به المستشرقون من موضوعات الإسلام، فتناول‏ الكثير منهم شخصياتهم وسيرتهم بطريقة مليئة بالشيطنة والخبث والتزوير، مستترين بستار البحث والنقد العلميين، ومن أجل ذلك راحوا يتتبعون مفردات التاريخ الإسلامي لإستقصاء موارد الشذوذ ومواطن التزوير في سرة النبوة التي أحدثها وعاظ السلاطين ومرتزقة الحكام المنحرفين، وتسليط الضوء عليهم وإظهارهم على أنها السيرة الفعلية للرسول وأهل بيته، ثم يبدأ استثمار ذلك عند تأسيس بحث نقدي لسيرة الرسول (ص) لتحقيق هدفين، الأول: إبراز تهافت وتناقض في سيرته وصولًا لنفي نبوته وعالميته، وتقرير أنه ليس إلاّ رجل إصلاح قوميّ استثمر اليهودية والنصرانية وأضاف إليها من عنده لتنسجم مع مجتمعه وظرفه الزماني والمكاني. والآخر: وهم السنة النبوية الشريفة بالاختلاق والوضع ثم الدعوة إلى عدم صحتها مصدراً أساسياً من مصادر التشريع الإسلامي . [6]
في فضاء هذا الواقع الذي اصطنعه الغرب في عالمنا الإسلامي، انبثت مفاهيم مولّدة صدرت عن وعي مستعار تموّضع في عقول طائفة من المفكّرين والكُتّاب ممن حاولوا أن يروا الأنا بمنظار الآخر، فتماهوا مع كل ما هو غربي، وأزاحوا ما سواه، عندما صارت رؤيتهم تستمد مرجعيتها من أعمال الاستشراق وتنحاز صوب الأيديولوجية الاستعمارية للغرب، لذا نجد صدى أفكار المستشرقين في البلاد الإسلامية، ونفوذ وتغلغل فرضياتهم ونظرياتهم ومناهجهم في أعمال الباحثين والدارسين في الجامعات العربية والإسلامية الذين تشبعوا بروح الغرب وتنفسوا برئته وفكّروا بعقله، وليس لهم سوى ترديد صدى أساتذتهم المستشرقين ونشر أفكارهم ونظرياتهم في إيمان عميق وحماسة زائدة .[7]
ولهذا كانت وقفتنا هذه بتسليط ضوءٍ على مفكّريين عربيين لهما قراءتهما النقدية المميّزة للحركة الإستشراقية نابعة من المنهج التاريخي ، والاكاديمي العلميّ ، وبعيدةٌ عن التعصّب للجهة أو للدين أو للقوميّة ..

                                                                               أسامة العتابي .
1 / 11 /  2016 م



[1] - انظر : ناجي، عبد الجبار، تطور الاستشراق في دراسة التراث العربي، دار الجاحظ، بغداد، 1981، ص 9- 10 .
[2] - انظر : الصدر، السيد محمد محمد صادق، موسوعة الإمام المهدي، ص 34  .
[3] - انظر : المقدادي، الشيخ فؤاد كاظم، الإسلام وشبهات المستشرقين، مطبعة المعارف، 1425هـ -ص 131.
[4] - انظر : الصدر، الموسوعة، ج 1، ص 33- 34  .
[5] - انظر : الرفاعي، عبد الجبار، نحن والغرب، دار الهادي، بيروت، 2002، ص 86  .
[6] - انظر : المقدادي، الإسلام وشبهات، ص 145- 146 .
[7] - نظر : الرفاعي، نحن والغرب، ص 87  .

الاثنين، 10 أكتوبر 2016



( الإصلاح أعظمُ شعيرة من شعائر الحُسين )
عاشوراء الــدم ، شَهادةٌ للعصــر ، وبوابــةٌ للنصر .



يقول المُفكّر الأديب الفَقيهُ اللُبْنانيّ عَبْدُ اللهِ العَلَايلِيّ ( إنّ معركة الإمام الحُسين هي معركةِ إرجاع الحقِّ كميزانٍ للأمّةِ وكقضيّةٍ اجتماعية ، وكميزانٍ للحُكمِ كقضيةٍ سياسية ، فالإمام الحُسين لم يدعو الناسَ لنُصرتهِ بأعتبار شخصه أو بأعتبار نسبه ، إنما كان يدعو الآخرين أن يتأمّلوا الحقّ مع من ، ثُمَّ ينصرونه ) المصدر: سُمُوّ المَعنَى في سُمُوّ الذَّات - أَشِعَّة مِن حَيَاة الحُسَيْن – ص 81 .
من هذا المُنطلق يتبيّن لنا أن ثورة الحُسين الإصلاحيّة هي ثورة من أجل القانون والعدل وليست ثورة من أجل المنصب أو الحُكم أو الثروة ، بل هي ثورة للرمز والخلود ، لإنها جعلت للحقِّ قيمةً ذاتية ، فالحُسين بات يُمثَّلُ صوت الناس وصوت الجماهير ، فعندما تتكاتف تلك الجماهير على فعل الخير وصنُع الحُرية ؛ فإن روح الحسين تتحقق في الواقع ، وعاشوراء اليّوم هي قضية رفض لكل أنواع الفساد ، فتضع الإنسان أمام خِيارين : خيارُ أن يرتفع وأن يُضحَّي ، وخيارُ أن يخونَ وأن يظلم وأن يخضع للواقع الفاسد .
اليّوم نحن في عِراقنا الجريح ، بأمسّ الحاجة إلى التضحية ؛ لإن قضية إصلاح المُجتمع تستحق أن يُضحّي لإجلها الفرد والمُجتمع ، مهما كانت مكانة ذلك الفرد وقُدسيّته وموهبته ووضعه الإجتماعي ، وهذا هو خط الإصلاح الحُسيني الذي ضحّى فيه الإمام بنفسه وبعياله وبأولاده الذين كانوا يمثلون صفوة المُجتمع .

اليّوم الكلّ مسؤول على مايحدثُ في العراق ، والوضع يحتاجُ إلى صرخةِ دمٍ ، وليس انتقاداً بارداً فحسب ، كصرخة الدم الحُسيني تلك التي لولاها لكانت كل المُجتمعات اليّوم تقرَّ بشرعية الانظمة الأستبدادية الفاسدة على أختلاف أفكارها .
لقد حدّدَ الإمامُ الحسين – عليه السلام – طبيعةَ ثورتِه بكونِها " طلبَ الإصلاح " وهو طلبٌ متجدّدٌ؛ لكونِ حاجةِ الإنسانيةِ غيرَ متوقّفةٍ عند حاجة، ولكونِ الإصلاحِ جزءاً من طبيعةِ الإبداعِ لفطرةِ المخلوقِ البشري، سواء لدى الفرد، أو لدى الأمة؛ فكانَ الحسينُ مصدرَ الوعيِ الأولِ ضِدَ تخوّفاتِ الشللِ المُستقبليّ لكلِّ أمة تعاني القهرَ والاستلاب ( كما في العراق ) ، وعاشوراءُ تمثّلُ طاقةً من الأملِ المستمرِ في إمكانيةِ إعادةِ بناءِ الإنسانِ وتوجيههِ نحوَ الإبداعِ، وصنعِ الحرية ، إذ أنَّ الحريّةَ لا تورّثُ، ولا تُمنح بل أنها تُصنعُ، وتتكون وأين نحن من حريتنا في العراق هل يُمكننا أن نصنعها أم لا ؟.
وإذا كانت عاشوراءُ ثقافةً في نقدِ الواقع؛ فهي تتعالى في أن تُحبسَ بعنوانِ كونِها مناسبةً بُكائيةً، أو إعادةَ سيرةٍ رثائية، أو تجميدها في طوطميات تجريدات، ذهنيّة، عرفانية، أو فلسفية لا صلةَ لها بواقعِ الإنسانِ وتاريخِه، ومعاناتِه وطموحاتِه وبناءِ الذاتِ الثورية من داخلِ المعنى المتجدد للتقوى والعدالةِ القرآنية ، وهذا المعنى نحتاجه اليّوم في عراقنا الجريح ، فمدرسة الحسين فوق الإنتماء ، وفوق العزاء ، وفوق التَمَذْهبّ ، وفوق القومية ، وفوق الزمان والمكان ..
الحُسين هو وراث خط الإصلاح منذ آدام وحتى محمد (ص) ، وبقي هذا الخط يَرَثهُ المُصلحون والثوّار والمُلهمين بنهج الحُسين (ع) ، وما نُشاهده اليّوم من مشاريع نهضويه إصلاحية في عراقنا الجريح ، يقوم بها سماحة السيَّد القائد مقتدى الصدر (دامت مساعيه) إلاّ شاهداً حيّا لديْمَومة هذا الخط ، من أجل أن يبثَّ تلك الروح الثورية الحُسينية في نفوس الجماهير في أن تُطالبها بحقِّها المَسلوب ، وأن تحمل شعار الإصلاح كعنوان لمَسيرتِها النهضويّه .
وفي ذكرى واقعة الطفَّ ، خطّ لنا راعي الإصلاح عدَّةِ وقفاتٍ إصلاحية ونحن في شهر سيَّد الإصلاح والمُصلحين ، كيّ نُقرّرَ مصيرنا إما أن نكون أو لا نكون ؟ ولنُقرّر الالتحاقَ برَكبِ الصالحينَ، والمُصلحينَ، والعامليَن في سُبُلِ عزّةِ مجتمعِنا وأُمتِنا؛ فقضيةُ الإمام خالدة، وتتطلّبُ – بإستمرار- أصحاباً، وأنصاراً؛ للذَودِ عنها، ورَفعِ شأنِها. فلنكُنْ _جميعاً_ من هؤلاء، الذين يخرجون من سجنِ أناتهم، وينعتقون من رَبقةِ الخوف، وينطلقون في مشروع القبضِ على الحريّةِ، والعزةِ لهم ولأبنائهم ومجتمعهم .  ولعلّ من أهمِّ دروسِ عاشوراء، هي أنّ إنجاز طموحاتِنا رهَنُ إرادتِنا، وعزمِنا مهما كانت الصعوباتُ، والعقبات. لأنّ إرادةَ الإنسانِ فوقَ التحديات, وبها يستطيعُ الإنسانُ أن يتجاوزَ كُلَّ الصعوباتِ، والعراقيل .
ومن تلك الخطوات هي :
أولاً : فكرة إنطلاق مظاهرة شعبية عارمة بعد إنتهاء مراسيم عاشوراء ، وهذه الفكرة تمثل الحرية الحُسينية للجماهير ، فلاحرية بدون أحرار، ولا ديمقراطيةَ بدون ديمقراطيين، وأن كلّ حريةٍ بلا أحرار هي حريةٌ شكليّة، وإّن حجرَ الزاوية في مشروعِ الحرية، هو وجودُ الإنسانُ الحر، الذي يُترجمُ قيمَ الحريةِ ويدافعُ عن مقتضياتِها ومتطلباتِها . لذلك نجد الإمامَ الحسين(ع) يعلنُ: "واللهِ لاأعطيكم بيدي إعطاءَ الذليل، ولا أُقرّ لكم إقرارَ العبيد"، " ألا وأنَّ الدعيَّ ابنَ الدعي قد ركزَ بين اثنتينِ، بين السِلّةِ والذلّة وهيهات منّا الذلة" .  إضافة إلى كونها مظاهرة لجميع أبناء الشعب العراقي - لا صدرية و لا مدنية ولا أيّ عنوان يُرفع بها - لإيصال صوت الإصلاح إلى داعمي الفساد .
ثانياً : فكرة الإستمرار بالمظاهرات الغاضبة ضد مفوضية الإنتخابات ، تُعبّر عن أسُّ عمَلية الإصلاح وجوهرها ؛ لإن هذه الفكرة تَقطع الطريق على الفاسدين ، وتُحجّم دورهم ، ولهذا تحتاج إلى نفوس أبيّه ، تتحمل الصبر كمل تحمّل الحُسين (ع) ، فمن يُحبّ الحسين؛ فليعمل من أجلِ الإصلاح في أمةِ جدّه، كلٌّ بحسبِ طاقتِه وإمكاناتِه وأن نسيرَ في طريقِ الخيرِ ونعملَ في صناعتِه في كلِّ دوائرِ الحياة التي نمرّ بها وخاصةّ حياة العيش السليم في عراقنا الجريح ، كما ويريدُنا أبو عبد الله الحسين (ع) أن ننصرَ المُصلحينَ في الأمة، ولا نتفرّج عليهم، بل نساندهم وندعمهم، وأنْ نقفَ ضدّ كلِّ ظلمٍ يحدثُ في حياةِ الإنسان، وأنْ لا نكونَ متفرجينَ تجاهَ واقعِ مجتمعِنا وأمتِنا، وإنما شركاء في صناعةِ الخير، والمعروف، والإصلاح. وفقَ هذه الخطوط نتمكّن كآحادٍ ومجتمعات في عراقنا الجريح, أن نواصلَ مسيرةِ الإصلاحِ في الأمة؛ لأنّ النواةَ الأولى لأيِّ مشروعٍ إصلاحيٍّ هو وجودُ الإنسانِ المؤمنِ بالإصلاح, والقادرِ على تحمّل كُلفتِه النفسيّة، والعملية ، وهذا متوفر إن شاء الله تعالى . وإذا كانت طاقةُ الفرد، لا تتمكّنُ من تغييرِ الواقع، فلتلتقي بطاقةِ الآخرين، وتتعاون معه من أجلِ بناءِ كتلةٍ في المجتمعِ والأمة تعملُ من أجلِ التغييرِ، والإصلاح .
ثالثاً :فكرة تأجيل المفاوضات مع (( التخالف الوطني ))  ، تُعبّر عن أن أطراف الفساد لا يرضون بشروط الإصلاح وديمومة عجلته ، وهذا يعني إمّا أن تكون معهم في فسادهم ، وإما أن تكون مُعارضاً ومصيرك يكونُ مجهول ، وهذا ما يُذكّرنا بنهضة الحُسين (ع) حينما أرادوا أن يطلبوا البيعة منه ، إلاّ أنه سلام الله عليه لم يُجامل على حساب الحقَّ ورفض كل أنواع الفساد ، وقال ( مثليَّ لا يُباعُ مثله ) .

رابعاً : إذا لم تقُم الحكومة بخطواتٍ جادّة لتعيين وزراء مختصين و مستقلين للوزارات الأمنية فعلى الشعب الإستعداد لإعتصامٍ ثاني مفتوح ، وفكرة الأعتصام هذه هي نوعٌ آخر من انواع الرفض الحُسيني بشكله الحضاري الجديد ..
خامساً : إذا تم إرجاع الوزارات المستقيلة و المُقالة ستكون لنا وقفة اخرى ... وسنبقى سائرين على الإمام الحسين و سنتشرف بإراقة الدم الطاهر على دكة الإصلاح ، وهذه هي الصرخة التي يُطلقها الثائر مقتدى الصدّر من أجل عراقٍ خالٍ من كل انواع الفساد ، حيث ستكون شَهادةٌ للعصــر ، وبوابــةٌ للنصر . والأُمة الحيّةُ هي الأُمّة التي تنتج، وتعملُ وتكافح وتراقبُ، وتُحاسب، فالإمام الحسين (ع) يُريد منّا اليوم أنْ نحتجَّ ونقاومَ كلَّ من يصنعُ الظلمَ والمأساةَ في حياةِ الإنسان, ونتحرّرَ من رَبقةِ أولئكِ النّفرِ الذينَ خَذلوا الحقَّ ونصروا الباطل.
فتعالوا جميعاً – أيَّها العراقيين - لنُعيدَ تجربةَ التاريخَ، ونتمسّك بالحق وننصرَه؛ ففي ذكرى شهادة الإمام الحسين(عليه السّلام) تعالوا نعقدَ العزمَ على رَفعِ رايتِه، وحمايةِ القيمِ، والمبادئِ التي عاشَ من أجلِها وضحّى في سبيلِها في ذكرى تضحياتِ سّيد الشهداء وبطولاته حريٌّ بنا أنْ نُقرّرَ نبذَ خَيارِ التفرّج، وممارسةِ شهودِنا، وحضورِنا على واقعِنا، فكما مارس الإمام الحضور، والشهود بكل صوره وتجلّياتِه؛ فنحنُ ينبغي لنا إذا أردنا الالتزامَ بنهجِ الإمامِ أنْ نمارسَ الشهودَ والحضور ، وأن نُغيّر واقعنا بأيدينا .

أسامة العتابي .



الثلاثاء، 31 مايو 2016

عليٌ أول شهيدٍ في مَحرابِ صلاة القرآن [ تأملات وتبتلات ]


في رحاب الشهادة ، في رحاب الألم ، في رحاب ليلة القدر الحزينة ، في رحاب شهر رمضان الذي نعيش فيه فقدان أعظم شخصية بعد رسول الله [ صلّى الله عليه وآله ] ، والتي لامثيل لها ؛ لكونها تجمع كُل الصفات الشخصية للعباقرة والفنانين والأبطال ، إنها شخصية روَحانية أعمق من روحانية البراهمه ، إنها شخصية ذات فروسية تتجاوز فروسية الأغريق ، ذات رشاقة بلاغية أعجزت الأدباء ، ودّقة فكرية تصاغرت عند عتبتها الفلاسفة ، إنه [ عليٌ بن أبي طالب ] صلوات الله عليه ..
كل كتابة بحبر القلب تُضعف القلب ، إلاّ الكتابة عن عليٍّ فهي تُغذيه ، فهو معنى أساسي من مقوّمات الروح ، وتطّلع إبداعي لكُل روح تجاهد في تثبيت أسُسها في تربة التألق ، فهو للمَعنى مَحراب ، وللجهل حِراب ، وبين يديه تتحول الإنسانية إلى مهرجان بعدما كانت تراباً ، كلماتي هذه تختلف عن كل مرة ، إنها تأملات وتبتلات في سيرة علي ( عليه السّلام )
حار الجميع بشخصيته ، فهم يتقاتلون على السُلطة ويذبح بعضهم بعضّاً ، بينما هو يقارنها بشسع نلعه المقطوعة ، نعم ذاك هو المقاتل المُرعب الذي يخاف منه الأعداء، إلاّ أنه يخشى الله في نملة ، ذاك الذي لا يشعر بالسَهم حينما يخرج من فخذه في الصّلاة ، إلاّ أنه يسمع صوت المُحتاج فيتصدّق بخاتمه قربة لوجه الله ..
نعم ذاك هو علي بن أبي طالب الذي حُجب دوره في بناء الحضارة ، منذ إلغاء البسملة من القرآن وأبعادها - على بعض الآراء كونها ليّست آية من القرآن - ؛ لإن عليّ هو الباء في تكوينها ومفتتح عقلانيتها وتعقّلها ..
إلاّ أنها تبقى [ البسملة ] أعظم آية في كتاب الله تعالى على حدِ قول مولانا الإمام الصادق ( عليه السلام ) ، وأنها شرط صحة سلامة القرب من الإنسان مثلما هي شرطٌ في صحة عبادة الإلة ..
عليٌ هو تلك النقطة التي في [ باء ] البَسملة ، والتي توّضح أنه أول من سمع القرآن ، وأول من كتب تفسيراً له ، وأول شهيد في محراب صلاة القرآن ، وقد قضى نحبة في شهر القرآن ، وفي ليلة القرآن ..
حياة علي بن أبي طالب كلها جهاد ، لاتوجد مرحلة كان فيها علي بن أبي طالب عاطلاً أو ساكناً أو مسترحياً ، علي كان جسد الجهاد وروح الجهاد ، فبه تم حفظ الإسلام كشهادة لفظية ، وبه تم حفظ الإسلام كشهادة معنوية وفكرية ومعرفية ، وبه تم حفظ شهادة الإسلام العالميه ، فكان علي هو روح الشهادة وفكر الشهيد ، وكان هو فكر الإمام وروح الإمامة .
أليس الفردوس هو أسمى ما يصل إليه الخيال من الراحة والأسترخاء ، فكيف يتحول ضريحُ علي إلى أسمى من الفردوس ، فهو أسمى من الخيال ، فملايين الناس من كل بلاد الأرض تتجه صوب ضريح علي ، إلى تلك البقعة الصغيرة في بلدٍ صغير ، يطوفون في مدينة يصافخ هواؤها ضريح علي، وتُخيّم شمسها فوق ضريح علي ، لإنه لايخيم فوق ضريحه الظلام ، أيّ رجلٍ هذا الذي ضريحه أسمى من الخيال ، والشمس تقف فوقه كخيمة متواضعة ..
شخص تراب مَضجعة هو [ وادي السلام ] فإيّ سلامٍ هو معناه ، أيّ سلامٍ هو مبلغ رسالته ووصاياه ؟!
إذا كان تراب مرقده مثوى للنفوس ، فإي مرقد للمَعنى ثوى في نفس علي وروحه ؟!
علي هو قرآنٌ في مسيرته ، وهو قرأنٌ في صفاته ، وهو قرأنٌ في تجدّده والتأمل فيه ، عليٌ هو قرآنٌ للقرآن ، والقرآن هو عليٌ لعلي [ القرآن مع علي ، وعليٌ مع القرآن ] وبدون علي تكون رسالة الإسلام ناقصة ، فإذا كان الإسلام هو أسمى رسالة ، ومحمدٌ ( صلّى الله عليه وآله ) أكرمُ نبي ، فإين هو الإنسان المُسلم الذي يُمكن أن نقول هو ثمرة الإسلام المحمّدي ، وما نفعُ الرسالة إذا لم تكن تملك نموذجاً مصدّاقياً لنجاحها بعد رحيل النبي الاكرم ، حينها سيكون الوحي مجرد نظرية بلا تطبيق ، وهنا يبرز دور علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) النموذج الحي لنجاح الرسالة ، والتطبيق العملي لها ، الدّال على قيمتها ، وهذا هو معنى [ اليّوم اكملتُ لكم دينكم ] فبعلي تمت رسالة الإسلام ، لكونه هو المصداق العملي للرسالة ، وهو النموذج الأختباري الميداني لقيمها واهدافها .
فعلي بن أبي طالب هو [ الهويّة ] وهو [ الأصل ] وهو [ الحضور ] فبدون علي يكون القرآن مجموعة حروف مصفوفة في كتاب ، لم يتفق أحدٌ بماذا هو معجزة ، هل بنحوه وبلاغته ، أم في فكره وفلسفته ، أم في غَيبه وطَبيعته ، أم في علمه وتجربته ...الخ ؟!
فهو جزءٌ داخلي من القرآن ، حيث الواقع الحي جزءٌ من حقيقة كل رسالة ، لذا جاء الخبر عن النبي ( صلى الله عليه وآله ) : قوله [ إن القرآن أربعةُ أرباع ، فربعٌ فينا أهل البيت خاصة ، وربعٌ في أعدائنا ، وربعٌ حلالٌ وحرامٌ ، وربعٌ فرائضُ وأحكامٌ ، وإن الله أنزل في علي كرائم القرآن ] .
فبدون علي لايوجد هناك اتفاق على قراءة القرآن ، لا في النحو ولا في القراءة ، وبدون علي لايوجد أتفاق في قراءة القرآن لا في معناه ولا في تفسيره ، فضلاً عن تطبيقه ، وكيف يكون الإتفاق حينما يتم نفي النموذج الاول من التطبيق ، والفهم الأعمق من المعنى ، والأصل الأول من اللغة ، حينها ينفى السماع الأول ، والشارح الأول ، والمدافع الأول ، والشهيد القرآني الاول ، فمن حُذف أوله لم يُفهم وسطه وآخره ، ومن حُذف اوله ضاع مبتدأه بخبره ..وهذا هو الذي يفسّر سهولة دخول الإسرائيليات والاخبار الضعيفة في عملية تفسير القرآن الكريم .
لقد تم قتل القرآن الناطق ، فتم تشويه القرآن الصامت ، لقد تم أغتيال القرآن الإنسان ، فتم تعطيل القرآن الكتاب ، وحينما هُجرت الحقيقة تلقفتنا الخرافات ، وحينما أبُعدت المُحمّديات ، أسَّرَتنا الإسرائيليات .. وهذا هو معنى لامعقولية للنص القرآني بدون علي بن أبي طالب ، وهذا هو معنى توازي فكرة الإمامة بكون القرآن إماماً صامتاً ، وبالتالي فإن نكران الإمامة هو بالفعل هدمٌ للنبوة لإنها مكمّلةٌ لها .
لإن النص القرآني دون علي سوف يكون كتاباً عادياً في البنيّة اللغوية ، وسوف يكون نص بركة ، أو نص فذلكة بلاغية ، او إكراهات فلسفية وفقهية طائفية او بحوث طبيعية ، بمَعنى أن القرآن سيغدوا [ بدون علي ] نصاً فاقداً للدلالة فلا يبقى أي جامع بين الفرق الإسلامية سِوى لفظ لا إله إلا الله [ حسب مايقوله العلامّة الطباطبائي في مقدمة كتابه الميزان ] حيثُ يزداد منطق التكفير وشق جسد الأمة وذهنيتها ..
إلا ان كل تلك الصعوبات والإشكالات تزول لو قَبلِنا بعلي بن أي طالب واولاده هم الإمتداد الطبيعي لدلالة النبوة .
عليٌ هو صوت العدالة لإنسانية كما يقولها [ جرداق ] فكان هذا الفارس المُرعب للفرسان والقائد الأعلى للقادّة لايعرّف نفسه بشيء سوى كونه أبـــاً لليتامي والمساكين ، ولايُبالي بكل نيران الحروب والمُؤامرات ضدّه ، وبينما الناس لاتعترف بالله إلاّ كوسيلة يُوصلها إلى الجنة ويحميها من الجحيم ، فإن علي بن أبي طالب ، يخاف نار الفراق ، نار البُعد بقوله [ هبني يا إلهي صبرتُ على نارك فكيف أصبر على فراقك ] أليس الطفل يتحمل كُل حِرمان إلاّ حَرمان البُعد عن أمّه ، فلا تستطيع مواساته بمَنحه أيّ شي بغيّة أن تذهب الأم إلى السوق في حاجة ضرورية ؟!
فالإم هي مثال الجمال والكمال ، هي في عيون الطفل الصغير الجاهل ، هي الكمال ومصدر كل خير وحبّ ، وعلي هذا الطفل العالم الكبير ، يعرف أين يكون ثدي الجمال والحنان ، الذي يرضع منه العالم والوجود ، فهو كان منشغلاً به ، فيقوم الحاسد في وسط خطبة له (ع) ويقول كم شعرة في رأسك ؟ ! او يقول الآخر كافرٌ ما أفقهه ؟!
ومع كل ذلك لا يغلظ الإمام معه ولايقطع راتبه الشهري من بيت المال ، ويبقى صوته مسموعاً ، فحق المعارضة مكفول عند الإمام علي مالياً وإعلامياً ، بصورة لم تكرر في التأريخ ، حتى في زماننا هذا ، زمن أدّعاء الحداثويه والمعاصرة والتنوير ومابعد التنوير وحقوق الإنسان وغيرها من التسميات الخاليه من التطبيق، فعلي صوت الناس ، فلم يتعامل معهم كإمام معصوم صاحب حق إلهي يجب أن يخضعوا له كخرافٍ عمياء ، على خلاف نظريات البيعة الإستبدادية في الفقه السُني ، ونظريات ولاية الفقية المطلقة في الفقه الشيعي ..
علي كان قمّة في الأخلاق والقيم الإنسانية ، فلم يكون سَياسياً سرّيا يريد تهديّم دولة الخلافة من الداخل ، وبقي يقول للثائرين بعد عثمان إنه بالنسبة لضعفهم في تبني الحق وزير أخف عليهم من أن يكون أميراً ..
ثم نراهُ يُنصت للخوارج في التحكيم ، وبينما مَعاوية يمنع ماء النهر عن جيش الإمام ، فيقوم الإمام بالتحرير ويسمَح لمعاوية وأتباعه بالشرب ، فلو منعهم لتساوى الطرفان في البشاعة [ وحاشاه ] فليست السياسية لدى علي مفصولة عن القيم ، لذا كانت سياسته تجعل من الحياة المشتركة والتعايش بحبّ الآخر ، قيمة أولى في السلوك وفي المعرفة ، وعليّ لايقبل قتل عبد الرحمن بن ملجم رغم علمه بإنه يعمل لأغتياله ، لإن علي يمثل القانون فكيف يقوم بكسَره وتجاوزه [ لايجوز القصاص قبل الجنايه ] ، علي يخبز الأرغفة للإرامل والإيتام وكذلك لعوائل الخوارج الذين غَدروا به ، فكانت الإمهات يدّعِين عليه ، وهنّ لايعلّمَنّ أن الواقف على التنور هو علي بن أبي طالب [ عليه السَّلام ] .
لقد أستطاع الإمام بسلاح إنكار الذات أن يحقق ، ليس رفعة لشخصه فحسب ، وإنما أيضاً أن يوقع في أعدائه أكبر الهزائم ، هزائم باتت عِبرة لكلّ جيل ، فالقمّة الاخلاقية هنا تجعل من المُعادين لها تراباً تطأه أحذية المرتقين إليها .
علي هو العدل ، كفتحٍ متجددٍ ونصرٍ متجذرٍ في الروح ، وهو أملٌ مشبعٌ بالتمردِ ، عليٌ هو أزل الخلاص والإخلاص .
ولهذا لم يستطع التأريخ أن يجعل علي ينام في حضنه فنام هو في حضن علي ، فتساوي التراث الذي ذمّة حيث تراث السلطة ، والتراث الذي مدحه وهو تراث المعارضة ، ذلك أن علياً ناموس الحق ، وجبل القيم لا تهمّه ازبال تركتها الرياح في قعر الوادي ، ولا يصل إليه مدحُ مادحٍ ولايُحيط به فكرُ مفكرٍ ناقدٍ ، [ لايصل إليه الطير وينحدر عنه السيل ] فعلي إذا لم يصف نفسه فلا يُوصف ، وهو حينما يصف نفسه بمقدار سَعة عقولنا لا بمقدار حقيقته هو هو .
وحتى في سعة العقول لاتجد العُقول سِوى الأرتكان بالقلوب في شأن وصَف علي ، فعلي فكرٌ وعاطفة ، ولاطاقة للقلوب ، فيتعاون العقل والقلب معاً ، على ضرب حصار حول اللغة ، فلا يتبقى سوى تبتل المَجـاز في التعبير والبيان ، ولايبقى لدينا سوى صيغة [ أفعل التفضيل ] ، تجيرنا من ضيق العبارة كما فعل أبو نعيم الأصفهاني أحد المتصوفة في كتابه [ حلية الاولياء وطبقات الأصفياء ] حيث يقول : [ الإمام علي بن أبي طالب .. سيَّد القوم ، مُحبٌ المشهود ، ومحبوب المعبود ، باب مدينة العلم والعلوم ، ورأس المخاطبات ، ومستنبط الإرشادات ، راية المهتدين ، ونور المُطيعين ، ووليّ المتقين ، وإمام العادلين ، أقدمهم إجابة وإيماناً ، وأقومهم قضية وإتقـاناً ، وأعظمهم حلماً ، وأوفرهم عِلماً ، قدوة المُهتدين ، وزينة العارفين ، المُنبئ عن حقائق التوحيد ، المشير إلى لوامع علم التفريد ، صاحب القلب العقول ، واللّسان السؤول ، والإذن الواعي ، والعهد الوافي ، فقــأ عيون الفتنة ، ووقي من فنون المَحن ، فدفع الناكثين ، ووضع القاسطين ، ودفع المارقين ، الأخيشن في دين الله ، الممسوس في ذات الله ] .
وأخيراً لايبقى لي إلاّ أن أصف علي ( عليه السلام ) بلغة برهمية ، فعليٌ هو الذي يُفسّره الكلام ولكن لا تتم المعرفة إلاّ بكلامه ، فهو إمام المَعرفة وإمام الكلام ، وإمام الخير والسلام ، فمنه السلام وعليه السلام .
فها هو علي معَنى مُسجى على خشبة مسَرح التأريخ حوله الحسنان ويده تشير بالتوصية بالفقراء وتآخي الناس وتزويع الثروات العامة بالعدل ، بقي حتى آخر رمقٍ فيه ، وهو يوصّي بالمُجتمع وبالجماهير وضرورة الرحمة بقاتله ، لم يقل كلمة واحدة في شأن عائلته وشأن نفسه ، إنما عاش للجمَيع وبقي يعمل للجميع وآخر وصيته هي للكل ، فإجتَمع الكّل حول علي ، وداعاً يا علي بن أبي طالب ، وداعاً أيّها الإنسان ..وعظّم الله لكم الأجر بشهادته المؤلمة .

أسامة العتابي .